الرئيسيةالأخبارالعالم العربيلماذا يراهن العراق على كركوك-بانياس بديلاً عن هرمز؟

لماذا يراهن العراق على كركوك-بانياس بديلاً عن هرمز؟

وقّع العراق خلال قمة أعمال استضافتها واشنطن يوم 17 يوليو 2026 اتفاقيات ومذكرات تفاهم غير ملزمة مع شركات أمريكية تتجاوز قيمتها 60 مليار دولار، من بينها استثمار أعلنته شركة شيفرون في خط أنابيب كركوك-بانياس الذي يربط حقول شمال العراق بالساحل السوري. يطرح هذا التحرك سؤالاً مركزياً حول قدرة بغداد على تحويل وعود واشنطن إلى ممر تصدير فعلي، في وقت لا يزال فيه جزء كبير من المشروع حبيس مذكرات النوايا.

استضافت غرفة التجارة الأمريكية في واشنطن قمة الأعمال العراقية الأمريكية، بحضور رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، في أول زيارة خارجية له منذ توليه منصبه في مايو 2026. وبحسب ما نقلته الجزيرة نت، وقّع مسؤولون عراقيون 48 اتفاقية ومذكرة تفاهم مع شركات أمريكية تشمل قطاعات الطاقة والرعاية الصحية والتكنولوجيا، بينها ثلاث اتفاقيات مع شركة شيفرون، اثنتان منها لتعزيز الإنتاج في حقلي غرب القرنة 2 والناصرية جنوب العراق، والثالثة لاستثمار الشركة في خط الأنابيب الرابط بين العراق وسوريا. وأكد وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت الرقم عبر منصة إكس، مشيراً إلى أن الاتفاقيات التجارية مع شركات الطاقة الأمريكية تجاوزت 60 مليار دولار.

مذكرات تفاهم غير ملزمة أمام مشروع لم يبدأ تنفيذه بعد

الفارق بين ما وُقّع فعلياً وما بدأ تنفيذه على الأرض هو ما يحدد قيمة هذا الإعلان. فالاتفاقيات الموقعة في واشنطن وُصفت في التغطيات العربية بأنها “غير ملزمة”، أي أنها تعبّر عن نية استثمارية أكثر مما تشكل التزاماً تعاقدياً نهائياً. غير أن العراق لم ينتظر توقيع الاتفاقات الكبرى ليتحرك: فقد بدأ فعلياً، وفق يورونيوز بالعربية، بنقل كميات محدودة من النفط الخام عبر شاحنات تعبر الأراضي السورية خلال فترة الحرب، وإن كانت هذه الكميات غير كافية لتعويض الصادرات البحرية. كما وافقت الحكومة العراقية في 5 يوليو 2026 على اتفاقيات أولية تفتح الطريق أمام تحالف أمريكي قطري لدراسة مسارات تصدير استراتيجية، وهي خطوة رسمية أكثر تحديداً من مجرد مذكرة تفاهم، لكنها تبقى في مرحلة الدراسة الفنية لا التنفيذ الكامل. ما يميز هذه الجولة من المحاولات عن سابقاتها ليس فقط الغطاء الأمريكي الرسمي، بل كون العراق شرع فعلاً في تصدير جزء من نفطه عبر سوريا قبل أن تُستكمل الاتفاقات الكبرى، وهو ما لم يحدث في المحاولة التي قادتها شركة روسية عام 2007 وتوقفت عام 2009.

خط أنابيب عمره أكثر من سبعين عاماً يستعيد بريقه

بُني خط أنابيب كركوك-بانياس عام 1952، ويمتد على طول يقارب 800 كيلومتر من حقول كركوك شمال العراق إلى ميناء بانياس السوري على البحر المتوسط، بطاقة تصميمية بلغت 300 ألف برميل يومياً. وتوقف الخط مرات عدة عبر تاريخه: خلال أزمة السويس عامي 1956 و1957، ثم بين عامي 1982 و2000 حين اصطفت دمشق إلى جانب إيران في الحرب العراقية الإيرانية، قبل أن يتوقف نهائياً عام 2003 عقب الغزو الأمريكي للعراق وأعمال تخريب طالت منشآته. ووفق ما نقلته مؤسسة كارم شعار الاستشارية المتخصصة في الاقتصاد السوري، ظل الخط معطلاً منذ ذلك التاريخ أكثر من عقدين. وقال نائب وزير النفط السوري لشؤون النفط، غياث دياب، لصحيفة العربي الجديد إن محطات الضخ على طول المسار مدمرة في معظمها وتحتاج إلى إعادة تأهيل شاملة تطال الأنابيب وخزانات التخزين والمضخات والشبكات الكهربائية.

واشنطن ودمشق وبغداد على طاولة واحدة

يقود الملف من الجانب الأمريكي المبعوث تشارلز باراك، سفير واشنطن لدى أنقرة ومبعوثها إلى سوريا والعراق، الذي أشرف على التفاوض قبل جولة رئيس الوزراء العراقي في الولايات المتحدة. وفي المقابل الجانب السوري، تندرج المفاوضات ضمن مسار أوسع تتبعه الحكومة السورية الجديدة لجذب الاستثمار الأجنبي، عبر تحديث التشريعات النفطية وإطلاق الشركة السورية للنفط لإدارة الموارد وتشجيع الشراكات بين القطاعين العام والخاص. وبحسب مصادر إقليمية، من المتوقع أن يزور وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني واشنطن للمشاركة في مراسم توقيع اتفاق خط الأنابيب. أما الجانب الشركاتي، فيضم إلى جانب شيفرون شركة “تي آي كابيتال” الأمريكية، التي تتولى دراسات الجدوى الفنية، وشركة قطرية تحمل اسم “يو سي سي” ضمن تحالف مكلف بدراسة مسارات التصدير البديلة. ولخّص رئيس الوزراء العراقي سياسة بلاده خلال القمة بجملة مقتضبة، مؤكداً أن حكومته “لن نجعل الأمر صعباً على أحد” أمام أي طرف يملك مشروعاً استثمارياً جاداً.

لماذا يريد العراق التخلص من اعتماده على هرمز؟

يعتمد العراق على مضيق هرمز في تصدير 95 في المئة من نفطه الخام، بينما تشكل عائدات النفط نحو 90 في المئة من موازنة الدولة، وفق ما نقلته وكالة رويترز عن مسؤولين إقليميين. وقد تفاقم هذا الاعتماد الهش منذ تصاعد المواجهة الأمريكية الإسرائيلية مع إيران وسيطرة طهران الفعلية على حركة الملاحة في المضيق. ووفق تقديرات نشرها مرصد “إيكو عراق” الاقتصادي، فقد العراق منذ إغلاق المضيق وحتى نهاية يونيو 2026 نحو 350 مليون برميل من صادراته، بقيمة تقارب 37.7 مليار دولار، علماً أن هذا الرقم صادر عن جهة رصد مستقلة ولم تؤكده جهة حكومية رسمية حتى الآن. وهنا تكمن الأهمية الاستراتيجية لخط بانياس: فهو يمنح النفط العراقي منفذاً بحرياً مباشراً إلى الأسواق الأوروبية عبر المتوسط، بمعزل تام عن الممر الخليجي الذي يخضع لنفوذ إيراني متصاعد. وتحضر هنا مقارنة مفيدة لقراء المنطقة المغاربية: فالجزائر، التي تصدّر معظم غازها عبر خطوط أنابيب متوسطية مباشرة إلى إسبانيا وإيطاليا، تجنبت أصلاً هذا النوع من الاختناقات الجيوسياسية التي يحاول العراق التخلص منها اليوم.

ما الذي ينتظر أن يُحسم في الأشهر المقبلة

لم تُخفِ طهران انزعاجها من المشروع. فقد حذّر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، خلال زيارة إلى بغداد، مما وصفه بـ”تجاوز” الترتيبات المتعلقة بمضيق هرمز، فيما أعلن مسؤولون إيرانيون أن سيطرة بلادهم على المضيق ستستمر. في المقابل، تقدّر جهات فنية أن إعادة تأهيل الخط بشكل كامل قد تستغرق ما بين عامين وثلاثة أعوام، مع تقديرات لكلفة إعادة الإعمار تتراوح بين 4.5 و8 مليارات دولار، وهي أرقام لم تُثبَّت بعد في عقود نهائية. يبقى العراق في الأثناء يدرس مساراً بديلاً آخر عبر خط البصرة-جيهان التركي، إلى جانب مشروعي “طريق التنمية” و”الشام الجديد”، ما يعكس سعياً عراقياً إلى تنويع منافذه بدل الرهان على ممر وحيد. الموعد المقبل الذي سيوضح مدى جدية المشروع هو توقيع اتفاق رسمي بين بغداد ودمشق وواشنطن، لم يُحدَّد تاريخه النهائي بعد حتى نشر هذا المقال.


المصادر

  1. الجزيرة نت – “العراق يوقع 48 اتفاقية مع شركات أمريكية بقيمة 60 مليار دولار”
    https://www.aljazeera.net/ebusiness/2026/7/18/العراق-يوقع-48-اتفاقية-مع-شركات-أمريكية – تاريخ الاطلاع: 18 يوليو 2026
  2. العربي الجديد – “اتفاقات بقيمة 60 مليار دولار تعزز شراكة واشنطن وبغداد”
    https://www.alaraby.co.uk/economy/اتفاقات-بقيمة-60-مليار-دولار-تعزز-شراكة-واشنطن-وبغداد – تاريخ الاطلاع: 18 يوليو 2026
  3. يورونيوز بالعربية – “اتفاق مرتقب بين واشنطن وبغداد ودمشق.. خط أنابيب نفطي يتجاوز مضيق هرمز؟”
    https://arabic.euronews.com/2026/07/12/new-energy-pipeline-us-revives-kirkuk-banias-bypass-hormuz – تاريخ الاطلاع: 18 يوليو 2026
  4. RT Arabic (وسيلة إعلام مرتبطة بالدولة الروسية) – “واشنطن تدعم إعادة تأهيل خط أنابيب النفط كركوك ـ بانياس بين العراق وسوريا بديلا عن هرمز”
    https://rtarabic.com/middle_east/1810637 – تاريخ الاطلاع: 18 يوليو 2026
  5. ذا نيو آراب (النسخة الإنكليزية للعربي الجديد) – “Syria, Iraq planning to revive Kirkuk-Baniyas oil pipeline”
    https://www.newarab.com/news/syria-iraq-planning-revive-kirkuk-baniyas-oil-pipeline – تاريخ الاطلاع: 18 يوليو 2026
  6. جريدة البلاد – “العراق يوقع اتفاقيات بـ60 مليار دولار مع شركات أميركية في الطاقة والتكنولوجيا”
    https://www.albiladpress.com/news/2026/6487/finance/1009769.html – تاريخ الاطلاع: 18 يوليو 2026

يوسف عبد الله

شكرًا على قراءة المقال. اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية لتتلقى ملخصًا يوميًا لأحدث الأخبار.

يوسف عبد الله
يوسف عبد اللهhttps://alahrar.net/
يوسف عبد الله صحفي اقتصادي يتابع قضايا الأسواق والطاقة والاستثمار وريادة الأعمال والتنمية المستدامة. يهتم بتحليل المؤشرات الاقتصادية وشرح أثر القرارات المالية في الشركات والأسر والمجتمعات، كما يتابع التحولات المرتبطة بالطاقة النظيفة والأمن الغذائي والمياه. يحرص في كتاباته على تقديم الأرقام في سياق واضح، بعيداً عن المصطلحات المعقدة والمبالغة.
مقالات ذات صلة
spot_img

ملفات الأحرار

الأكثر شهرة