الرئيسيةالمجتمعالأسرةأطفال أمام الشاشات منذ الصغر: أين تنتهي التكنولوجيا وتبدأ المخاطر؟

أطفال أمام الشاشات منذ الصغر: أين تنتهي التكنولوجيا وتبدأ المخاطر؟

يقضي ملايين الأطفال حول العالم ساعات يومية أمام الهواتف واللوحيات منذ سنواتهم الأولى، فيما تتراكم الأبحاث العلمية حول أثر هذا الاستخدام المبكر على النوم والانتباه والصحة النفسية. غير أن ما تكشفه هذه الدراسات ليس دعوة إلى حظر الشاشات، بل حاجة ملحة إلى فهم أدق لطريقة استخدامها.

في مختلف مدن العالم، من باريس إلى الجزائر العاصمة مروراً بلندن ونيويورك، أصبح الهاتف أو اللوح الإلكتروني جزءاً من طقوس الرضاعة والنوم لدى شريحة واسعة من الأطفال قبل بلوغهم الثالثة من عمرهم. وبحسب بيانات دراسة “إلف” (Elfe) الوطنية الفرنسية، التي تابعها معهد إنسيرم (Inserm) على نحو 14 ألف طفل من الولادة حتى سن الخامسة والنصف، يبدأ نصف الأطفال بمشاهدة الشاشات قبل بلوغهم 18 شهراً. هذا الانتشار المبكر، الذي رافقته أبحاث علمية متزايدة خلال العقد الأخير، لم يعد ظاهرة عابرة، بل موضوعاً تتقاطع فيه أسئلة الصحة العامة والتربية والاقتصاد الرقمي في آن واحد.

غير أن ما تكشفه هذه الأبحاث مجتمعة ليس أن الشاشة عدوّ الطفولة بعينها، بل أن غياب الإطار الأسري والمدرسي هو ما يحوّل أداة محايدة إلى عامل خطر متراكم.

النوم أول ضحايا الشاشة المسائية

وبحسب دراسة أجراها باحثون في كلية الطب بجامعة جنيف على مئات المراهقين، فإن الوقت الذي يقضونه أمام الشاشات مساءً يرتبط بتأخر موعد النوم وتقلص مدته، وذلك بمعزل عن مجرد إحلال وقت الشاشة محل وقت النوم. فالضوء الأزرق المنبعث من الهواتف واللوحيات يثبط إفراز هرمون الميلاتونين المسؤول عن تنظيم الساعة البيولوجية، بينما يضيف المحتوى نفسه، من الألعاب إلى مقاطع الفيديو القصيرة، مستوى إضافياً من التنبه العصبي يؤخر الاستغراق في النوم. ولهذا السبب أوصى فريق الباحثين في جنيف بوقف استخدام الشاشات في موعد لا يتجاوز التاسعة مساءً، مشيرين إلى أن القراءة، خلافاً للشاشات، لا تسبب الاضطراب نفسه رغم أنها نشاط مسائي أيضاً.

حين يتحول الانتباه إلى معركة يومية

في المقابل، تشير مراجعات علمية حديثة إلى أن الاستخدام المفرط وغير المنظم للشاشات يرتبط بتفاقم أعراض اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، لا سيما في جانبي الشرود الذهني والاندفاع. ووجدت دراسة أميركية واسعة، شملت أكثر من 50 ألف طفل ومراهق تتراوح أعمارهم بين 6 و17 عاماً واستندت إلى المسح الوطني الأميركي لصحة الأطفال، أن من يقضون أربع ساعات يومياً أو أكثر أمام الشاشات هم أكثر عرضة بنسبة 21 في المئة لتشخيص اضطراب فرط الحركة مقارنة بأقرانهم. غير أن الباحثين أنفسهم يحذرون من اختزال العلاقة في اتجاه واحد، إذ إن الأطفال الذين يعانون أصلاً من صعوبات في الانتباه قد يميلون أكثر إلى اللجوء للشاشات، ما يجعل الفصل الكامل بين السبب والنتيجة أمراً صعباً علمياً.

القلق الرقمي: من الإشعار إلى الاضطراب

أما على صعيد الصحة النفسية، فقد بينت الدراسة الأميركية ذاتها أن تجاوز عتبة الأربع ساعات اليومية يرتبط بزيادة خطر القلق بنسبة 45 في المئة وخطر الاكتئاب بنسبة 65 في المئة لدى الفئة العمرية نفسها. ويعزو الباحثون جزءاً كبيراً من هذا الارتباط، يتراوح بين 30 و39 في المئة، إلى تراجع النشاط البدني الذي يزاحمه وقت الشاشة، فيما يفسر اضطراب مواعيد النوم وقصر مدته نسبة إضافية من الأثر. وبعبارة أخرى، فإن الشاشة نفسها ليست بالضرورة السبب المباشر للقلق، بل الوسيط الذي يستبدل به الأطفال أنشطة الحركة والراحة الضروريتين لتوازنهم النفسي.

طفل بين يدي المعلن: 1260 إعلاناً في اليوم الواحد

وإلى جانب الأبعاد الصحية، يفتح الاستخدام المبكر للشاشات باباً تجارياً واسعاً أمام الأطفال. وبحسب منظمة اليونيسف، قد يتعرض الطفل بحلول سن الرابعة عشرة لما يصل إلى 1260 إعلاناً يومياً عبر منصات التواصل الاجتماعي وحدها، غالبيتها موجَّه بخوارزميات تحلل سلوكه واهتماماته دون علمه أو علم أسرته. وحذرت المنظمة في تقارير متتالية من أن أساليب التسويق الرقمي الحديثة، من الإعلانات المموّهة داخل الألعاب إلى تسويق المؤثرين، تستهدف تحديداً هشاشة الأطفال الإدراكية أمام الرسائل التجارية، بما في ذلك الترويج لمنتجات غذائية عالية السكريات والدهون لا تتوافق مع المعايير الصحية الموصى بها.

حين تدخل المضايقة إلى غرفة النوم

وتضيف المضايقة الرقمية بعداً آخر للمخاطر. فوفق دراسة أصدرها المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية في أوروبا في مارس 2024، استناداً إلى بيانات جُمعت بين عامي 2018 و2022 من عشرات الدول الأوروبية وكندا، فإن نحو واحد من كل ستة مراهقين، أي 15 في المئة، تعرض للتنمر الإلكتروني، فيما أقر 12 في المئة منهم بممارسته ضد آخرين. وتؤكد المنظمة أن هذه النسب في تصاعد مقارنة بمسح 2018، في وقت بات فيه الشبان يقضون ما يصل إلى ست ساعات يومياً على الإنترنت. وخلافاً للتنمر التقليدي الذي ينتهي عند باب المدرسة، تتسلل المضايقة الرقمية إلى غرفة نوم الطفل عبر هاتفه الشخصي، لتعجز الخصوصية المكانية عن حمايته منها.

ما تنجح فيه الأسر التي لا تحظر بل تواكب

أمام هذه الصورة المركبة، لا تنصح غالبية الجهات المرجعية بالحظر التام، بل بالمواكبة التدريجية. فالطبيب النفسي الفرنسي سيرج تيسرون، الذي وضع منذ عام 2008 قاعدة “3-6-9-12” التي تبناها لاحقاً المجلس الأعلى للصحة العامة والأكاديمية الوطنية للطب في فرنسا، يوصي بعدم التعرض للشاشات قبل سن الثالثة، وتأجيل امتلاك جهاز ألعاب شخصي حتى السادسة، والإنترنت المرافَق حتى التاسعة، والإنترنت المستقل حتى الثانية عشرة أو دخول المرحلة الإعدادية. غير أن تيسرون نفسه بات يفضل تسمية هذه العتبات “بالمعالم الرقمية” لا “بالقواعد الصارمة”، مشدداً على أن الهدف بناء التفكير النقدي لدى الطفل لا حرمانه من أداة أصبحت جزءاً من محيطه اليومي. وفي المدارس، توصي هيئات تربوية أوروبية بإدماج التربية الإعلامية ضمن المناهج، بما يتيح للتلاميذ فهم آليات صنع المحتوى الرقمي بدل الاكتفاء بمنعهم من استهلاكه.

وقد أصدر المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية في أوروبا مؤخراً أول موقف رسمي له بشأن حماية الأطفال من الأضرار الرقمية، في خطوة يُفترض أن ترسم ملامح تعاون مقبل بين الحكومات وشركات التكنولوجيا حول معايير الاستخدام الآمن. لكن إلى حين ترجمة هذا الإطار إلى سياسات وطنية ملزمة، تبقى القرارات اليومية، من موعد إطفاء الشاشة مساءً إلى نوعية المحتوى المعروض، رهينة خيارات الأسرة والمدرسة قبل أي تشريع.


المصادر

  1. منظمة الصحة العالمية – المكتب الإقليمي لأوروبا – “One in six school-aged children experiences cyberbullying, finds new WHO/Europe study” (27 مارس 2024)
    https://www.who.int/europe/news/item/27-03-2024-one-in-six-school-aged-children-experiences-cyberbullying–finds-new-who-europe-study – تاريخ الاطلاع: 16 يوليو 2026
  2. اليونيسف – “Introducing UNICEF’s new initiative on child rights and digital marketing” (سبتمبر 2024)
    https://www.unicef.org/childrightsandbusiness/stories/introducing-unicefs-new-initiative-child-rights-and-digital-marketing – تاريخ الاطلاع: 16 يوليو 2026
  3. معهد إنسيرم الفرنسي – “Écrans et développement cognitif de l’enfant : le temps d’exposition n’est pas le seul facteur à prendre en compte” (13 سبتمبر 2023)
    https://presse.inserm.fr/ecrans-et-developpement-cognitif-de-lenfant-le-temps-dexposition-nest-pas-le-seul-facteur-a-prendre-en-compte/67438/ – تاريخ الاطلاع: 16 يوليو 2026
  4. جامعة جنيف – كلية الطب – “Les écrans nuisent au sommeil des adolescents”
    https://www.unige.ch/medecine/faculteetcite/media/les-ecrans-nuisent-au-sommeil-des-adolescents – تاريخ الاطلاع: 16 يوليو 2026
  5. مجلة Humanities and Social Sciences Communications (Nature) – “Excessive screen time is associated with mental health problems in US children and adolescents” (يناير 2026)
    https://www.nature.com/articles/s41599-026-06609-1 – تاريخ الاطلاع: 16 يوليو 2026
  6. سيرج تيسرون – “3-6-9-12 et au-delà” (نص مرجعي أصلي، مؤسسة AFPA)
    https://afpa.org/content/uploads/2017/06/3-6-9-12_tisseron.pdf – تاريخ الاطلاع: 16 يوليو 2026

ليلى منصور

شكرًا على قراءة المقال. اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية لتتلقى ملخصًا يوميًا لأحدث الأخبار.

ليلى منصور
ليلى منصورhttps://alahrar.net/
ليلى منصور صحفية عربية تهتم بقضايا المجتمع وحقوق الإنسان والمرأة والهجرة والتحولات الاجتماعية في المنطقة العربية. تركز في عملها على القصص الإنسانية والموضوعات التي تعكس أثر السياسات العامة في الحياة اليومية للمواطنين. تكتب بأسلوب يجمع بين الدقة الصحفية والاهتمام بالشهادات الميدانية، وتسعى إلى تقديم القضايا الاجتماعية بعيداً عن الأحكام المسبقة والتناول السطحي
مقالات ذات صلة
spot_img

ملفات الأحرار

الأكثر شهرة