الرئيسيةالثقافة والفنونالتراثمهرجان ليفربول للفنون العربية: كيف تحفظ الجاليات ذاكرتها خارج الوطن؟

مهرجان ليفربول للفنون العربية: كيف تحفظ الجاليات ذاكرتها خارج الوطن؟

تفتتح اليوم الجمعة نسخة عام 2026 من مهرجان ليفربول للفنون العربية، أقدم مهرجان سنوي مخصص للفنون العربية في بريطانيا، وتمتد فعالياته عشرة أيام عبر عدة مواقع في المدينة. غير أن أبرز ما يميز هذه الدورة ليس برنامجها الفني وحده، بل مشروع أرشفة جديد يهدف إلى تحويل تاريخ المهرجان نفسه إلى ذاكرة اجتماعية موثقة لعرب ليفربول.

افتتح مهرجان ليفربول للفنون العربية (LAAF) فعالياته مساء اليوم الجمعة 17 يوليو 2026 بحفل موسيقي في قاعة سانت جورج التاريخية وسط المدينة، حيث قدمت فرقة «الأوحاضلي» بقيادة عازف العود اليمني ياسر عودة الله مجموعة من الألحان اليمنية التقليدية. ويستمر المهرجان حتى 26 يوليو ضمن برنامج يوزع بين الموسيقى والمسرح والأدب والسينما والطهي، تحت شعار «البيت» (Home)، الذي يستكشف معاني الانتماء بين المكان والعائلة والذاكرة والهجرة. وما يميز نسخة هذا العام تحديدا هو أن المهرجان، بعد أكثر من عقدين من انطلاقته السنوية، يتحول جزئيا من فعالية فنية موسمية إلى مشروع أرشفة يسعى لحفظ ذاكرة الجالية العربية في مدينة الميرسيسايد بشكل دائم.

مهرجان ليفربول للفنون العربية: عود يمني ومطبخ سوداني وقصص هجرة

خلال الأيام العشرة، يقدم المهرجان سلسلة من الفعاليات المتنوعة في عدة مواقع بالمدينة. ففي 18 يوليو، تستضيف قاعة «ذا بلاك إي» فعالية «الفنون الطهوية والأدب السوداني»، بالتعاون مع مؤسسة «ألماس آرت» في لندن، وتتمحور حول تجربة الموثق الطهوي السوداني البريطاني عمر التيجاني، صاحب كتاب «المطبخ السوداني» الذي جمع أكثر من مئة وصفة إلى جانب روايات شفوية ومقالات توثق التراث السوداني. وفي اليوم التالي، يستضيف مشروع «أت ذا لايبراري» عرض أربعة أفلام رسوم متحركة قصيرة من فلسطين والجزائر ومصر ولبنان بعنوان «رحلة إلى البيت»، تتناول الهوية والهجرة والانتماء من منظور شخصيات شابة، يعقبها ورشة تفاعلية بعنوان «خريطة بلا حدود».

بالإضافة إلى ذلك، يقدم مسرح «رويال كورت» في 18 يوليو قراءة مسرحية لنص «أربعون يوما وأربعون ليلة» للكاتبة كريسي جونز، المستوحى من قصة حقيقية لعائلة محمد الجادي التي سافرت من حي بوتل في ليفربول إلى اليمن على متن حافلة ذات طابقين عام 1996. وتشهد قاعة الموسيقى الفلهارمونية العرض الأول عالميا للألبوم الثاني للثنائي تامسين إليوت وطارق الأزهري، الذي يمزج بين المقام المصري والتقاليد الفولكلورية الإنكليزية.

من التأسيس عام 1998 إلى أقدم مهرجان عربي سنوي في بريطانيا

تأسس مهرجان ليفربول للفنون العربية عام 1998 كجمعية خيرية مسجلة، قبل أن يتحول عام 2002 إلى تظاهرة سنوية ثابتة، وفق ما ينشره الموقع الرسمي للمهرجان. ومنذ ذلك الحين، ترسخ المهرجان بوصفه أقدم مهرجان سنوي مخصص للفنون العربية في المملكة المتحدة، ومنصة رئيسية للفنانين العرب من داخل المنطقة ومن الشتات على حد سواء. وبحسب أرقام نشرتها صحيفة «عرب نيوز»، استقطبت دورة عام 2025 أكثر من 35,000 زائر عبر 32 فعالية، ما يعكس اتساع قاعدة الجمهور التي بناها المهرجان على مدى العقدين الماضيين.

وليس اختيار ليفربول لهذا النوع من التوثيق عشوائيا. فالجالية اليمنية التي استقرت في موانئ بريطانية عدة، من بينها ليفربول وكارديف وساوث شيلدز، منذ أواخر القرن التاسع عشر، تُعد وفق تقرير نشرته مجلة «ذا نيو أراب» أقدم جالية عربية مستقرة في المملكة المتحدة، وقد شكلت مع موجات هجرة لاحقة من مصر والعراق ولبنان وسوريا والسودان نسيجا عربيا متعدد الأصول في المدينة.

شراكة بين صندوق التراث الوطني ومؤسسات ليفربول الثقافية

حصل المهرجان مؤخرا على منحة من صندوق التراث الوطني للترتيب (National Lottery Heritage Fund) لتمويل مشروع كبير يهدف إلى توثيق تاريخ المهرجان وتجارب الجاليات العربية في المدينة، بحسب ما أوردته «عرب نيوز» في العاشر من يوليو 2026. ويجري تطوير المشروع بالشراكة مع مركز «بلوكوت» الثقافي، ومتاحف ليفربول الوطنية، وسجل ليفربول التاريخي، إلى جانب جمعيات مجتمعية من بينها المركز العربي في ليفربول، وجمعية ميرسيسايد اليمنية، والجالية السورية في المدينة.

وقالت رئيسة مجلس إدارة المهرجان أفراح قاسم، في تصريح نقلته «عرب نيوز»، إن المشروع يتعلق بـ«ضمان حفظ هذه القصص للأجيال المقبلة»، مضيفة أنه يمنح شباب الجالية العربية فرصة المشاركة الفعلية في صياغة هذا التاريخ ونقله. وتُموَّل المبادرة بالكامل من عائدات اليانصيب الوطني، وفق التفاصيل نفسها.

مشروع يمنح الشباب أدوات توثيق ذاكرتهم الشفوية

يشكل مشروع الأرشفة محور الدورة الحالية أكثر من أي فعالية فنية منفردة. فبموجب المنحة الممنوحة للمهرجان، سيعمل شبان وشابات من أصول عربية إلى جانب فنانين ومؤسسي المهرجان وأفراد من الجالية وخبراء في التراث، لجمع شهادات شخصية وفحص مواد أرشيفية تعود لسنوات المهرجان الأولى. وتشمل خطة العمل تدريب هؤلاء الشباب على أساليب التاريخ الشفوي، وممارسات حفظ التراث، وإنتاج الفعاليات، والبرمجة الثقافية، بما يفتح أمامهم مسارات مهنية في القطاعين الثقافي والإبداعي.

وبحسب التفاصيل المعلنة، ستتاح المواد الموثقة للجمهور عبر شراكات مع متاحف ليفربول الوطنية وسجل ليفربول التاريخي ومركز بلوكوت، إلى جانب الجمعيات المجتمعية المشاركة في المشروع، بما يحول أرشيف المهرجان من ملف داخلي إلى مصدر بحثي متاح لعموم الباحثين والعائلات المعنية.

إطلاق رقمي مرتقب في 2027 وموعد ختامي في حديقة سيفتون

يخطط المنظمون لإطلاق عام كبير للمحتوى الرقمي والمعارض الناتجة عن مشروع الأرشفة خلال عام 2027، وفق ما أعلنته «عرب نيوز». وفي انتظار ذلك، يواصل المهرجان برنامجه الفني حتى 26 يوليو الجاري، على أن يختتم بـ«يوم العائلة» المجاني في حديقة «بالم هاوس» بمنتزه سيفتون بارك، حيث تقام عروض موسيقية وفعاليات للخط العربي والرقص وورش عمل للأطفال، إلى جانب أكشاك للطعام والحرف العربية. ولم يعلن المهرجان بعد عن تفاصيل إضافية بشأن شكل المعارض أو المحتوى الرقمي الذي سيصدر لاحقا عن مشروع الأرشفة.

يواصل المهرجان بذلك، على مدى الأيام المتبقية من دورته العاشرة والعشرين، الجمع بين برمجة فنية متنوعة ومسار توثيقي طويل الأمد يمتد إلى ما بعد إغلاق ستارة الحفلات، في تجربة تضع مدينة ليفربول أمام سؤال أوسع يخص كل الجاليات المهاجرة في أوروبا: كيف تُحفظ الذاكرة حين يبتعد الجيل الجديد عن أرض الأجداد جغرافيا ولغويا؟


المصادر

  1. عرب نيوز – “Liverpool Arab Arts Festival secures heritage grant to preserve Arab community stories”
    https://www.arabnews.com/node/2650392/lifestyle – تاريخ الاطلاع: 17 يوليو 2026
  2. عرب نيوز – “Liverpool Arab Arts Festival unveils 2026 program”
    https://www.arabnews.com/node/2650957/lifestyle – تاريخ الاطلاع: 17 يوليو 2026
  3. Liverpool Noise – “More Events Announced For Liverpool Arab Arts Festival 2026 This July”
    https://liverpoolnoise.com/things-to-do-in-liverpool/festivals/more-announced-liverpool-arab-arts-festival-2026/ – تاريخ الاطلاع: 17 يوليو 2026
  4. الموقع الرسمي لمهرجان ليفربول للفنون العربية – “2026 Festival”
    https://www.arabartsfestival.com/2026-2/ – تاريخ الاطلاع: 17 يوليو 2026
  5. ذا نيو أراب – “Yemenis: The longest established Arab community in the UK”
    https://www.newarab.com/features/yemenis-longest-established-arab-community-uk – تاريخ الاطلاع: 17 يوليو 2026

ليلى منصور

شكرًا على قراءة المقال. اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية لتتلقى ملخصًا يوميًا لأحدث الأخبار.

ليلى منصور
ليلى منصورhttps://alahrar.net/
ليلى منصور صحفية عربية تهتم بقضايا المجتمع وحقوق الإنسان والمرأة والهجرة والتحولات الاجتماعية في المنطقة العربية. تركز في عملها على القصص الإنسانية والموضوعات التي تعكس أثر السياسات العامة في الحياة اليومية للمواطنين. تكتب بأسلوب يجمع بين الدقة الصحفية والاهتمام بالشهادات الميدانية، وتسعى إلى تقديم القضايا الاجتماعية بعيداً عن الأحكام المسبقة والتناول السطحي
مقالات ذات صلة
spot_img

ملفات الأحرار

الأكثر شهرة