الرئيسيةالمجتمعالأسرةلماذا لم تصل 905 شكوى اعتداء جنسي على قاصرين إلى القضاء الفرنسي؟

لماذا لم تصل 905 شكوى اعتداء جنسي على قاصرين إلى القضاء الفرنسي؟

كشفت مذكرة صادرة عن وزارة العدل الفرنسية أن 905 شكوى تتعلق بعنف جنسي ضد قاصرين، قُدّمت في دائرة اختصاص محكمة كان، لم تصل قط إلى مكتب أي قاضٍ. هذا الاكتشاف، الذي أُعلن عنه في مطلع أغسطس 2026، يعيد فتح ملف العطل البنيوي في السلطة القضائية الفرنسية، بعد ثلاثة أشهر فقط من مقتل الطفلة ليهانا.

في مكتب إداري هادئ بمدينة كان، شمال غرب فرنسا، تصطف على الرفوف المعدنية أكياس بلاستيكية شفافة، كل واحد منها يحمل رقما وتاريخا وملفا لم يُفتح قط. لا صوت فيها سوى حفيف الغبار. لم يقرأها قاضٍ، ولم يستمع إليها محقق، ولم تُترجم يوما إلى موعد جلسة أو قرار متابعة. تسعمئة وخمسة أكياس من هذا النوع، بحسب مذكرة وزارية، بقيت طي النسيان لسنوات.

تخيل معي، أيتها القارئة، أيها القارئ: طفل أو طفلة يجمع الشجاعة الكافية ليروي لشرطي أو لدركي ما حدث له. الشكوى تُدوَّن، الإفادة تُسجَّل، ثم لا شيء. لا تحقيق، لا استدعاء، لا حماية عاجلة. الملف يبقى في درج، وربما في حاسوب لم يُربط يوما بنظام المحكمة. هذا بالضبط ما تصفه المذكرة التي وقّعها وزير العدل جيرالد دارمانان، بتاريخ 29 يوليو 2026، ووجّهها إلى وزير الداخلية لوران نونيز.

الوثيقة، التي تقع في اثنتي عشرة صفحة ونقلتها صحيفة لوموند ووكالة فرانس برس يوم السبت 8 أغسطس 2026، تحصي دائرة قضائية تلو الأخرى الفارق بين الشكاوى التي سجلتها الشرطة والدرك وتلك التي وصلت فعليا إلى المحاكم. في كان وحدها، عثر المحققون على 905 ملفات شبح، منها ما يعود إلى مصالح الشرطة ومنها ما يعود إلى الدرك. في مدينة نيم جنوب فرنسا، بلغ العدد 1275 ملفا، بينما تحدثت المذكرة عن اختلالات مماثلة في مدينتي أجان وملان.

نقيب المحامين في كان، نيكولا توكاس، لم يُخف صدمته أمام قناة فرانس 3 نورماندي: «إن تأكد الأمر، فهو مشكلة هائلة وغير مقبول إطلاقا». جملة قصيرة، لكنها تختصر المسافة الفاصلة بين ما تفترضه العدالة وما يحدث فعليا خلف الأبواب المغلقة لمراكز الشرطة.

لفهم كيف وصلنا إلى هذا الاكتشاف، لا بد من العودة إلى قصة ليهانا. الطفلة، التي كانت في الحادية عشرة من عمرها، اختفت في 29 مايو 2026 في بلدة فلورانس الريفية بمقاطعة جير، بعد أن شوهدت آخر مرة وهي تصعد إلى سيارة والد إحدى زميلاتها. عُثر على جثتها بعد ستة أيام، في الرابع من يونيو، قرب استغلالية فلاحية. الرجل الموقوف كان قد سبق أن استُهدف بشكوى اغتصاب على فتاة في العاشرة من عمرها، وبإشعار حول سلوك غير لائق في ثانوية كان يعمل بها.

ما تكشفه قضية ليهانا، إذن، ليس حادثا معزولا، بل عرضا ظاهرا لخلل أعمق: غياب أي آلية مراقبة منهجية بين لحظة تقديم الشكوى ولحظة وصولها إلى مكتب قاضٍ. هذه هي الفجوة التي تسربت منها 905 قضية في كان وحدها، دون أن يلاحظ أحد غيابها.

يقول بروست إن الزمن الضائع لا يُستعاد إلا عبر الذاكرة الإرادية. لكن ماذا عن الزمن الضائع في حياة طفل ينتظر أن يُصدَّق، أن يُستمع إليه، أن تُفتح قضيته؟ هذا الزمن لا يعود، مهما بحثنا عنه لاحقا في أوراق منسية. المذكرة الوزارية تعترف بذلك ضمنيا حين تشير إلى أن بعض الشكاوى ظلت معلقة لسنوات، ما يعني شهادات فقدت دقتها، وأدلة تلاشت، ومشتبها بهم أصبح يتعذر الوصول إليهم.

تُرجع المذكرة هذه الاختلالات إلى أسباب بنيوية: نقص مزمن في عدد المحققين، تكوين غير كافٍ للعناصر المكلفة بتلقي الشكاوى، وأدوات معلوماتية غير قادرة على تتبع الملفات من مركز الشرطة إلى قاعة المحكمة. وزير العدل نفسه يصف هذه الفجوات بأنها منهجية لا عرضية، وهو فارق دقيق لكنه حاسم، إذ يحوّل المسؤولية من خطأ فردي إلى تنظيم معطوب في جوهره.

في مقاطعة كالفادوس، حيث تقع كان، تتفق رئيسة جمعية الطفولة والشراكة مارتين لودران مع هذا التشخيص. فالمحاكم المثقلة بالملفات تفتقر إلى العدد الكافي من وكلاء الجمهورية لمعالجتها. «ولم يحدث ذلك بين ليلة وضحاها»، تعليقها القصير يلخص عقودا من التقشف في ميزانيات العدالة الفرنسية.

يذكرني هذا المشهد برواية الطاعون لألبير كامو، حيث تتجاهل إدارة مدينة وهران بأكملها علامات الكارثة إلى أن يصبح تجاهلها هو الكارثة نفسها. الفارق هنا أن الوباء ليس جرثومة، بل بيروقراطية عمياء، تراكمت طبقة فوق طبقة حتى بلغت 85047 شكوى قيد المعالجة في عموم فرنسا، بحسب الأرقام التي كشفت عنها الوزارة عقب قضية ليهانا.

بالنسبة للضحايا، لا يعني غياب المتابعة القضائية شيئا سوى الصمت المؤسساتي المطلق، رغم أن شكواهم قُدّمت رسميا أمام قوات الأمن. لا استدعاء، لا فحص، لا إجراء حماية فوري. الجرح يبقى مفتوحا في انتظار عدالة لم تُخطر أصلا بوجوده.

في هذا الملف مفارقة تستحق التوقف عندها. جيرالد دارمانان، الذي يوقّع اليوم بصفته وزيرا للعدل مذكرة تصف الاختلالات الشرطية بأنها بنيوية لا عرضية، كان هو نفسه على رأس وزارة الداخلية طيلة أربع سنوات، بين 2020 و2024، أي في الفترة ذاتها التي تراكمت خلالها هذه الملفات الشبح داخل أدراج مراكز الشرطة والدرك. من يوجّه الانتقاد اليوم بصفته وزيرا للعدل، كان بالأمس مسؤولا مباشرا عن الأجهزة التي يصفها الآن بالمتعثرة. هذه المفارقة لا تُبرئ أحدا، لكنها تذكّر بأن العطل ليس فرديا، وليس ظرفيا، بل متجذر في تنظيم استمر لسنوات دون أن يُراجعه أحد.

نقابة المحامين في كان، من جهتها، تحضّر مطالبة رسمية للنيابة العامة المحلية بجدول زمني واضح لمعالجة الملفات التسعمئة والخمسة، ملفا تلو الآخر، دون مزيد من التأجيل. جمعيات حماية الطفولة، بدورها، تطالب بموارد بشرية إضافية للمحاكم، لا بمجرد الاعتراف الرسمي بالمشكلة.

باشرت وزارة العدل، منذ يونيو 2026، مراجعة وطنية لملفات العنف الجنسي ضد القاصرين. لكن لا جدول زمنيا حُدد حتى الآن، لا في كان ولا في باقي الدوائر القضائية المعنية.

أيها القارئ، حين تُغلق هذه الصفحة، ستبقى الأكياس البلاستيكية مصطفة على الرفوف، بأرقامها وتواريخها الصامتة. والسؤال الذي يستحق أن يلازمنا ليس فقط: كم شكوى أخرى تنتظر في درج منسي؟ بل: كم طفلا ما زال يظن أن العدالة سمعته، بينما لم يقرأ أحد شكواه بعد؟


المصادر

  1. صحيفة لوموند ووكالة فرانس برس، نقلا عن قناة فرانس 3 نورماندي/فرانس إنفو – تقرير: “مشكلة هائلة”: نقيب محامي كان يحذر بعد اكتشاف 905 شكوى عنف جنسي على قاصرين لم تصل إلى القضاء
    https://france3-regions.franceinfo.fr/normandie/calvados/un-probleme-colossal-le-batonnier-de-caen-alerte-apres-la-decouverte-de-905-plaintes-pour-violences-sexuelles-sur-mineurs-jamais-transmises-aux-magistrats-3399724.html – تم الاطلاع عليه في 12 أغسطس 2026
  2. موقع “أكتو 17” – تقرير حول مذكرة الوزير دارمانان الموجهة إلى الوزير نونيز بشأن الاختلالات الشرطية والقضائية في معالجة العنف الجنسي على القاصرين
    https://actu17.fr/societe/violences-sexuelles-sur-mineurs-darmanin-liste-les-manquements-policiers-et-judiciaires-dans-un-courrier-a-nunez.html – تم الاطلاع عليه في 12 أغسطس 2026
  3. قناة فرانس إنفو – ملف متابعة قضية اختفاء الطفلة ليهانا في مقاطعة جير
    https://www.franceinfo.fr/faits-divers/disparition-de-lyhanna-dans-le-gers/ – تم الاطلاع عليه في 12 أغسطس 2026
  4. موقع “ذا وومنز فويسز” – تقرير حول الأرقام الوطنية لملفات العنف الجنسي ضد القاصرين (85047 شكوى) والاختلالات البنيوية في النظام القضائي
    https://www.thewomensvoices.fr/news/violences-sexuelles-mineurs-dossiers-fantomes-enquetes-perdues-darmanin-85047-plaintes/ – تم الاطلاع عليه في 12 أغسطس 2026

ليلى منصور

اسأل الذكاء الاصطناعي عن هذا المقال

شكرًا على قراءة المقال. اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية لتتلقى ملخصًا يوميًا لأحدث الأخبار.

ليلى منصور
ليلى منصورhttps://alahrar.net/
ليلى منصور صحفية عربية تهتم بقضايا المجتمع وحقوق الإنسان والمرأة والهجرة والتحولات الاجتماعية في المنطقة العربية. تركز في عملها على القصص الإنسانية والموضوعات التي تعكس أثر السياسات العامة في الحياة اليومية للمواطنين. تكتب بأسلوب يجمع بين الدقة الصحفية والاهتمام بالشهادات الميدانية، وتسعى إلى تقديم القضايا الاجتماعية بعيداً عن الأحكام المسبقة والتناول السطحي
مقالات ذات صلة
spot_imgspot_imgspot_img

ملفات الأحرار

الأكثر شهرة