تجاوزت حصيلة وباء إيبولا الناجم عن سلالة بونديبوغيو في جمهورية الكونغو الديمقراطية عتبة الألفي إصابة مؤكدة و754 وفاة بحلول منتصف يوليو/تموز 2026، بحسب آخر بيانات السلطات الصحية الكونغولية. وتكشف طبيعة هذه السلالة، إلى جانب غياب لقاح معتمد وتفشي النزاع المسلح في مناطق الفاشية، عن معادلة احتواء بالغة التعقيد لم تعرفها فاشيات إيبولا السابقة في البلاد بالحدة نفسها.
أعلنت وزارة الصحة العامة والنظافة والرعاية الاجتماعية في جمهورية الكونغو الديمقراطية، في 15 مايو/أيار 2026، عن تفشي وباء إيبولا في إقليم إيتوري شمال شرقي البلاد، بعد رصد عنقود وفيات غامضة بين العاملين الصحيين في منطقة مونغبوالو الصحية. وأكد التحليل الجيني للعينات، وفق منظمة الصحة العالمية، أن الفيروس المسؤول ينتمي إلى سلالة بونديبوغيو، وهي السابعة عشرة من نوعها التي تضرب الكونغو الديمقراطية منذ اكتشاف الفيروس عام 1976، والثالثة من سلالة بونديبوغيو تحديداً منذ ظهورها لأول مرة في أوغندا عام 2007.
سلالة نادرة تتحدى بروتوكولات إيبولا المعتادة
ما يميز الفاشية الحالية عن معظم فاشيات إيبولا التي عرفتها الكونغو الديمقراطية، بما فيها فاشية كيفو الكبرى بين عامي 2018 و2020، هو نوع السلالة نفسها. فسلالة زائير، المسؤولة عن أغلب الفاشيات الأفريقية الكبرى، هي التي طُوّر لها لقاح إرفيبو (Ervebo) المعتمد دولياً. أما سلالة بونديبوغيو فتختلف عنها جينياً بما يكفي لجعل هذا اللقاح غير مضمون الفعالية ضدها. وقد رجّحت دراسة أولية أُجريت على قردة المكاك احتمال فعالية جزئية للقاح ذاته، غير أن منظمة الصحة العالمية اعتبرت الأدلة المتوفرة غير كافية، وأوصت بعدم استخدامه في التصدي للفاشية الجارية.
ويكمن الفارق الآخر في الأعراض ذاتها: النزيف، الذي يُعد علامة كلاسيكية لسلالة زائير، أقل شيوعاً في حالات بونديبوغيو، ما يجعل التمييز بينها وبين أمراض استوائية أخرى كالملاريا والتيفوئيد أصعب في المراحل المبكرة. ووفق المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية في أفريقيا، ساهم هذا التشابه الأعراضي في تأخر اكتشاف الفاشية أشهراً عدة. إذ تشير تقديرات مركز السيطرة على الأمراض الأمريكي إلى أن انتقال الفيروس من الحيوان إلى الإنسان وقع على الأرجح في فبراير/شباط 2026، أي قبل نحو ثلاثة أشهر من إعلان الفاشية رسمياً في 15 مايو.
غياب لقاح معتمد يترك المصابين رهن الرعاية الداعمة فقط
لا يوجد حتى الآن أي لقاح أو علاج معتمد رسمياً وموجّه خصيصاً لسلالة بونديبوغيو، بحسب ما أكده المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية في أفريقيا. ويقتصر التعامل مع الحالات المؤكدة على الرعاية الداعمة، أي تعويض السوائل ومعالجة المضاعفات، في وقت تشير فيه التقديرات المستندة إلى الفاشيتين السابقتين لهذه السلالة، في أوغندا وفي مدينة إيزيرو الكونغولية عام 2012، إلى معدل وفيات يتراوح بين 25 و50 في المئة.
هذا الفراغ العلاجي دفع فرقاً بحثية دولية إلى تسريع تجارب سريرية غير مسبوقة. فقد أطلقت السلطات الكونغولية في 2 يوليو/تموز تجربة عشوائية لتقييم فعالية عقار ريمديسفير مع الجسم المضاد أحادي النسيلة MBP134، بحسب ما أعلنته ممثلة منظمة الصحة العالمية في الكونغو الديمقراطية آن أنسيا. وفي 15 يوليو، بدأت تجربة ثانية أُطلق عليها اسم EBO-PEP لاختبار عقار أوبيلديسيفير الفموي، الذي تطوره شركة جلعاد للعلوم الأمريكية، كوقاية بعد التعرض للمخالطين. وبالتوازي، أطلق باحثون في جامعة أكسفورد أولى تجارب المرحلة الأولى للقاح مخصص لسلالة بونديبوغيو ضمن برنامج يحمل اسم BD-Ebov.
نزوح جماعي وانعدام أمن يوفران بيئة مثالية لانتقال غير مرصود
تمتد الفاشية اليوم عبر خمس مقاطعات كونغولية، أبرزها إيتوري وكيفو الشمالية وكيفو الجنوبية، وهي مناطق تعيش فيها نحو خمسة ملايين شخص في وضعية نزوح داخلي، من أصل نحو سبعة ملايين نازح في عموم البلاد، بحسب تقديرات المجلس الأطلسي للعلاقات الخارجية. ويضاعف هذا النزوح الجماعي من صعوبة تتبع سلاسل العدوى، إذ يتنقل السكان بين مناطق النزاع هرباً من العنف، حاملين معهم احتمال انتقال الفيروس إلى مناطق لم تُصنَّف بعد ضمن بؤر الفاشية.
يضاف إلى ذلك أن إقليم إيتوري، حيث انطلقت الفاشية، يشهد نزاعاً عرقياً ممتداً منذ عقود، وتنشط فيه مجموعات مسلحة تستغل ثروات المنطقة من الذهب والقصدير والتنغستن والتانتالوم عبر التعدين الحرفي الصغير. وفي كيفو الشمالية، حيث تسيطر حركة 23 مارس على مساحات واسعة من الأراضي، تصطدم فرق الاستجابة الصحية بقيود ميدانية تحول دون الوصول الآمن إلى بعض المناطق. وهذا ما يفسر تحفظ منظمة الصحة العالمية إزاء تصريحات الحركة القائلة إن الفيروس اختفى من الأراضي الخاضعة لسيطرتها، إذ أوضحت ممثلتها آن أنسيا أن غياب حالات مؤكدة لا يعني بالضرورة نهاية سلاسل العدوى غير المكتشفة بعد.
تتبع المخالطين يصطدم بمعدلات متابعة دون العتبة التشغيلية
يبقى تتبع المخالطين حجر الزاوية في أي استراتيجية لاحتواء إيبولا، غير أن الأرقام الميدانية تكشف فجوة واضحة بين الحاجة والواقع. فبحسب تقرير الوضعية الصادر عن المعهد الوطني للصحة العامة الكونغولي بتاريخ 8 يوليو/تموز، كان هناك ما يقارب 11927 مخالطاً تحت المراقبة في مقاطعتي إيتوري وكيفو الشمالية، لكن معدل المتابعة الفعلية لم يتجاوز 78.6 في المئة، وهو معدل يقل عن العتبة التشغيلية الموصى بها لضمان رصد وبائي مُحكم.
وما يزيد المشهد تعقيداً هو أن 80 في المئة من الإصابات الجديدة المسجلة حديثاً غير مرتبطة بقوائم المخالطين المعروفة، بحسب ما أعلنه مدير عمليات الطوارئ في منظمة الصحة العالمية تشيكوي إيهيكويازو. هذه النسبة تعني عملياً أن معظم العدوى الجديدة تنبع من سلاسل انتقال مجهولة تماماً، لا من حلقات يمكن توقعها أو ضبطها مسبقاً. ولذلك اعتبرت منظمة الصحة العالمية أن الحجم الحقيقي للفاشية قد يكون أكبر بمرتين إلى أربع مرات من الأرقام الرسمية المعلنة.
انتقال عابر للحدود يضع أوغندا ورواندا وبوروندي في موقع تأهب
أدى القرب الجغرافي بين المناطق المنكوبة والحدود مع أوغندا ورواندا وبوروندي إلى تسجيل حالات مؤكدة خارج الأراضي الكونغولية. فقد أعلنت السلطات الأوغندية عن عشرين إصابة مؤكدة ووفاتين حتى 13 يوليو/تموز، غالبيتها مرتبط بالسفر من الكونغو الديمقراطية، بحسب المركز الأوروبي للوقاية من الأمراض ومكافحتها. كما أُبلغ عن حالات مستوردة أبعد من ذلك جغرافياً، من بينها طبيب أمريكي أُجلي إلى ألمانيا في مايو/أيار، وطبيب فرنسي عاد من إقليم إيتوري وشُخّصت إصابته في 24 يونيو/حزيران فور وصوله إلى مطار شارل ديغول، وحالة أمريكية ثانية أُجليت إلى ألمانيا في 13 يوليو.
هذا التوزع الجغرافي المتنقل للحالات لا يعكس بالضرورة انتشاراً عشوائياً، بل يكشف عمق الروابط السكانية والتجارية عبر ممر شرق الكونغو الديمقراطية وغرب أوغندا، وهو الممر ذاته الذي شهد تاريخياً فاشيات سابقة من سلالتي بونديبوغيو والسودان. وقد استجابت الولايات المتحدة لهذا الخطر بفرض تدابير سفر مشددة، شملت تعليق حق دخول رعايا أجانب معينين قادمين من مناطق الفاشية، وهو تعليق مدّدته السلطات الأمريكية في 13 يوليو لثلاثين يوماً إضافية.
سباق بين التمويل الدولي وسرعة انتشار غير مسبوقة
تشير منظمة أطباء بلا حدود إلى أن عدد الإصابات المؤكدة تضاعف ثلاث مرات خلال أقل من خمسة أسابيع، بينما تضاعف عدد الوفيات أكثر من خمس مرات خلال الفترة نفسها، واصفة وتيرة الانتشار بأنها “غير مسبوقة”. وبحسب مركز السيطرة على الأمراض الأمريكي، تجاوزت هذه الفاشية عتبة الألف إصابة مؤكدة خلال أربعين يوماً فقط من بدء الاستجابة، مقابل 235 يوماً استغرقتها فاشية كيفو الشمالية عام 2018 للوصول إلى العدد ذاته من الحالات.
هذا التباين الحاد في وتيرة الانتشار بين الفاشيتين لا يعكس بالضرورة شراسة أكبر للفيروس نفسه، بل يكشف بالدرجة الأولى فجوة رصد بنيوية تراكمت خلال الأشهر الثلاثة التي سبقت اكتشاف الفاشية رسمياً. وفي المقابل، أعلنت منظمة الصحة العالمية أنها لا تملك سوى أقل من نصف التمويل اللازم لمواجهة الفاشية، في وقت التزمت فيه جهات مانحة، من بينها المملكة المتحدة بمبلغ 20 مليون جنيه إسترليني، والولايات المتحدة بمبلغ 112 مليون دولار، والاتحاد الأوروبي بمبلغ 15 مليون يورو، بدعم جهود الاستجابة في الكونغو الديمقراطية وأوغندا.
يبقى مسار الفاشية مرهوناً بمدى قدرة فرق تتبع المخالطين على الوصول إلى المناطق التي يسيطر عليها النزاع المسلح، وبنتائج التجارب السريرية الجارية على العلاجات التجريبية، والتي يُنتظر أن تكشف بياناتها الأولى خلال الأسابيع المقبلة نتائج قد تحدد ما إذا كان بإمكان الأطباء أخيراً امتلاك سلاح علاجي فعّال ضد سلالة ظلت حتى الآن بلا رد طبي مباشر.
المصادر
- منظمة الصحة العالمية (WHO) – “Ebola disease caused by Bundibugyo virus, Democratic Republic of the Congo & Uganda” (تقرير أخبار تفشي الأمراض DON612)
https://www.who.int/emergencies/disease-outbreak-news/item/2026-DON612 – تاريخ الاطلاع: 16 يوليو 2026 - مركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها الأمريكي (CDC) – “Ebola Disease Outbreak in the Democratic Republic of the Congo and Uganda” (تنبيه شبكة تنبيه الصحة)
https://www.cdc.gov/han/php/notices/han00530.html – تاريخ الاطلاع: 16 يوليو 2026 - المركز الأوروبي للوقاية من الأمراض ومكافحتها (ECDC) – “Ebola outbreak – Democratic Republic of Congo and Uganda”
https://www.ecdc.europa.eu/en/ebola-outbreak-democratic-republic-congo-and-uganda – تاريخ الاطلاع: 16 يوليو 2026 - المجلس الأطلسي للعلاقات الخارجية (CFR) – “The Ebola Outbreak in the DRC Is Spreading. Here’s What to Know”
https://www.cfr.org/articles/africa-has-faced-a-rare-ebola-outbreak-for-months-heres-what-to-know – تاريخ الاطلاع: 16 يوليو 2026 - أخبار الأمم المتحدة (ONU Info) – “RDC : l’épidémie d’Ebola dépasse les 500 morts et continue de s’étendre”
https://news.un.org/fr/story/2026/07/1159111 – تاريخ الاطلاع: 16 يوليو 2026 - صحيفة لا برس (وكالة فرانس برس) – “Épidémie d’Ebola: plus de 2000 cas recensés en RDC”
https://www.lapresse.ca/international/afrique/2026-07-15/epidemie-d-ebola/plus-de-2000-cas-recenses-en-rdc-un-rythme-sans-precedent-selon-msf.php – تاريخ الاطلاع: 16 يوليو 2026
سارة خليل



