قررت الجزائر، في 10 سبتمبر/أيلول 2026، قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الإمارات العربية المتحدة، متهمة أبو ظبي بما وصفته بـ«تصرفات استفزازية أو عدائية»، من دون أن تحدد حادثة بعينها دفعتها إلى اتخاذ القرار. وقالت وزارة الخارجية الجزائرية إن الحكومة لجأت إلى القطيعة بعد «استنفاد جميع السبل الكفيلة بالحفاظ على العلاقات الثنائية». واستُدعي السفير الإماراتي في الجزائر لإبلاغه القرار، ومنح مهلة 48 ساعة لمغادرة البلاد. كما فرضت الجزائر قيوداً على الطائرات الإماراتية المسجلة، مع استثناء الرحلات التجارية حتى نهاية عام 2026.
أبو ظبي تجنبت الرد بالمثل. وأعربت وزارة الخارجية الإماراتية عن أملها في أن يكون القرار «مؤقتاً»، مؤكدة تمسكها بالروابط بين الشعبين وبالمصالح المشتركة، ولا سيما في ظل وجود جالية جزائرية في الإمارات. هذا الاختلاف بين حدة القرار الجزائري ونبرة الرد الإماراتي لا يبدد الغموض المحيط بالسبب المباشر للقطيعة. فالبيان الرسمي الجزائري تحدث عن تراكم تصرفات معادية، لكنه لم يعرض أدلة علنية أو وقائع تفصيلية. لذلك، ينبغي التمييز بين الأسباب التي أعلنتها الجزائر، والخلافات الإقليمية التي تشكل خلفية الأزمة، والاتهامات التي تداولتها وسائل إعلام جزائرية من دون أن تصبح كلها حقائق مثبتة.
أزمة تراكمت بعيداً عن القنوات العلنية
لم تبدأ الأزمة في سبتمبر/أيلول 2026. فقد شهدت العلاقات تراجعاً تدريجياً خلال السنوات السابقة، بعدما تحولت الإمارات من شريك اقتصادي خليجي للجزائر إلى طرف تنظر إليه دوائر سياسية وإعلامية جزائرية باعتباره حليفاً وثيقاً للمغرب ومنافساً على النفوذ في شمال أفريقيا والساحل.
ظهرت إحدى العلامات المبكرة للتدهور في مراجعة اتفاق النقل الجوي الموقع بين البلدين سنة 2013. ثم ارتفعت حدة الخطاب في وسائل إعلام قريبة من السلطة الجزائرية، حيث وُجهت إلى الإمارات اتهامات بالتدخل في شؤون دول المنطقة ودعم سياسات تعتبرها الجزائر مهددة لأمنها القومي. لكن العلاقات لم تنقطع حينها. استمر التواصل الرسمي، كما بقيت المصالح الاقتصادية وحركة الأفراد قائمة. ويشير ذلك إلى أن الجزائر حاولت لبعض الوقت إدارة الخلاف من دون الانتقال إلى مواجهة دبلوماسية مفتوحة.
قرار 10 سبتمبر وضع نهاية لهذه المرحلة. فالقطيعة تعني أن الجزائر لم تعد ترى الخلاف مجرد تباين يمكن احتواؤه داخل العلاقات الثنائية، بل باتت تتعامل معه بوصفه جزءاً من صراع إقليمي يمس محيطها الأمني المباشر.
الصحراء الغربية في قلب التباعد
يمثل النزاع في الصحراء الغربية أوضح نقاط الخلاف بين الجزائر والإمارات.
تدعم الجزائر حق تقرير المصير الذي تطالب به جبهة البوليساريو، وتستضيف مخيمات اللاجئين الصحراويين وقيادة الجبهة على أراضيها. أما الإمارات فقد اقتربت بصورة واضحة من الموقف المغربي، وكانت أول دولة عربية تفتح قنصلية في مدينة العيون، الواقعة في الجزء الذي يسيطر عليه المغرب من الإقليم المتنازع عليه، وذلك في نوفمبر/تشرين الثاني 2020. حملت هذه الخطوة دلالة سياسية تتجاوز العمل القنصلي. فقد اعتبرها المغرب دعماً لسيادته على الصحراء الغربية، بينما رأت فيها الجزائر تكريساً لانحياز إماراتي إلى الرباط في أكثر الملفات حساسية بالنسبة إلى السياسة الخارجية الجزائرية.
تزامن ذلك مع توسع الشراكة الاقتصادية والأمنية بين الإمارات والمغرب، ثم مع تعميق الرباط علاقاتها بإسرائيل. وفي 16 سبتمبر/أيلول 2026، اتفق المغرب وإسرائيل على الارتقاء بعلاقاتهما وفتح سفارتين وتعيين سفيرين، في استمرار لمسار التطبيع الذي انطلق سنة 2020. لا يثبت هذا التزامن وحده وجود تنسيق موجه ضد الجزائر. لكنه يعزز، من وجهة النظر الجزائرية، تشكل محور إقليمي يجمع المغرب والإمارات وإسرائيل، وتعتقد الجزائر أن نتائجه تمس التوازن العسكري والدبلوماسي في المغرب العربي.
مقاربتان متعارضتان في ليبيا
تلتقي الجزائر والإمارات أيضاً عند حدود الأزمة الليبية، لكنهما تنطلقان من رؤيتين مختلفتين.
حافظت الجزائر، في خطابها الرسمي، على الدعوة إلى تسوية سياسية ليبية ورفض تحويل البلاد إلى ساحة نفوذ عسكري للقوى الخارجية. يرتبط هذا الموقف بحدود مشتركة تمتد قرابة ألف كيلومتر، وبخشية جزائرية من انتقال السلاح والجماعات المسلحة وانهيار مؤسسات الدولة الليبية. في المقابل، ارتبط اسم الإمارات على مدى سنوات بدعم معسكر المشير خليفة حفتر في شرق ليبيا. وقد وثقت تقارير دولية هذا الدعم، بينما كانت الجزائر أكثر تحفظاً تجاه مشروع حسم الصراع بالقوة وتوسيع نفوذ قيادة عسكرية واحدة على حساب التسوية التفاوضية.
لا يتعلق الخلاف هنا باختيار شخصية ليبية فقط. الجزائر تريد دولة مجاورة مستقرة لا تتحول إلى قاعدة عسكرية أو سياسية لقوة خارجية، في حين بنت الإمارات سياستها في عدد من الدول العربية والأفريقية على دعم شركاء محليين قادرين على فرض نفوذ ميداني ومواجهة الحركات الإسلامية المسلحة أو السياسية. مع تراجع حدة الحرب المفتوحة في ليبيا، لم تختف آثار هذه المنافسة. بقيت شبكات التحالف والتمويل والتسليح، واستمر الصراع على المؤسسات والموارد وموقع ليبيا داخل الترتيبات الجديدة في شمال أفريقيا وشرق المتوسط.
الساحل لم يعد مجالاً جزائرياً شبه حصري
تزداد حساسية الخلاف كلما اتجه جنوباً. فقد اعتبرت الجزائر منطقة الساحل امتداداً مباشراً لأمنها القومي، واعتمدت طويلاً على الوساطة السياسية والعلاقات الأمنية مع مالي والنيجر ودول أخرى. غير أن هذا الدور تعرض للضغط خلال السنوات الأخيرة. انهار اتفاق السلام المالي الموقع في الجزائر سنة 2015، وتدهورت العلاقات بين الجزائر والمجالس العسكرية الحاكمة في مالي والنيجر وبوركينا فاسو. وبلغ التوتر ذروته في 2025، بعد إسقاط طائرة مسيرة مالية قرب الحدود وتبادل سحب السفراء وإغلاق الأجواء.
في الوقت نفسه، دخلت قوى أخرى إلى المنطقة بأدوات مختلفة: روسيا عبر التعاون العسكري، وتركيا عبر الطائرات المسيرة والصناعات الدفاعية، والمغرب عبر الدبلوماسية والاتفاقات الاقتصادية، والإمارات عبر الاستثمارات والشراكات الأمنية والصلات مع حكومات ونخب محلية. بالنسبة إلى الجزائر، لا تمثل هذه التحركات جميعها تهديداً بالدرجة نفسها. لكن حضور الإمارات يكتسب حساسية خاصة بسبب تحالفها مع المغرب وانتشار نفوذها في ليبيا والسودان وبلدان أفريقية أخرى.
ولا توجد، في الوثائق الرسمية المنشورة عن القطيعة، تفاصيل تثبت أن نشاطاً إماراتياً محدداً في الساحل كان السبب المباشر للقرار. الأدق أن المنطقة أصبحت إحدى ساحات التنافس التي غذت انعدام الثقة، بعدما فقدت الجزائر جزءاً من قدرتها السابقة على توجيه التوازنات جنوب حدودها.
إسرائيل تحوّل الخلاف إلى مسألة أمنية
وقعت الإمارات اتفاق تطبيع العلاقات مع إسرائيل في سبتمبر/أيلول 2020، ضمن ما عُرف باتفاقات أبراهام. وبعد أشهر، استأنف المغرب علاقاته مع إسرائيل في مسار رعته الولايات المتحدة وتزامن مع اعتراف واشنطن بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية. رفضت الجزائر هذا الاتجاه، وتمسكت بعدم التطبيع قبل قيام دولة فلسطينية وإنهاء الاحتلال. ومع توسع التعاون الأمني والعسكري بين المغرب وإسرائيل، لم تعد الجزائر تنظر إلى التطبيع باعتباره خياراً دبلوماسياً يخص الدول المعنية وحدها.
من هذه الزاوية، يجمع الموقف الإماراتي بين عنصرين يقلقان الجزائر: دعم الطرح المغربي في الصحراء الغربية، وإقامة شراكة مفتوحة مع إسرائيل. ولا يعني ذلك أن الإمارات وإسرائيل والمغرب تعمل دائماً وفق سياسة موحدة، إذ تملك كل دولة مصالحها وحساباتها، كما ظهرت خلافات إماراتية إسرائيلية بشأن الحرب على غزة وسياسة الضم والاستيطان. مع ذلك، أسهم تقارب هذه الأطراف في زيادة شعور الجزائر بأنها تواجه بيئة إقليمية أقل توازناً، تمتد من المحيط الأطلسي إلى الساحل ومن البحر المتوسط إلى الخليج.
القطيعة تعيد رسم التحالفات ولا تحسم المنافسة
يضع القرار الجزائري حداً لمرحلة إدارة الخلاف، لكنه لا يوقف النفوذ الإماراتي في المنطقة. فأبو ظبي بنت خلال السنوات الماضية علاقات اقتصادية وأمنية واسعة في المغرب وأفريقيا، وتمتلك قدرة مالية تمنحها أدوات لا تتوافر لكثير من القوى الإقليمية.
الجزائر بدورها تملك عناصر قوة مختلفة: الموقع الجغرافي، والجيش، وموارد الطاقة، والحدود الطويلة مع الساحل، وعلاقات تاريخية مع حركات ودول أفريقية. غير أن استخدامها لهذه العناصر أصبح أصعب في بيئة تتعدد فيها القوى المنافسة وتتراجع فيها الوساطات التقليدية. اقتصادياً، ستفرض القطيعة أسئلة على الاستثمارات الإماراتية القائمة وحركة رجال الأعمال والجالية الجزائرية والرحلات الجوية. ولم تعلن السلطات، حتى الآن، إنهاء جميع الروابط التجارية أو فرض عقوبات اقتصادية شاملة. كما أن استثناء الرحلات التجارية مؤقتاً يشير إلى رغبة في تجنب انتقال الأزمة فوراً إلى الأفراد والمصالح المدنية.
أما سياسياً، فقد تدفع القطيعة الجزائر إلى توثيق علاقاتها مع دول خليجية أخرى، ولا سيما تلك التي لا تتبنى المستوى نفسه من التقارب مع المغرب وإسرائيل. وقد تحاول الإمارات في المقابل الحفاظ على قنوات غير مباشرة تمنع تحول الخلاف إلى خصومة دائمة. القرار يكشف، في المحصلة، أن المغرب العربي والساحل لم يعودا فضاءين منفصلين عن صراعات الشرق الأوسط. الصحراء الغربية وليبيا ومالي والتطبيع مع إسرائيل أصبحت ملفات مترابطة داخل منافسة واحدة على النفوذ والأمن والطرق التجارية والتحالفات العسكرية.
ومع غياب شرح جزائري مفصل للوقائع التي سبقت القطيعة، ستبقى معرفة السبب المباشر ناقصة. أما الخلفية السياسية للقرار فقد أصبحت أكثر وضوحاً: الجزائر والإمارات تتحركان وفق تصورين متعارضين للترتيب الإقليمي، والوسائل الدبلوماسية التي سمحت بإدارة هذا التباعد لم تعد، في نظر الجزائر، كافية.
المصادر
- وكالة الأنباء الجزائرية: الجزائر تقرر قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الإمارات، 10 سبتمبر 2026
- رويترز: الجزائر تقطع علاقاتها الدبلوماسية مع الإمارات، 10 سبتمبر 2026
- أسوشيتد برس: وسائل إعلام رسمية تعلن قطع الجزائر علاقاتها بالإمارات
- وزارة الخارجية المغربية: افتتاح القنصلية الإماراتية العامة في العيون، 4 نوفمبر 2020
- رويترز: المغرب وإسرائيل يتفقان على الارتقاء بالعلاقات وفتح سفارتين، 16 سبتمبر 2026
- أسوشيتد برس: تداعيات إسقاط الطائرة المسيرة على علاقات الجزائر بدول الساحل
أحمد ناصر



