الرئيسيةالتحليلاتقراءة في الأحداثشرق أوسط يعاد تشكيله بالحرب: من يربح من تراجع الدول وصعود الممرات؟

شرق أوسط يعاد تشكيله بالحرب: من يربح من تراجع الدول وصعود الممرات؟

منذ الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير 2026، تحول مضيق هرمز وقناة السويس من شريانين مضمونين إلى ساحتي مواجهة متكررة، ودفعت أطراف إقليمية عدة إلى تسريع أنابيب وموانئ وممرات بديلة لم تكن لتُبنى بهذه السرعة في زمن السلم. النتيجة ليست معركة بين محورين متقابلين، بل توزيع جديد للنفوذ بين دول ترى سيطرتها الجغرافية التقليدية تتآكل وأخرى تراهن على البنية التحتية كمصدر بديل للقوة.

في الرابع عشر من يوليو الجاري، أعلنت الولايات المتحدة استعادة حصارها البحري لإيران، بعد أن استهدفت طهران عدة سفن تجارية في مضيق هرمز، في تطور يكشف هشاشة مذكرة التفاهم التي وقعها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في السابع عشر من يونيو الماضي بقصر فرساي. الحرب التي بدأت في 28 فبراير 2026 بضربات أمريكية إسرائيلية أودت بحياة المرشد الأعلى علي خامنئي، لم تعد مجرد مواجهة عسكرية بين طهران وواشنطن وتل أبيب، بل تحولت إلى اختبار شامل لخريطة الممرات التجارية والطاقوية التي بُنيت عليها موازين القوى في المنطقة طوال العقود الماضية.

هرمز من ورقة ضغط إيرانية إلى عبء استراتيجي

باستخدامها التهديد بإغلاق المضيق كأداة تفاوضية، اكتشفت طهران أن السيطرة الجغرافية على ممر ضيق لم تعد تكفي لفرض الإرادة في اقتصاد عالمي مترابط. فمنذ 28 فبراير، انخفضت حركة العبور عبر هرمز بأكثر من 95 بالمئة مقارنة بمستوياتها المعتادة، بحسب بيانات جمعتها منصات تتبع الشحن البحري. لم يكن التوقف فعلياً بمعنى حجز عسكري كامل للممر في كل الأوقات، بل جاء أساساً من انسحاب شركات التأمين البحري من تغطية السفن العابرة، ما جعل المرور مكلفاً إلى درجة العزوف التجاري الكامل.

هذا ما يفسر لماذا لم تُفلح الهدنة الموقعة في يونيو في إعادة الثقة إلى الممر. فبعد أقل من شهر على مذكرة التفاهم، أعلن الحرس الثوري الإيراني في الحادي عشر من يوليو إغلاق المضيق مجدداً، عقب استهداف ثلاث سفن تجارية بين السادس والسابع من الشهر ذاته. ما يكشفه هذا التذبذب المتكرر ليس ضعف الردع الأمريكي فحسب، بل تحولاً أعمق: الممر الذي كان يُختزل تقليدياً في مسألة الوصول المادي، بات رهينة الثقة التجارية أكثر من رهينة القوة العسكرية.

أبوظبي والرياض تحولان الجغرافيا إلى شبكة أنابيب

في المقابل، سارعت دول الخليج المصدرة للنفط إلى تفعيل بدائل بُنيت أصلاً لأزمات أقل حدة. أنبوب “حبشان-الفجيرة” الإماراتي، الذي يبلغ طوله نحو 380 كيلومتراً وطاقته 1.8 مليون برميل يومياً، شهد ارتفاعاً في معدلات الضخ منذ اندلاع الحرب، بحسب بيانات شركة “كيبلر” لتحليل الشحن. أعلنت شركة أدنوك في منتصف مايو تسريع إنجاز أنبوب موازٍ يحمل اسم “الشرق-الغرب 1″، سيضاعف الطاقة التصديرية عبر ميناء الفجيرة إلى 3.6 مليون برميل يومياً بحلول 2027، بحسب ما أكده الرئيس التنفيذي لأدنوك سلطان الجابر.

أما السعودية، فوسّعت طاقة خط “بترولاين” الرابط بين محطة معالجة أبقيق وميناء ينبع على البحر الأحمر إلى سبعة ملايين برميل يومياً، في خطوة وصفها الرئيس التنفيذي لأرامكو أمين ناصر بأنها شريان حيوي للمملكة. وفي خطوة لافتة، انسحبت الإمارات من منظمة أوبك في الأول من مايو، متحررة بذلك من سقف الإنتاج الجماعي، وسط طموح معلن لرفع طاقتها الإنتاجية إلى ستة ملايين برميل يومياً. موانئ عمان، وتحديداً الدقم وصلالة، وجدت نفسها فجأة في موقع استراتيجي جديد كونها تقع خارج نطاق مضيق هرمز، بينما تعاني موانئ الخليج الداخلية، مثل جبل علي، من الاحتقان الناتج عن تحويل مسارات الشحن.

القاهرة تكتشف هشاشة الشريان الذي بنت عليه نفوذها

على الجانب الآخر من خريطة الممرات، وجدت مصر نفسها في موقع مختلف تماماً. فبحسب ما أعلنه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في الرابع من يوليو، بلغت خسائر البلاد التراكمية من تراجع الملاحة في قناة السويس نحو 10.5 مليار دولار منذ بداية الاضطرابات الإقليمية. تراجعت إيرادات القناة من رقم قياسي بلغ 10.25 مليار دولار في 2023 إلى ما دون أربعة مليارات دولار في 2024، بحسب هيئة قناة السويس، قبل أن تشهد تحسناً جزئياً محدوداً مطلع 2026.

ما يكشفه هذا الانهيار ليس أزمة مالية عابرة، بل تصدعاً في نموذج القوة الذي اعتمدته القاهرة لعقود: التحكم في ممر جغرافي يوفر عائداً مضموناً ونفوذاً دبلوماسياً موازياً. فحين أصبح أمن البحر الأحمر رهين قدرة قوى خارجية، الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل، على ردع الحوثيين، تراجع الدور المصري من ضامن إقليمي إلى طرف متلقٍ للحماية أكثر منه فاعلاً فيها. زيارة المفوضة الأوروبية دوبرافكا شويتسا للقاهرة في الأسبوع نفسه الذي أعلن فيه عبد العاطي حجم الخسائر لم تخلُ من هذه الدلالة: تثبيت حرية الملاحة بات مطلباً أوروبياً ملحاً بقدر ما هو هم مصري.

أنقرة تحول موقعها الجغرافي إلى نفوذ مالي وممرات موازية

بينما تتصدع أدوات القوة التقليدية في القاهرة وطهران، تراهن تركيا على استراتيجية مختلفة: تحويل موقعها الجغرافي إلى شبكة ممرات متعددة بدل الاعتماد على مضيق أو قناة واحدة. وقّعت أنقرة مع بغداد والدوحة وأبوظبي اتفاقاً إطارياً لمشروع “طريق التنمية”، بتمويل يقارب 17 مليار دولار، يربط ميناء الفاو الكبير جنوب العراق بالأراضي التركية عبر شبكة سكك حديد وطرق تمتد 1200 كيلومتر، بحسب تصريحات وزير النقل التركي عبد القادر أورال أوغلو. يهدف المشروع إلى خفض زمن الشحن بين شنغهاي وروتردام من 33 يوماً إلى 15 يوماً، متجاوزاً الاعتماد على هرمز والسويس معاً.

توازي أنقرة هذا المسار بمشروعين إضافيين: “الممر الأوسط” الرابط بين آسيا الوسطى وأوروبا عبر بحر قزوين والقوقاز، وممر زانكيزور الذي يربط شرق تركيا بأذربيجان عبر أرمينيا، وقد بدأ تنفيذه فعلياً رغم توقعات بعدم تشغيله الكامل قبل أربع أو خمس سنوات. لا تكتفي تركيا بطموح نقل البضائع، إذ يسعى مسؤولون أتراك صراحة إلى استقطاب أنشطة التأمين والتمويل التجاري المرتبطة بهذه الممرات إلى إسطنبول، في مسعى لمنافسة مكانة دبي وأبوظبي كمراكز مالية إقليمية.

العراق وبلاد الشام بين ساحة العبور والرهان الاستثماري

يقع العراق في قلب هذا التنافس، إذ يشكل ميناء الفاو الكبير، الذي لا يزال قيد الإنجاز، حجر الأساس لمشروع طريق التنمية. غير أن الطموح العراقي يصطدم بعقبات بنيوية: غياب ربط بري كافٍ بين حقول البصرة الجنوبية والشبكة الشمالية باتجاه تركيا، إلى جانب الخلافات المزمنة بين بغداد وأربيل حول تقاسم عائدات الطاقة، وهو ما اضطر حقولاً جنوبية إلى تقليص الإنتاج حين امتلأت خزانات التخزين خلال ذروة أزمة هرمز في مارس.

في موازاة ذلك، تدرس أنقرة مساراً بديلاً عبر الأردن وسوريا يتفادى ميناء حيفا الإسرائيلي الذي يُفترض أن يشكل حلقة وصل رئيسية في ممر IMEC الهندي الأوروبي، لكنه يضيف نحو 800 كيلومتر إلى المسافة الإجمالية، ما يثير تساؤلات جدية حول جدواه الاقتصادية. قطر من جهتها بدأت تدرس نقل جزء من صادراتها للغاز المسال عبر الأراضي التركية، في استجابة مباشرة لمخاطر هرمز المتكررة، رغم بقائها ضمن المنظومة الخليجية التقليدية. هذا التزامن بين مسارات متعددة، بعضها متنافس وبعضها متكامل، يوضح أن بلاد الشام لم تعد مجرد ساحة نزاع، بل باتت موضع رهان استثماري تتنافس عليه أطراف إقليمية متعددة.

لا محورين بل تحالفات متغيرة ومصالح متراكبة

يميل التحليل السطحي إلى اختزال هذا المشهد في مواجهة بين معسكر غربي خليجي يقوده ممر IMEC ومعسكر شرقي تقوده مبادرة الحزام والطريق الصينية بدعم روسي إيراني باكستاني. غير أن الوقائع الميدانية تكذّب هذا التبسيط. فالإمارات، الشريك الأساسي في IMEC، هي نفسها من بين الممولين الرئيسيين لمشروع طريق التنمية التركي العراقي المنافس، في مقاربة تقوم على تنويع الرهانات بدل الانحياز الحصري. قطر تحافظ على عضويتها في المنظومة الخليجية بينما تفتح خطوط تفاوض موازية مع أنقرة. الهند ذاتها، الشريك المحوري في IMEC، انخرطت في مساعٍ دولية لإعادة فتح مضيق هرمز إلى جانب دول أخرى، في إشارة إلى أن نيودلهي تحمي مصالحها الطاقوية بمعزل عن الاصطفافات الجيوسياسية الكبرى.

الصين بدورها لا تقف موقف المتفرج: انتقد محللون صينيون مشروع IMEC لاعتماده المفرط على النقل البحري وإقصائه إيران وتركيا، بينما تواصل بكين استثماراتها في مبادرة الحزام والطريق عبر مسارات موازية. النتيجة أن كل طرف إقليمي يوزع رهاناته على أكثر من ممر في آن واحد، سعياً لتفادي الوقوع رهينة لمسار وحيد قد يُغلق فجأة كما حصل مع هرمز والسويس. هذا التشابك يفسر لماذا يصعب رسم خط فاصل واضح بين محور وآخر في خريطة الممرات الجديدة.

على المدى المنظور، يبقى مصير هذه الممرات مرهوناً بتطورات ميدانية متسارعة أكثر من ارتباطه بخطط استثمارية طويلة الأمد. فبينما تتجه الإمارات نحو تشغيل كامل لأنبوب “الشرق-الغرب 1” بحلول 2027، لا يزال مضيق هرمز خاضعاً لتوتر يومي متجدد، إذ حذرت القيادة العسكرية الإيرانية في الرابع عشر من يوليو من أي تدخل أمريكي جديد في الممر، بعد ساعات من إعلان واشنطن استعادة حصارها البحري. المحادثات التقنية غير المباشرة التي احتضنتها الدوحة بين واشنطن وطهران تبقى المؤشر الأقرب لمعرفة ما إذا كانت الهدنة ستصمد هذه المرة، أم أن الممرات البديلة ستتحول من خطة طوارئ إلى بنية دائمة تعيد رسم موازين القوى في الشرق الأوسط بعيداً عن حدوده التقليدية.


المصادر

  1. Britannica – “2026 Iran war” – https://www.britannica.com/event/2026-Iran-war – تاريخ الاطلاع: 15 يوليو 2026
  2. Wikipedia – “2026 Strait of Hormuz crisis” – https://en.wikipedia.org/wiki/2026_Strait_of_Hormuz_crisis – تاريخ الاطلاع: 15 يوليو 2026
  3. Al Jazeera – “Iran war updates: US demands Iran publicly state Strait of Hormuz open for all” – https://www.aljazeera.com/news/liveblog/2026/7/11/iran-war-live-us-demands-iran-publicly-state-strait-of-hormuz-open-for-all – تاريخ النشر: 11 يوليو 2026
  4. EgyptToday – “Egypt incurs losses of about $10.5 billion in Suez Canal revenues due to regional instability” – https://www.egypttoday.com/Article/3/148162/Egypt-incurs-losses-of-about-10-5-billion-in-Suez – تاريخ النشر: 4 يوليو 2026
  5. CNBC – “UAE says new pipeline that will bypass Strait of Hormuz is nearly 50% complete” – https://www.cnbc.com/2026/05/20/uae-pipeline-strait-hormuz-iran-war-oil.html – تاريخ النشر: 20 مايو 2026
  6. Middle East Institute – “The India-Middle East-Europe Economic Corridor” – https://mei.edu/backgrounder/the-india-middle-east-europe-economic-corridor/ – تاريخ النشر: 5 يونيو 2026
  7. Eurasia Review – “Power Struggles In The Middle East And Ankara’s Corridor Strategy” – https://www.eurasiareview.com/28062026-power-struggles-in-the-middle-east-and-ankaras-corridor-strategy-analysis/ – تاريخ النشر: 28 يونيو 2026

أحمد ناصر

شكرًا على قراءة المقال. اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية لتتلقى ملخصًا يوميًا لأحدث الأخبار.

أحمد ناصر
أحمد ناصرhttps://alahrar.net/
أحمد ناصر صحفي يهتم بالشؤون السياسية والعلاقات الدولية والتحولات الجيوسياسية في العالم العربي والشرق الأوسط. يتابع الملفات الدبلوماسية والأمنية والانتخابات والحياة الحزبية، ويعمل على تقديم قراءة هادئة للأحداث تربط بين الخبر وسياقه السياسي والتاريخي. يركز في مقالاته على تحليل مواقف الفاعلين الرئيسيين وتوضيح انعكاسات القرارات الدولية على المنطقة.
مقالات ذات صلة
spot_img

ملفات الأحرار

الأكثر شهرة