الرئيسيةالثقافة والفنونالسينماكيف يستعيد برنامج سينمائي في لندن حلم مهرجان الجزائر الإفريقي؟

كيف يستعيد برنامج سينمائي في لندن حلم مهرجان الجزائر الإفريقي؟

افتتح مركز باربيكان في لندن، في 8 يوليو 2026، برنامجاً سينمائياً واسعاً يعيد عرض فيلم المخرج ويليام كلاين عن مهرجان الجزائر الثقافي الإفريقي الأول لعام 1969. تمتد المبادرة حتى 6 سبتمبر 2026 ضمن معرض أوسع حول تاريخ الوحدة الإفريقية، وتفتح من جديد النقاش حول العلاقة بين السينما والسياسة والذاكرة في تجربة تأسيسية من تاريخ التحرر الإفريقي.

في صيف 1969، وبعد سبع سنوات فقط من استقلالها، استضافت الجزائر العاصمة أول مهرجان ثقافي إفريقي، المعروف اختصاراً بـ”بانافريكا”. وبحسب المعلومات المتوفرة عن الحدث، امتدت فعالياته اثني عشر يوماً حوّلت شوارع العاصمة إلى مسرح مفتوح لوفود من عشرات الدول الإفريقية، كل واحدة منها ترفع لافتة باسمها في مشهد وُصف بأنه أشبه بحفل افتتاح أولمبي، لكن بلا الحدود الفاصلة بين المؤدين والجمهور. جاء هذا الحدث في لحظة كانت فيها حركات التحرر الوطني ما تزال تخوض معاركها في القارة، بينما كانت الجزائر تسعى إلى ترسيخ موقعها كقاعدة سياسية ورمزية لهذه الحركات.

لم يكن الأمر مجرد استعراض فني عابر، بل استعادة سياسية للثقة بالنفس في قارة كانت لا تزال تتحسس خطواتها الأولى بعيداً عن الاستعمار. هذا ما يجعل من إعادة عرض الفيلم اليوم في لندن، بعد أكثر من نصف قرن، مناسبة لقراءة كيف تحوّلت الثقافة، في تلك اللحظة بالذات، إلى أداة تحرر بقدر ما كانت أداة تعبير.

اثنا عشر يوماً حوّلت الجزائر إلى عاصمة ثقافية للقارة

كلّفت السلطات الجزائرية آنذاك المخرج الأمريكي ويليام كلاين بتوثيق المهرجان، فأنتج فيلماً وثائقياً بعنوان “المهرجان الإفريقي في الجزائر”، أنتجه المكتب الوطني للتجارة والصناعة السينمائية الجزائري. يرصد الفيلم، وفق ما ورد في وصف الأرشيف الخاص به، الطاقة السياسية والاحتفالية التي طبعت الحدث، من العروض الموسيقية إلى استعراضات الفروسية المغاربية، في مزيج بدا للمخرج نفسه أقرب إلى “فوضى منظمة” منه إلى حفل رسمي جامد.

جمع المهرجان، بحسب الوصف الرسمي لبرنامج باربيكان، وجوهاً باتت لاحقاً رموزاً عالمية: المغنية الجنوب إفريقية ميريام ماكيبا، والمغنية الأمريكية نينا سيمون، والكاتبة مايا أنجلو، وقيادي حركة “القوة السوداء” ستوكلي كارمايكل، وعازف الساكسفون أرشي شيب. أما إلدريدج كليفر، القيادي في حركة “الفهود السود”، فكان يقيم في الجزائر العاصمة في تلك الفترة، ويشرف على وفد الحركة في المهرجان. حضر الحدث أيضاً المفكر الغيني بيساوي أميلكار كابرال، والفيلسوف البنيني ستانيسلاس أدوتيفي، إلى جانب الرئيس الجزائري آنذاك هواري بومدين، ما يعكس حجم الحضور السياسي والفكري الذي رافق البعد الفني للمهرجان.

حين وثّق مخرج أمريكي أبيض حدثاً إفريقياً بتكليف جزائري

شكّل تكليف كلاين، وهو مخرج أمريكي أبيض، بتصوير حدث احتفى بالهوية الإفريقية والسوداء جدلاً في حينه، بحسب ما يشير إليه برنامج باربيكان في تقديمه للفيلم. غير أن هذا الاختيار لم يمنع الفيلم من أن يصبح، مع مرور الوقت، الوثيقة البصرية الأكثر شهرة عن المهرجان، والمرجع الذي يعود إليه الباحثون والمهتمون بتاريخ الحركات الإفريقية حين يريدون استحضار تلك اللحظة.

في المقابل، يضع البرنامج السينمائي الحالي في باربيكان فيلم كلاين في مواجهة أعمال أخرى، أبرزها البرنامج الذي أشرفت عليه القيّمة أبيبا كوليبالي، والذي يعتمد على أرشيف المخرج والباحث الجزائري نبيل جدواني، مؤسس “الأرشيف الرقمي للسينما الجزائرية”. يضم هذا الجزء من البرنامج لقطات نادرة تعود إلى الأخوين لوميير عن الجزائر، ونشرات إخبارية رسمية جزائرية عن المهرجان، إضافة إلى فيلم “أفريك أوتيل” الذي أخرجه جدواني نفسه، في محاولة لعرض الجزائر قبل المهرجان وأثناءه وبعده، من زوايا جزائرية بالدرجة الأولى وليس فقط من عدسة أجنبية.

من ميريام ماكيبا إلى نبيل جدواني: من صنع صورة المهرجان اليوم

يكشف تتبع القائمين على هذا البرنامج عن تحوّل لافت في زاوية السرد. فبينما ارتبطت صورة المهرجان لعقود بفيلم كلاين وحده، يعيد باربيكان اليوم توزيع الأضواء على أرشيفيين وباحثين جزائريين يعملون منذ سنوات على حفظ هذه الذاكرة البصرية ورقمنتها. ويأتي هذا التوجه ضمن معرض أشمل بعنوان “تصور كوكباً أسود: فن وثقافة إفريقيا الموحدة”، افتتح في 11 يونيو 2026 بمشاركة كل من المتحف الجزائري الجديد لفن برشلونة المعاصر، ومعهد الفنون في شيكاغو، ومركز بومبيدو في بروكسل.

أشرف على تنسيق المعرض كل من مديرة متحف “ماكبا” ببرشلونة إلفيرا ديانغاني أوسي، إلى جانب أنتاوان بيرد وأدوم غيتاتشو وماثيو س. ويتكوفسكي، ويضم قرابة 300 إلى 500 عمل فني لنحو مئة فنان، من بينهم تشريس أوفيلي ومارلين دوماس وكلوديت جونسون، تغطي إنتاجات من إفريقيا والبرازيل والكاريبي وأمريكا الشمالية وأوروبا الغربية. يمتد هذا العرض الشامل حتى ربيع 2027، حين ينتقل إلى بروكسل، بعدما سبق أن عُرض في معهد الفنون بشيكاغو.

ماذا يعني استرجاع هذا الإرث في لندن عام 2026؟

يطرح إحياء هذه الذاكرة السينمائية، بعيداً عن الجزائر وفي قلب مؤسسة ثقافية بريطانية كبرى، سؤالاً حول من يملك حق سرد تاريخ الوحدة الإفريقية اليوم. فالمهرجان الذي أراده مؤسسوه عام 1969 وسيلة لتأكيد استقلالية القرار الإفريقي عن المراكز الاستعمارية السابقة، يُعاد تقديمه الآن ضمن مؤسسة تقع في قلب لندن، وإن كان ذلك يتم بالتعاون مع أرشيفيين ومؤسسات جزائرية.

في السياق ذاته، يوضح برنامج باربيكان أن الهدف من هذا التوجه هو التفكير في “الذاكرة والاستعمار والشتات والتحرر” عبر السينما بوصفها فضاء للتخيل السياسي، لا مجرد وسيلة لتوثيق حدث ماض. وهذا ما يميز هذه القراءة عن الاستعادات التاريخية المعتادة: فهي لا تكتفي بعرض الفيلم كوثيقة، بل تضعه في حوار مع أعمال معاصرة تتناول قضايا الشتات الإفريقي، من إرث الاستعباد في البرازيل إلى تجارب فنية حول العودة والاغتراب الثقافي.

من الأرشيف الرقمي إلى قاعات لندن: إلى أين يتجه هذا الإرث؟

يواصل نبيل جدواني، عبر “الأرشيف الرقمي للسينما الجزائرية”، العمل على رقمنة أشرطة نادرة تعود إلى فترة الاستقلال وما تلاها، وهو مسار من المتوقع أن يغذي مشاريع بحثية وسينمائية إضافية حول تلك الحقبة. أما معرض “تصور كوكباً أسود”، فسيبقى مفتوحاً في لندن حتى بداية سبتمبر 2026، قبل أن ينتقل إلى مركز بومبيدو في بروكسل مطلع 2027، في استمرار لجولة دولية بدأت من شيكاغو.

يبقى هذا المسار مرتبطاً بمدى قدرة المؤسسات الثقافية الجزائرية والإفريقية على استعادة زمام السرد حول هذه المحطة التاريخية، بدل تركها حكراً على القراءات الغربية لها. الفيلم الذي أنتجته الجزائر عام 1969 لتوثيق لحظتها التأسيسية، يُعرض اليوم في عاصمة الإمبراطورية الاستعمارية السابقة، لكن بمرافقة أرشيف جزائري يعيد تذكير الجمهور بأن رواية هذا الحدث لم تكن يوماً حكراً على عدسة واحدة.


Sources

  1. Barbican Centre — “Project a Black Planet: Film” (programme officiel du cycle cinéma)
    https://www.barbican.org.uk/whats-on/2026/series/project-a-black-planet-film — consulté le 17 juillet 2026
  2. Barbican Centre — “The Pan-African Festival of Algiers + Introduction with Kevin Le Gendre”
    https://www.barbican.org.uk/whats-on/2026/event/the-pan-african-festival-of-algiers-introduction — consulté le 17 juillet 2026
  3. Barbican Centre — “Algiers: The Pan-African Festival of Algiers 1969” (programme Ambiguous Encounters)
    https://www.barbican.org.uk/whats-on/2026/event/ambiguous-encounters-algiers-the-pan-african-festival — consulté le 17 juillet 2026
  4. MACBA Museu d’Art Contemporani de Barcelona — “Project a Black Planet: The Art and Culture of Panafrica”
    https://www.macba.cat/en/exhibitions/project-a-black-planet-the-art-and-culture-of-panafrica/ — consulté le 17 juillet 2026
  5. Wikipedia — “Festival panafricain d’Alger 1969” (fiche technique du film de William Klein)
    https://en.wikipedia.org/wiki/Festival_panafricain_d%27Alger_1969 — consulté le 17 juillet 2026

أحمد ناصر

شكرًا على قراءة المقال. اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية لتتلقى ملخصًا يوميًا لأحدث الأخبار.

أحمد ناصر
أحمد ناصرhttps://alahrar.net/
أحمد ناصر صحفي يهتم بالشؤون السياسية والعلاقات الدولية والتحولات الجيوسياسية في العالم العربي والشرق الأوسط. يتابع الملفات الدبلوماسية والأمنية والانتخابات والحياة الحزبية، ويعمل على تقديم قراءة هادئة للأحداث تربط بين الخبر وسياقه السياسي والتاريخي. يركز في مقالاته على تحليل مواقف الفاعلين الرئيسيين وتوضيح انعكاسات القرارات الدولية على المنطقة.
مقالات ذات صلة
spot_img

ملفات الأحرار

الأكثر شهرة