مساء الأربعاء، بدأت مقاطع مصورة تتداول على نطاق واسع في الجزائر، تُظهر كورنيش مدينة جيجل وقد التهمته النيران. بثّتها صفحة “جيجل نيوز” على فيسبوك، قبل أن تتناقلها وسائل إعلام محلية عدة خلال ساعة واحدة فقط. في تلك اللحظة، كانت الحصيلة الرسمية لا تزال في طور التشكّل: حديث عن قتيلين اثنين في محيط بجاية، ومئات العائلات التي غادرت منازلها بحثا عن ملجأ. لكن الحصيلة التي أُعلنت بعد ساعات كانت أثقل بكثير. اثنا عشر قتيلا.
أعلن وزير الداخلية والجماعات المحلية والنقل، سعيد سعيود، مساء الأربعاء عبر التلفزيون الرسمي أن حصيلة ضحايا حرائق الغابات التي اندلعت في عدة ولايات بلغت اثني عشر قتيلا: خمسة في ولاية جيجل، وأربعة في ولاية بجاية، وثلاثة في ولاية تيزي وزو. وأوضح الوزير، الذي رافقه إلى بجاية وزير الصحة محمد الصديق آيت مسعودان، أن أربعة وخمسين شخصا أصيبوا بجروح متفاوتة، من بينهم ستة في حالة خطيرة يتلقون العلاج داخل مستشفيات الولاية. وذكرت وكالة الأنباء الجزائرية أن الوزيرين تنقّلا ميدانيا إلى بجاية للاطلاع مباشرة على سير عمليات الإخماد وعلى الحالة الصحية للجرحى، قبل أن يواصلا جولتهما نحو المناطق الأشد تضررا. ومع تواصل عمليات الإحصاء الميداني، لا يستبعد مسؤولون محليون أن ترتفع الحصيلة مجددا في الساعات المقبلة، خصوصا في المناطق التي لا يزال الوصول إليها صعبا بسبب انقطاع الطرق.
بحسب حصيلة نشرتها المديرية العامة للحماية المدنية عند الساعة الخامسة مساء الأربعاء، سُجّل مائة وواحد وثلاثون حريقا عبر خمس عشرة ولاية، أُخمد منها ستة وخمسون، فيما بقي خمسة وسبعون حريقا مشتعلا. وكانت بجاية الأكثر تضررا بعشرين حريقا لا يزال أغلبها نشطا، تليها تيزي وزو بثلاثة عشر حريقا، ثم سكيكدة بعشرة. وسجّلت جيجل ستة حرائق، والطارف خمسة، بينما تقاسمت سطيف وميلة أربعة حرائق لكل منهما، وعنابة ثلاثة، وقلمة والمدية وقسنطينة حريقين لكل ولاية.
وأشارت الحماية المدنية إلى أن بؤرا معزولة اندلعت أيضا في باتنة وتبسة وتيسمسيلت وبومرداس. وهذا ما يكشف أن رقعة حرائق هذا الأسبوع لم تقتصر فعليا على الشرق وحده، بل امتدت إلى ولايات في وسط البلاد أيضا، حتى وإن ظلّ الشرق يستأثر بالحصة الأكبر من الضحايا والبؤر النشطة.
في الطارف، أُجليت عائلات بأكملها من بلدتي بوتلجة وعزيتونة تحسبا لامتداد النيران، فيما أكدت الحماية المدنية أن خطر وصول الحرائق إلى المساكن ابتعد في تلك المنطقة تحديدا مع حلول المساء. أما في سكيكدة، فقد تعددت بؤر الاشتعال بين بلديات تمالوس وفيلفيلة وبوشطاطة وعين شرشار، حيث ظلّ حريق أخير يهدد مساكن سكانية مباشرة. وأغلقت مصالح الدرك الوطني ثلاثة طرق وطنية رئيسية تربط مناطق الشرق الجزائري بعضها ببعض، بالقرب من بجاية وجيجل وسطيف، ما عزّل مؤقتا عددا من البلديات وعقّد وصول فرق التدخل.
لم يُعلن بعدُ أي رقم رسمي وطني عن مساحة الغطاء النباتي المحروق أو حجم الخسائر في المساكن والممتلكات الفلاحية. طلبت وزارة الداخلية من الولاة إعداد جرد ميداني شامل يشمل المساكن والاستغلالات الفلاحية والمواشي وأشجار الفاكهة والتجهيزات المتضررة، ليكون أساسا لتعويض المتضررين لاحقا. وأطلق الهلال الأحمر الجزائري حملة تضامن عاجلة في عدة ولايات شرقية، من بينها سكيكدة وبجاية وجيجل وعنابة والطارف وقالمة، لتوفير الإيواء والمساعدة الأولية للعائلات التي فقدت منازلها.
تتكرر هذه المشاهد في الجزائر كل صيف تقريبا، لكن حدّتها تتفاوت بتفاوت الجفاف وحرارة الرياح. فمنذ الثامن من يوليو الماضي، أحصت المصالح المختصة أكثر من ألف وخمسمائة حريق عبر التراب الوطني، من بينها نحو أربعمائة حريق غابوي حقيقي، خلّفت وحدها ستة قتلى وعشرات المساكن المتضررة في ولايات بجاية وتيزي وزو وسكيكدة وقالمة وعنابة والبويرة. والفارق هذه المرة أن النار لا تلتهم الأشجار فقط، بل تلتهم أيضا قطعان الماشية وخلايا النحل وأعشاش الطيور التي لا تظهر في أي حصيلة رسمية، لأن أحدا لا يُحصي الكائنات التي لا تُعوَّض.
ولم تُحسم بعدُ أسباب اندلاع هذه الحرائق تحديدا، إذ تخضع كل بؤرة حريق لتحقيق مستقل تجريه المصالح المختصة. لكن مسؤولا عن حماية الغابات والحياة البرية بالمديرية العامة للغابات كان قد أوضح، في وقت سابق من الموسم، أن تسعة وتسعين بالمائة من حرائق الغابات في الجزائر مصدرها بشري. عقب سيجارة، أو موقد مخيّم، أو حرق بقايا زراعية قرب أراضٍ حرجية: تفاصيل صغيرة تتحوّل، في ظل الحرارة والرياح القوية، إلى شرارة كافية لالتهام آلاف الأشجار. وأضاف المسؤول ذاته أن الأمطار الغزيرة التي عرفتها البلاد الشتاء الماضي غذّت نموا نباتيا كثيفا. هذا الغطاء العشبي يجفّ بسرعة تحت الحرّ، ليتحوّل إلى وقود إضافي بين أيدي الرياح.
تستحضر الأرقام الحالية، رغم ثقلها، صيف 2023، حين أودت حرائق مماثلة في محيط بجاية بحياة أكثر من ثلاثين شخصا، ودمّرت آلاف الهكتارات من الغابات والأراضي الفلاحية ومئات المنازل. والمقارنة ليست تفصيلا عابرا. فبجاية، التي تتصدّر اليوم مجددا قائمة الولايات الأكثر تضررا، تحوّلت في غضون ثلاث سنوات إلى نقطة اختبار متكررة لقدرة الدولة على مواجهة موسم يزداد قسوة عاما بعد عام.
خلال زيارته الميدانية، توقّف وزير الداخلية عند بلدة برج الطهر، حيث التقى سكانا شاركوا بأنفسهم في عمليات إخماد النيران قبل وصول فرق الحماية المدنية. وأشاد الوزير بما وصفه بـ”تضامن السكان” ومشاركتهم في عمليات الإخماد، مؤكدا لهم استمرار دعم الدولة إلى حين تحسّن الوضع. كلمات قيلت في قرية لا يظهر اسمها عادة على الخريطة، إلا حين تحترق.
في جيجل، حيث سقط أكبر عدد من الضحايا، كانت فرق التدخل عند الساعة الثامنة مساء لا تزال تُحصي سبعة بؤر نشطة. وفي بجاية وحدها، تتوزع فرق أخرى على ثمانية عشر حريقا. الأرقام تتغيّر كل ساعة. لكن ما لا يتغيّر هو المشهد ذاته الذي يتكرر: عائلات تحمل ما استطاعت حمله، وطرقات مقطوعة، وجبال محترقة تنتظر أن يهدأ الريح لتُحصى خسائرها كاملة. ولا أحد، عند كتابة هذه السطور، يستطيع الجزم بأن الليلة القادمة ستكون أهدأ من سابقتها.
المصادر
- Algérie Eco – حصيلة الاثني عشر قتيلا، نقلا عن تصريحات وزير الداخلية سعيد الصايود عبر التلفزيون الرسمي ووكالة الأنباء الجزائرية
https://algerie-eco.com/2026/08/27/algerie-au-moins-12-morts-dans-les-incendies-de-forets/ – تم الاطلاع عليه في 27 أغسطس 2026 - France 24 – تغطية حرائق شرق الجزائر وحصيلة الضحايا والجرحى، نقلا عن وزارة الداخلية والحماية المدنية
https://www.france24.com/fr/afrique/20260826-algerie-incendies-feux-de-foret-deux-morts-blesses-evacuations-bejaia-jijel – تم الاطلاع عليه في 27 أغسطس 2026 - TSA (Tout sur l’Algérie) – تفاصيل ميدانية عن انتشار الحرائق في بجاية وجيجل وحصيلة المديرية العامة للحماية المدنية
https://www.tsa-algerie.com/feux-de-foret-scenes-dapocalypse-a-lest-de-bejaia/ – تم الاطلاع عليه في 27 أغسطس 2026 - Algérie Patriotique – تصريحات وزير الداخلية خلال زيارته الميدانية إلى بجاية وبرج الطهر
https://algeriepatriotique.com/2026/08/27/incendies-de-forets-12-deces-des-dizaines-de-blesses-et-une-mobilisation-massive-des-autorites/ – تم الاطلاع عليه في 27 أغسطس 2026 - Horizons.dz – تصريح مسؤول حماية الغابات والحياة البرية بالمديرية العامة للغابات حول أسباب حرائق الموسم
https://www.horizons.dz/2026/07/feux-de-foret-150-hectares-deja-parcourus-par-les-flammes/ – تم الاطلاع عليه في 27 أغسطس 2026 - Beurfm – سياق موجة حرائق يوليو 2026 وحصيلتها الأولى (ستة قتلى)
https://www.beurfm.net/incendies-en-algerie-six-morts-et-le-bouleversant-temoignage-d-une-sinistree-de-skikda – تم الاطلاع عليه في 27 أغسطس 2026
ليلى منصور – مجلة الاحرار



