نشرت الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية، في عددها رقم 44، القانون رقم 26-12 المؤرخ في 8 جوان 2026، المعدل والمتمم للقانون رقم 04-08 المؤرخ في 14 أوت 2004 والمتعلق بشروط ممارسة الأنشطة التجارية. صادق المجلس الشعبي الوطني على النص أواخر أفريل 2026، قبل أن يحظى بالإجماع في مجلس الأمة مطلع ماي من العام نفسه، في مسار وصفه رئيس المجلس الشعبي الوطني إبراهيم بوغالي بأنه يجسد التزام مؤسسات الدولة بتكريس الشفافية وتحصين الاقتصاد الوطني من أشكال الانحراف المالي.
ما الذي يغيره القانون 26-12 في شروط التسجيل التجاري؟
عدّلت المادة الثالثة من القانون الجديد المادة الثامنة من قانون 2004، التي تحدد الأشخاص غير المؤهلين للتسجيل في السجل التجاري. أضاف النص إلى قائمة الممنوعين المدانين في قضايا تبييض الأموال وتمويل الإرهاب والتخريب، إلى جانب المتورطين في تمويل انتشار أسلحة الدمار الشامل والغش الجبائي ومخالفات حركة رؤوس الأموال، والأشخاص أو الكيانات المدرجة على قوائم العقوبات الدولية. كما ألزم النص كل تاجر بتعديل مستخرج سجله التجاري خلال شهر واحد من أي تغيير يطرأ على نشاطه، تحت طائلة غرامات تصل إلى 500,000 دينار للشخص الطبيعي و700,000 دينار للشخص المعنوي، مع إمكانية الغلق الإداري للمحل في حال عدم التسوية، وشطب السجل بقرار قضائي في نهاية المطاف.
الرقمنة وسجل المستفيدين الحقيقيين في خدمة تصنيف الجزائر الدولي
لا ينفصل هذا التشديد التنظيمي عن مسار رقمنة أوسع يقوده المركز الوطني للسجل التجاري منذ سنوات، عبر رقمنة مختلف الإجراءات والسجلات لضمان شفافية أكبر في المعاملات. ويحتل سجل المستفيدين الحقيقيين، الذي يكشف عن الأشخاص الطبيعيين المستفيدين فعليا من الشركات خلف الواجهات القانونية، موقعا مركزيا في هذا الإصلاح. يُقدَّم هذا السجل باعتباره أداة لبناء قاعدة بيانات دقيقة ومحيّنة عن المتعاملين الاقتصاديين، تتيح تتبع سلاسل التوزيع وفهم تركيبة الأسعار ومراقبة التدفقات التموينية، وباعتباره رافعة لرفع تصنيف الجزائر في تقارير الامتثال الدولية. ويأتي هذا المسار في سياق سعي الجزائر إلى الخروج من القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي المعروفة اختصارا بغافي، بعدما أشاد مجلس الوزراء بهذا الخروج خلال اجتماع لاحق لصدور القانون. والانتماء إلى هذه القائمة ليس مسألة رمزية: فهو يثقل كاهل البنوك الجزائرية في تعاملاتها مع المصارف المراسلة الأجنبية، ويرفع كلفة تمويل التجارة الخارجية، ما يجعل تشديد الرقابة على السجل التجاري أداة اقتصادية بقدر ما هو التزام قانوني بحت.
شطب السجلات التجارية يتسارع منذ بداية 2026
كشفت معطيات ميدانية عن تزايد عمليات شطب السجلات التجارية في الجزائر مطلع السنة، وهي ظاهرة وصفها الطاهر بولنوار، رئيس الجمعية الوطنية للتجار والحرفيين، بأنها متكررة كل بداية سنة لأسباب اقتصادية وتنظيمية متعددة. ويرى خبراء اقتصاديون أن جزءا معتبرا من هذه السجلات كان يخص نشاطات معلقة فعليا منذ سنوات، بحيث لا يعكس شطبها تراجعا حقيقيا في النشاط بقدر ما يصحح مؤشرات كانت مشوهة من الأساس. غير أن جانبا آخر من هذه المغادرات يعكس، بحسب المتابعين أنفسهم، قرارات طوعية لتجار فضلوا التوقف أمام تقليص الاستيراد وتعميم الرقمنة وتشديد متطلبات الشفافية في المعاملات التجارية والمالية.
24 في المائة من الناتج خارج الرقابة الرسمية
يكتسب هذا النقاش وزنه من حجم الاقتصاد غير الرسمي في الجزائر. وبحسب تقرير دولي استعرضته تادامسا نيوز، احتلت الجزائر المرتبة 44 عالميا من حيث حجم الاقتصاد الموازي مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي إلى غاية ماي 2025، بحصة قُدرت بنحو 24.2 في المائة من ناتج محلي إجمالي بلغ آنذاك 247.6 مليار دولار وفق تقديرات 2023. هذا الرقم لم تؤكده جهة جزائرية رسمية بشكل مستقل، وهو ما يستدعي التعامل معه كمؤشر تقريبي لا كإحصاء نهائي. في المقابل، يقدّر صندوق النقد الدولي الناتج المحلي الإجمالي الجزائري لعام 2026 بنحو 317.17 مليار دولار، ما يعني أن أي نسبة اقتصاد موازٍ مقاربة لتلك التي رصدها التقرير تمثل عشرات المليارات من الدولارات خارج القيد الجبائي والرقابة الرسمية.
بين تكلفة الامتثال وإغراء البقاء في الظل
بالنسبة إلى صاحب محل صغير أو حرفي يعمل في سوق شعبية، تعني هذه الإصلاحات مجموعة أعباء إضافية: تحيين مستمر للسجل التجاري، رأسمال أدنى مطلوب في بعض الأنشطة يصل إلى 100,000 دينار، توثيق رسمي لدى الموثق في حالات معينة، وربط متزايد بمنصات رقمية تفرضه شركات الشحن والموردون الكبار على المتعاملين المسجلين. هذه الكلفة، إدارية ومالية في آن واحد، تدفع بعض الفاعلين الصغار إلى تفضيل البقاء خارج الإطار الرسمي، حيث الغياب عن السجل التجاري يعفيهم من الضرائب والرقابة لكنه يحرمهم أيضا من التسهيلات الائتمانية والتعاقدات الكبرى. يضاف إلى ذلك أن تعقيد الإجراءات المحاسبية المرتبطة بتحيين السجل ورأس المال المصرح به يدفع عددا متزايدا من صغار التجار إلى الاستعانة بمكاتب محاسبة، وهي خدمة كانت حتى وقت قريب حكرا على المؤسسات المتوسطة والكبرى، ما يرفع الكلفة الفعلية للامتثال عند من لا يتقن التعامل مع المنصات الرقمية. وهنا يكمن جوهر الرهان: هل تدفع كلفة الامتثال المرتفعة صغار التجار نحو مزيد من التخفي، أم أن تشديد العقوبات على النشاط غير المصرح به يجعل البقاء خارج القانون أكثر كلفة من الدخول فيه؟
لا يحسم النص القانوني وحده هذا التوازن. تطبيق القانون 26-12 سيمر عبر قرارات الولاة، ومتابعة الغرف التجارية، وقدرة إدارة الضرائب على تتبع سجل المستفيدين الحقيقيين ميدانيا لا على الورق فقط. المؤشر الذي سيحدد اتجاه الميزان في الأشهر المقبلة هو تطور عدد التسجيلات الجديدة في السجل التجاري مقارنة بعدد عمليات الشطب، وهو رقم من المرتقب أن تنشره وزارة التجارة الداخلية وضبط السوق الوطنية بشكل دوري.
المصادر
- الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية، العدد 44، القانون رقم 26-12 المؤرخ في 8 جوان 2026 (كما استعرضته أوراس ضمن تغطيتها للنص)
https://www.awras.com/قائمة-جديدة-للممنوعين-من-ممارسة-التجا/ – تم الاطلاع عليه في 6 أوت 2026 - أخبار بلا حدود، “قانون جديد في الجزائر يمنع هذه الفئات من التسجيل في السجل التجاري”
https://www.unlimited-news.com/قانون-جديد-في-الجزائر-يمنع-هذه-الفئات-م/ – تم الاطلاع عليه في 6 أوت 2026 - أوراس، “المصادقة على مشروع قانون تجاري جديد لدعم خروج الجزائر من القائمة الرمادية لغافي”
https://www.awras.com/المصادقة-على-مشروع-قانون-تجاري-جديد-ل/ – تم الاطلاع عليه في 6 أوت 2026 - شهاب برس، “مجلس الأمة يصادق بالإجماع على قانون جديد لتنظيم النشاطات التجارية”
https://www.shihabpresse.dz/مجلس-الأمة-يصادق-بالإجماع-على-قانون-جد/ – تم الاطلاع عليه في 6 أوت 2026 - تادامسا نيوز، “الجزائر تعدل قانون الأنشطة التجارية” (تفاصيل الرقمنة وسجل المستفيدين الحقيقيين)
https://tadamsanews.dz/الجزائر-تعدل-قانون-الأنشطة-التجارية/ – تم الاطلاع عليه في 6 أوت 2026 - Ultra Algeria، “شطبُ السجلات التجارية في الجزائر.. لهذه الأسباب فضل آلاف التجار مغادرة السوق”
https://ultraalgeria.ultrasawt.com/ – تم الاطلاع عليه في 6 أوت 2026 - تادامسا نيوز، “تقرير دولي يكشف حجم الاقتصاد الموازي في الجزائر إلى غاية ماي 2025” (مصدر ثانوي غير مؤكد رسميا، أشير إليه صراحة في المتن)
https://tadamsanews.dz/تقرير-دولي-يكشف-حجم-الاقتصاد-الموازي-ف/ – تم الاطلاع عليه في 6 أوت 2026 - صندوق النقد الدولي، تقديرات الناتج المحلي الإجمالي للجزائر لعام 2026 (كما استعرضتها الرأي نيوز ووكالات محلية)
https://elrainews.dz/الجزائر-تحتل-الصدارة-المغاربية-ب317-م/ – تم الاطلاع عليه في 6 أوت 2026
بقلم: يوسف عبد الله



