الرئيسيةالأخبارالوطنإصلاح المالية العامة في الجزائر: من سيتحمل كلفة تقليص العجز؟

إصلاح المالية العامة في الجزائر: من سيتحمل كلفة تقليص العجز؟

اختتم صندوق النقد الدولي في مطلع تموز/يوليو 2026 بعثته السنوية إلى الجزائر بدعوة صريحة إلى "تصحيح مالي معتبر"، في وقت لا يزال فيه عجز الموازنة عند 10.5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي رغم تراجعه عن مستويات العام الذي سبقه. بين ضبط الإنفاق ومراجعة الدعم وإصلاح الجباية ودور المؤسسات العمومية، تُطرح على الطاولة خيارات تلامس مباشرة جيب المواطن وميزانية الشركة والخدمة العمومية.

غادرت بعثة الصندوق، بقيادة المسؤول في إدارة أفريقيا شرالامبوس تسانغاريدس، الجزائر العاصمة في 30 يونيو/حزيران 2026 بعد أسبوعين من المشاورات مع السلطات في إطار المادة الرابعة من اتفاقية الصندوق. وأشارت البعثة، في بيانها الختامي الصادر في 6 يوليو، إلى أن الاقتصاد الجزائري نما بنسبة تقديرية بلغت 3.9 بالمئة في 2025 مدفوعا أساسا بالاستثمار العمومي، فيما توقعت أن يستقر النمو عند 3.8 بالمئة خلال 2026 بفعل ارتفاع أسعار المحروقات. غير أن هذا الأداء الإيجابي في ظاهره لا يخفي، بحسب الصندوق، اتساع الفجوة بين نفقات الدولة ومواردها غير النفطية.

عجز يتراجع رقميا لكنه يبقى بلا إصلاح هيكلي واضح

تراجع عجز الموازنة العامة إلى 10.5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي في 2025، مقارنة بتقديرات فاقت 11 بالمئة كانت البعثة قد رجّحتها في تقريرها السابق الصادر في سبتمبر/أيلول 2025. غير أن هذا التراجع لم ينتج عن ضبط دائم في الإنفاق العمومي، بل عاد أساسا إلى تحويلات استثنائية لمرة واحدة من أرباح مؤسسات عمومية ومن بنك الجزائر، إضافة إلى تحسن طفيف في الجباية غير النفطية، وفق ما أوضحه الصندوق في بيانه.

هذا الفارق بين تراجع العجز الظاهري وثباته البنيوي هو ما يفسر تشديد الصندوق على أن الهامش المالي لا يزال متآكلا، رغم تحسن الأرقام المعلنة. فالدين العمومي واصل ارتفاعه إلى 52.1 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل مستويات أدنى في السنوات السابقة، فيما تدهور الحساب الجاري بشكل حاد نتيجة تزايد الواردات المرتبطة بالاستثمار العمومي وتراجع صادرات المحروقات، ما أدى إلى استنزاف جزء من الاحتياطيات الدولية.

أربع روافع تتصدر توصيات الصندوق

لم يكتفِ تقرير الصندوق بالتشخيص، بل حدد أربعة محاور رئيسية يمكن أن تشكل، إذا اعتمدتها السلطات الجزائرية، مسارا للتصحيح المالي. يتعلق المحور الأول بضبط الإنفاق عبر تحسين كفاءة الاستثمار العمومي، بما يضمن عائدا اقتصاديا أكبر لكل دينار يُنفق دون المساس بالمشاريع ذات الأولوية.

أما المحور الثاني فيخص الجباية، حيث دعا الصندوق إلى توسيع القاعدة الضريبية وتقليص الإعفاءات الضريبية، إلى جانب تعزيز إدارة الضرائب عبر الرقمنة لمكافحة الاقتصاد غير الرسمي وتحسين نسبة التحصيل. ويشكل هذا المحور أحد أكثر الملفات حساسية، إذ يمس مباشرة الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تنشط جزئيا خارج الدائرة الضريبية الرسمية.

ويرتبط المحور الثالث بإصلاح الدعم والتحويلات الاجتماعية، إذ سبق لصندوق النقد أن قدّر، في تقريره الصادر في سبتمبر 2025، أن رفع أسعار الوقود والكهرباء تدريجيا إلى مستويات “استرداد التكلفة” يمكن أن يوفر للخزينة العمومية ما متوسطه 7.2 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي سنويا خلال السنوات الخمس الأولى من التطبيق. يبقى هذا رقما نظريا يفترض تنفيذا كاملا لم تُقرّه السلطات الجزائرية حتى الآن، ويشترط الصندوق لأي إصلاح من هذا النوع وضع آلية تعويض تستهدف الأسر الأكثر هشاشة، وهي آلية يعمل البنك الدولي على مساعدة الجزائر في تصميمها بحسب التقرير ذاته.

أما المحور الرابع فيتعلق بالمؤسسات العمومية والبنوك الحكومية، حيث طالب الصندوق بالحد من التحويلات المالية الموجهة لهذه المؤسسات وتقليص الترابط المالي المعقد بينها وبين الخزينة العامة والقطاع المصرفي العمومي.

كيف يؤثر ذلك عليك؟

تبقى هذه التوصيات، في مجملها، مقترحات فنية موجهة للسلطات الجزائرية، ولم تتحول بعد إلى قرارات حكومية نهائية. غير أن اتجاهها العام يسمح برسم ثلاثة مسارات محتملة للتأثير، بحسب الفئة المعنية.

على مستوى الأسر، يظل السيناريو الأكثر حساسية مرتبطا بإصلاح دعم الوقود والكهرباء. فأي تحرك تدريجي نحو أسعار أقرب إلى التكلفة الحقيقية سيرفع، بشكل مباشر أو عبر تكاليف النقل، فاتورة الاستهلاك اليومي للأسر، ما لم تواكبه آلية تعويض فعالة كتلك التي يعمل عليها البنك الدولي. في المقابل، حافظ قانون المالية لسنة 2026، الذي دخل حيز التنفيذ في 1 يناير الماضي، على الإعفاءات الجمركية والضريبية على مواد أساسية كالحليب والقهوة والزيوت واللحوم حتى نهاية العام، ورفع منحة البطالة من 15 ألف إلى 18 ألف دينار، وهي منحة استفاد منها أكثر من 2.3 مليون جزائري وفق بيانات 2024.

على مستوى الشركات، يعني توسيع القاعدة الضريبية ومكافحة الاقتصاد غير الرسمي ضغطا أكبر على المؤسسات التي تعمل حاليا خارج الإطار الجبائي الرسمي، في وقت أتاح فيه قانون المالية 2026 آلية تسوية ضريبية طوعية استثنائية بمعدل تحرري قدره 8 بالمئة سارية حتى نهاية العام، إلى جانب التنازل عن ديون ضريبية قديمة تعود لما قبل 2011. هذه المعادلة تكشف عن مقاربة تفضّل تشجيع الشركات على الاندماج الطوعي في المنظومة الرسمية بدل فرض عقوبات فورية.

أما على مستوى الخدمات العمومية، فإن الحد من التحويلات إلى المؤسسات العمومية يعني عمليا مطالبة هذه المؤسسات، ومن بينها شركات النقل والطاقة والمرافق العمومية، بتحسين نجاعتها المالية الذاتية بدل الاعتماد على دعم الخزينة. ويظل الأثر المباشر لهذا التوجه على جودة الخدمة العمومية غير محسوم بعد، إذ لم تكشف الحكومة عن جدول زمني أو قائمة بالمؤسسات المعنية بهذا الإصلاح.

بين توصيات الصندوق وأولويات قانون المالية 2026

يكشف قانون المالية لسنة 2026 عن هامش تباعد واضح بين ما يوصي به صندوق النقد الدولي وما اختارته السلطات الجزائرية فعليا لهذه السنة. فقد حدد القانون، الصادر في الجريدة الرسمية في 31 ديسمبر 2025، إيرادات بنحو 8 تريليونات دينار (8009 مليار دينار تحديدا) مقابل نفقات قدرها نحو 17.6 تريليون دينار، بعجز توقعي بلغ نحو 9.6 تريليون دينار، فيما يقدَّر الرصيد العام للخزينة، المحسوب على أساس معدل استهلاك للنفقات بنسبة 70 بالمئة، بعجز أقل حدة بلغ نحو 5.2 تريليون دينار، وفق بيانات الأمانة العامة للحكومة.

ولم يتضمن القانون، بحسب وكالة الأنباء الجزائرية، أي ضرائب جديدة تمسّ مباشرة القدرة الشرائية للمواطنين، بل أبقى على طابع الدولة الاجتماعي عبر التحويلات والدعم الموجه للمواد الأساسية والطاقة. كما ارتفعت كتلة الأجور في القطاع العام إلى نحو 5.9 تريليون دينار، أي ما يعادل 33.6 بالمئة من مجمل الموازنة، بزيادة قدرها 83 مليار دينار مقارنة بالسنة الماضية.

هذا الاختيار يعكس أولوية واضحة للاستقرار الاجتماعي على حساب التصحيح المالي السريع الذي يطالب به الصندوق، في مقاربة تراهن على أن ارتفاع أسعار المحروقات سيمنح الخزينة هامشا إضافيا يُغني، ولو مؤقتا، عن إصلاحات أكثر إيلاما. ويأتي هذا التباين في وقت تباطأ فيه معدل التضخم السنوي إلى 1.5 بالمئة بنهاية نوفمبر 2025 مقارنة بـ1.7 بالمئة في أكتوبر، بحسب بيانات الديوان الوطني للإحصائيات التي نقلتها وكالة الأنباء الجزائرية، وهو تراجع من شأنه أن يمنح الحكومة مساحة زمنية إضافية قبل أن يفرض عليها أي إصلاح للدعم كلفة تضخمية مباشرة.

المحطات المقبلة التي ستحدد مسار الإصلاح

ينتظر أن تخضع نتائج بعثة 2026 لمصادقة المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي في الأسابيع المقبلة، وهي الخطوة التي تحوّل عادة الملاحظات الفنية للبعثة إلى تقرير رسمي معتمد يوجَّه إلى الحكومة الجزائرية. وفي موازاة ذلك، يبقى مآل آلية التعويض الموجهة للأسر الهشة، التي يعمل عليها البنك الدولي بالتنسيق مع السلطات، أحد المؤشرات الأكثر دلالة على جدية أي تحرك مقبل بشأن دعم الطاقة.

أما على الصعيد الداخلي، فستنطلق الحكومة الجزائرية خلال الأشهر المقبلة في إعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027، وهي المناسبة التي ستكشف ما إذا كانت توصيات الصندوق ستجد طريقها فعليا إلى نص تشريعي، أم أن الأولوية ستبقى لحماية القدرة الشرائية في أفق الاستحقاقات الاجتماعية والسياسية المقبلة.


المصادر

  1. صندوق النقد الدولي – بيان اختتام بعثة مشاورات المادة الرابعة لعام 2026 مع الجزائر
    https://www.imf.org/en/news/articles/2026/07/06/pr26236-algeria-imf-staff-completes-2026-article-iv-mission – تاريخ الاطلاع: 15 يوليو 2026
  2. صندوق النقد الدولي – تقرير مشاورات المادة الرابعة لعام 2025 مع الجزائر (تقدير عائدات إصلاح دعم الطاقة)
    https://www.imf.org/-/media/files/publications/cr/2025/english/1dzaea2025001-source-pdf.pdf – تاريخ الاطلاع: 15 يوليو 2026
  3. وزارة المالية الجزائرية / الأمانة العامة للحكومة – نص قانون المالية لسنة 2026
    https://www.mf.gov.dz/images/pdf/loidefinance/Loi_de_Finances_2026_FR.pdf – تاريخ الاطلاع: 15 يوليو 2026
  4. وكالة الأنباء الجزائرية (واج) – أحكام قانون المالية 2026 الداعمة للقدرة الشرائية
    https://www.aps.dz/fr/economie/banque-et-finances/mj5wnhyp-plusieurs-dispositions-pour-soutenir-le-pouvoir-d-achat-et-ameliorer-les-conditions-de-vie-des-citoyens – تاريخ الاطلاع: 15 يوليو 2026
  5. وكالة الأنباء الجزائرية (واج) – تباطؤ التضخم السنوي في الجزائر إلى 1.5 بالمئة بنهاية نوفمبر 2025 (نقلا عن الديوان الوطني للإحصائيات)
    https://www.aps.dz/economie/commerce-et-service/mkirgo50-التضخم-يواصل-التباطؤ-في-شهر-نوفمبر-عند-5ر1–على-أساس – تاريخ الاطلاع: 15 يوليو 2026

يوسف عبد الله

شكرًا على قراءة المقال. اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية لتتلقى ملخصًا يوميًا لأحدث الأخبار.

يوسف عبد الله
يوسف عبد اللهhttps://alahrar.net/
يوسف عبد الله صحفي اقتصادي يتابع قضايا الأسواق والطاقة والاستثمار وريادة الأعمال والتنمية المستدامة. يهتم بتحليل المؤشرات الاقتصادية وشرح أثر القرارات المالية في الشركات والأسر والمجتمعات، كما يتابع التحولات المرتبطة بالطاقة النظيفة والأمن الغذائي والمياه. يحرص في كتاباته على تقديم الأرقام في سياق واضح، بعيداً عن المصطلحات المعقدة والمبالغة.
مقالات ذات صلة
spot_img

ملفات الأحرار

الأكثر شهرة