الرئيسيةالبيئة والمناخالتغير المناخيحرائق حوض المتوسط تستعصي على الإخماد: لماذا يحذر الخبراء من امتدادها إلى...

حرائق حوض المتوسط تستعصي على الإخماد: لماذا يحذر الخبراء من امتدادها إلى الجزائر؟

اجتاحت حرائق غابات غير مسبوقة إسبانيا وفرنسا وإيطاليا خلال الأسبوع الجاري، ما دفع مدريد إلى إعلان حالة الطوارئ الوطنية وأودى بحياة ثلاثة رجال إطفاء. وبينما يتحدث خبراء المناخ عن "تهديد للأمن القومي" يطال حوض المتوسط بأكمله، تخوض الجزائر في الوقت نفسه معركتها الخاصة ضد مئات الحرائق تحت وطأة موجة حر تلامس 49 درجة مئوية.

أعلنت الحكومة الإسبانية، الخميس 24 يوليو 2026، حالة الطوارئ ذات الأهمية الوطنية في إقليم مدريد ومقاطعة أفيلا، بعدما تحولت ثلاث بؤر نار منفصلة إلى حريق واحد ضخم غرب العاصمة تحت تأثير رياح تجاوزت سرعتها 50 كيلومترا في الساعة. ووصفت رئيسة إقليم مدريد إيزابيل دياز أيوسو الحدث بأنه “أسوأ حريق تشهده المنطقة في تاريخها”، فيما أكدت وزارة الداخلية الإسبانية، مساء الجمعة، أن عدد الأشخاص الذين أُجلوا أو أُلزموا بالبقاء داخل منازلهم في منطقة مدريد وحدها ارتفع إلى 63 ألف شخص، بعد أن كان يقارب 20 ألفا فقط قبل يوم واحد.

من 20 ألفا إلى 63 ألف مُجلى: كيف تسارعت أزمة مدريد خلال 24 ساعة؟

تركزت العمليات الأكثر حدة في مقاطعة أفيلا، حيث اضطرت فرق الحماية المدنية إلى إخلاء بلدات بأكملها من بينها سان مارتين دي بالدي إيغليسياس وتشابينيريا، بعدما اقتربت الألسنة من مناطق سكنية على بعد كيلومترات معدودة. وبحسب ما نقلته وكالة فرانس برس، أُجلي نحو 430 شخصا من فئات هشة، بينهم مسنون وأشخاص من ذوي الإعاقة، من خمس مؤسسات رعاية في المنطقة، في حين لجأ العشرات إلى مراكز إيواء طارئة وسط دخان كثيف غطى سماء المدن المجاورة. طلبت مدريد رسميا دعم آلية الحماية المدنية الأوروبية لتعزيز مئات الفرق العاملة على الأرض، فيما نشر الجيش الإسباني وحدة الطوارئ العسكرية “أومي” لمساندة أكثر من 270 عنصر إطفاء يواجهون النيران في ظروف وصفتها السلطات المحلية بـ”غير المسبوقة”.

حريق كاب فيري: كيف ابتلعت النيران أكبر جيب ساحلي في فرنسا هذا الموسم؟

على الساحل الأطلسي الفرنسي، اندلع حريق منطقة سومو بمقاطعة جيروند منذ الأربعاء، وامتد بسرعة عبر غابات الصنوبر الكثيفة ليلتهم أكثر من 12500 هكتار، وفق ما أعلنه وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز الذي وصفه بأنه “أكبر حريق يشهده الموسم الحالي”. فرضت السلطات إجلاء نحو 44 ألف شخص من شبه جزيرة كاب فيري السياحية برا وبحرا، بينما دمرت النيران 53 منزلا ومخيما سياحيا كاملا، وأصيب 42 من رجال الإطفاء أثناء المواجهة. وبالتوازي، اندلع حريق آخر بالقرب من بلدة بيسكاروس في مقاطعة لاند المجاورة، فالتهم آلاف الهكتارات في ساعاته الأولى وأجبر السلطات على إجلاء عشرات آلاف السكان.

غير أن الثمن الأثقل دفعه رجال الإطفاء أنفسهم. ففي 21 يوليو، لقي عنصرا الإطفاء أنتوني برتوم وويلفريد شميتر، البالغان من العمر 34 عاما، حتفهما بعد أن حاصرتهما النيران داخل شاحنتهما قرب مطار بوردو ميرينياك، بحسب بيان رسمي صادر عن محافظة جيروند. وفي اليوم التالي، أعلن وزير الداخلية الإيطالي متعو بيانتيدوزي وفاة رجل إطفاء إيطالي في جزيرة صقلية إثر وعكة صحية أثناء مكافحته حرائق طالت أيضا إقليم كالابريا المجاور، ليرتفع بذلك عدد رجال الإطفاء الذين قضوا في ثلاث دول أوروبية خلال أسبوع واحد إلى ثلاثة.

لماذا يتحدث الخبراء عن حوض المتوسط بوصفه “تهديدا للأمن القومي”؟

يرى الخبير البريطاني في شؤون المناخ توم بيرك، المستشار الحكومي السابق، أن ما تشهده أوروبا اليوم ليس مفاجأة بقدر ما هو تحقق لسيناريو حذر منه علماء المناخ قبل أكثر من ثلاثة عقود، بحسب تصريحات أدلى بها للجزيرة. ويعزو بيرك استحالة إخماد هذه الحرائق إلى تضافر الجفاف الحاد مع رياح نشطة تنقل الجمر بين الأشجار، إضافة إلى نقص حاد في المياه ومعدات الإطفاء الميدانية. هذا التوصيف ليس مبالغة بلاغية بقدر ما هو قراءة مناخية دقيقة: فحوض المتوسط يسجل، وفق تقرير للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، احترارا يفوق المعدل العالمي بنسبة تقارب 20 في المئة، ما يجعله من أكثر المناطق هشاشة أمام الظواهر المناخية المتطرفة على مستوى العالم.

في السياق ذاته، شدد بيرك على أن وصف الحرائق بتهديد الأمن القومي ليس توصيفا مبالغا فيه، ذلك أن دول جنوب أوروبا وشمال أفريقيا تتأثر بالتداعي المناخي نفسه، وهو ما يفرض تعاونا إقليميا يتجاوز حدود كل دولة على حدة. وحذر من أن أي حل جذري يمر عبر التوقف الفوري عن استخدام الفحم الحجري والوقود الأحفوري، وإلا فإن هذا المشهد سيتكرر كل صيف بحدة أكبر.

من مدريد إلى البويرة: لماذا يمتد التحذير إلى الجزائر؟

تكتسب هذه التحذيرات وقعا خاصا في الجزائر، التي تخوض منذ مطلع يوليو موجتها الخاصة من الحرائق تحت ضغط موجة حر بلغت في بعض الولايات 49 درجة مئوية. وسجلت المديرية العامة للحماية المدنية الجزائرية، بحسب ما نقلته الإذاعة الوطنية، نحو 1460 حريقا منذ بداية الشهر، طالت الغابات والأحراش والمحاصيل الزراعية وبساتين النخيل، مع إجلاء 386 عائلة من مناطق سكنية مهددة. وفي بعض الفترات، سجلت البلاد أكثر من 140 حريقا خلال 24 ساعة واحدة، تركزت أساسا في ولايات الشمال والوسط، من بينها البويرة وسطيف وتيزي وزو، فيما أمر رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون بالشروع الفوري في إحصاء الأضرار وتعويض المتضررين.

ما تكشفه هذه الحرائق المتزامنة على ضفتي المتوسط ليس مجرد تشابه في التوقيت، بل مؤشر على أن الأزمة المناخية باتت تعامل الشمال والجنوب بمنطق واحد، بصرف النظر عن الحدود السياسية أو مستوى التنمية. فالجزائريون المقيمون في فرنسا وإسبانيا، ممن يقصدون سواحل جيروند ومدريد خلال العطلة الصيفية لزيارة الأهل أو قضاء الإجازة، وجدوا أنفسهم هذا الصيف أمام مناطق مصنفة ضمن أعلى درجات الخطر، في وقت تواجه فيه الجزائر نفسها معركة مماثلة على ضفتها الجنوبية من المتوسط.

ما الذي يمكن أن يوقف تكرار المشهد كل صيف؟

تشير المعطيات المتاحة إلى أن الأسابيع المقبلة ستبقى حرجة، إذ لا تتوقع خدمات الأرصاد الجوية في إسبانيا وفرنسا وإيطاليا تراجعا ملموسا في درجات الحرارة قبل مطلع أغسطس. وتراهن السلطات الأوروبية على تكثيف التنسيق عبر آلية الحماية المدنية المشتركة، فيما تحث منظمات بيئية، من بينها غرينبيس استنادا إلى بيانات النظام الأوروبي لرصد حرائق الغابات، على التعجيل بخطط التكيف الزراعي والحضري في مناطق الخطر المرتفع. وفي الجزائر، تواصل فرق الحماية المدنية، مدعومة بطائرات الإطفاء والجيش الوطني الشعبي، عملياتها في الولايات الأكثر تضررا، وسط دعوات رسمية لتجنب أي سلوك قد يزيد من مخاطر اندلاع بؤر جديدة خلال ما تبقى من الصيف.

يبقى السؤال المركزي معلقا على المدى الطويل: هل تكتفي الحكومات الأوروبية والمتوسطية بإدارة الطوارئ موسما بعد آخر، أم تتحرك نحو معالجة الأسباب الهيكلية التي حذر منها العلماء منذ ثلاثة عقود؟ الإجابة، بحسب الخبراء، لن تُقاس بعدد الطائرات المرسلة هذا الصيف، بل بالقرارات التي تُتخذ بشأن الوقود الأحفوري خلال السنوات القليلة المقبلة.


المصادر

  1. الجزيرة نت – “حرائق مدريد إخمادها مستحيل”.. سيناريو حذر منه العلماء قبل 3 عقود (تقرير: ماجدة العرامي) – نُشر بتاريخ 24 يوليو 2026 – اطلع عليه ALG247.COM بتاريخ 24 يوليو 2026
  2. فرانس 24 (نقلا عن فرانس برس) – “إسبانيا: عدة حرائق تضرب منطقة مدريد ومقاطعة أفيلا” – france24.com – نُشر بتاريخ 24 يوليو 2026 – اطلع عليه ALG247.COM بتاريخ 24 يوليو 2026
  3. بلومبرغ – “Spain Declares National Emergency as Wildfires Spread Near Madrid and Ávila” – bloomberg.com – نُشر بتاريخ 24 يوليو 2026 – اطلع عليه ALG247.COM بتاريخ 24 يوليو 2026
  4. محافظة جيروند، الجمهورية الفرنسية (بيان رسمي) – “وفاة رجلي إطفاء إثر التدخل على حريق غابة قرب مطار بوردو ميرينياك” – gironde.gouv.fr – نُشر بتاريخ 21 يوليو 2026 – اطلع عليه ALG247.COM بتاريخ 24 يوليو 2026
  5. المديرية العامة للحماية المدنية الجزائرية (نقلا عن الإذاعة الجزائرية، عبر موقع البلد نيوز) – “الجزائر تواجه موجة حرائق واسعة بسبب الحر الشديد” – elbalad.news – نُشر بتاريخ 22 يوليو 2026 – اطلع عليه ALG247.COM بتاريخ 24 يوليو 2026
  6. مجلة Mongabay البيئية، نقلا عن تقرير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) – “Cradle of transformation: The Mediterranean and climate change” – news.mongabay.com – نُشر في فبراير 2022 – اطلع عليه ALG247.COM بتاريخ 24 يوليو 2026

ليلى منصور

شكرًا على قراءة المقال. اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية لتتلقى ملخصًا يوميًا لأحدث الأخبار.

ليلى منصور
ليلى منصورhttps://alahrar.net/
ليلى منصور صحفية عربية تهتم بقضايا المجتمع وحقوق الإنسان والمرأة والهجرة والتحولات الاجتماعية في المنطقة العربية. تركز في عملها على القصص الإنسانية والموضوعات التي تعكس أثر السياسات العامة في الحياة اليومية للمواطنين. تكتب بأسلوب يجمع بين الدقة الصحفية والاهتمام بالشهادات الميدانية، وتسعى إلى تقديم القضايا الاجتماعية بعيداً عن الأحكام المسبقة والتناول السطحي
مقالات ذات صلة
spot_img

ملفات الأحرار

الأكثر شهرة