اندلعت النيران في مؤسسة “دار الطفولة المساعَدة”، وهي هيكل عمومي مخصص لإيواء الأطفال المحرومين من أسرهم، في بلدية المحمدية. وذكرت الحماية المدنية، في بيان نقلته وكالة فرانس برس صبيحة الخميس، أن «الحصيلة الأولية للخسائر البشرية بلغت 11 وفاة»، مضيفة أن 19 شخصا أصيبوا بجروح متفاوتة. وظلت فرق التدخل، بحلول منتصف صباح الخميس، منتشرة في الموقع لإتمام إخماد الحريق، فيما لم تكشف السلطات بعد عن حجم الأضرار المادية الكاملة التي خلّفتها النيران.
حصيلة أولية لا تزال قابلة للتعديل
لم يوضح بيان الحماية المدنية، الذي استندت إليه فرانس برس، ساعة اندلاع الحريق، ولا عدد الأطفال والعاملين الذين كانوا داخل المبنى وقت وقوع الكارثة. ويُعزى هذا الغموض عادة إلى الساعات الأولى لأي حادث بهذا الحجم، حين تكون فرق الإنقاذ منشغلة بإتمام حصر الضحايا والمُجْلين قبل الإعلان عن أرقام نهائية. ووصف البيان الحصيلة بأنها «أولية»، وهي صياغة توحي بأن عدد الوفيات قد يُراجَع، صعودا أو نزولا، فور تأمين المبنى بالكامل. وفي المقابل، لم تصدر أي معطيات بشأن حالة الجرحى التسعة عشر أو احتمال نقلهم إلى مستشفيات العاصمة، علما أن السلطات الجزائرية درجت، في حالات مماثلة، على تحديث حصيلتها تباعا مع تقدم عمليات الإنقاذ.
مؤسسة عمومية في قلب منظومة رعاية الطفولة
تندرج “دار الطفولة المساعَدة” ضمن المنظومة العمومية لحماية الطفولة في الجزائر، وهي شبكة من المؤسسات المكلفة بإيواء القُصّر الأيتام أو المتخلى عنهم أو المفصولين مؤقتا عن أسرهم. ويُفترض في هذه المنظومة، التي يشرف عليها على المستوى الوطني الديوان الوطني لحماية الطفولة وترقيتها، أن تُرجّح الكفالة الأسرية على الإقامة داخل مؤسسات جماعية، غير أن آلاف الأطفال ما زالوا، بحسب معطيات هذا الديوان، مودَعين في هياكل جماعية عبر مختلف ولايات البلاد. وليست هذه المرة الأولى التي تتعرض فيها مؤسسة من هذا النوع لخطر اندلاع حريق في الجزائر، إذ يثير تكرار هذه الحوادث، في مبانٍ غالبا ما تكون قديمة وتستقبل فئات هشة، تساؤلات متجددة عن حالة العقار العمومي المخصص لرعاية الطفولة، من دون أن يكون أي تحقيق قد أثبت حتى الآن رابطا مباشرا بين قِدَم المنشآت وأسباب الحرائق المسجلة هذا العام.
غضب متصاعد ومطالب بتدقيق شامل
عبّر عدد من سكان المحمدية وجمعيات مدنية معنية بحقوق الطفل، في الساعات التي أعقبت اكتشاف الكارثة، عن سخطهم إزاء هذا الحادث المأساوي الجديد في مؤسسة عمومية. وطالب كثيرون منهم بفتح تحقيق فوري لتحديد المسؤوليات الدقيقة في اندلاع الحريق وامتداده داخل المبنى. وما يميز هذا الحادث ليس فقط جسامة حصيلته البشرية، بل توقيته: فهو يقع في خضم موسم صيفي استثنائي من حيث عدد الحرائق المسجلة في البلاد، ما يعيد طرح سؤال أوسع حول جاهزية البنية العمومية لمواجهة مخاطر مشابهة. وتجاوزا لهذا الملف بعينه، طالبت أصوات عديدة بإطلاق تدقيق وطني منهجي في سلامة الحماية من الحرائق داخل جميع المرافق العمومية التي تستقبل فئات هشة، من أطفال ومسنين ومرضى في المستشفيات. وقد لخّص أحد السكان، الذي استُجوب صبيحة الخميس قرب موقع الحادث، هذا المطلب بعبارة مباشرة، إذ قال: «من غير المقبول أن يبقى أطفال محاصَرين داخل مبنى»، بينما كانت النيران تجتاح المؤسسة.
صيف جزائري محفوف بالحرائق
يقع هذا الحادث في وقت تمر فيه الجزائر بواحدة من أكثر فترات صيفها حرجا من حيث انتشار الحرائق. وبحسب حصيلة نشرتها الأربعاء المديرية العامة للحماية المدنية، سُجّل 932 اندلاع حريق عبر البلاد بين 8 و15 يوليو، أُخمد منها 913. وتشمل هذه الموجة 32 ولاية، في مقدمتها بجاية وتيزي وزو وسطيف وسكيكدة وقالمة. وتتزامن هذه الموجة مع موجة حر شديدة تضرب كامل منطقة المغرب العربي منذ عدة أيام، ما دفع الحماية المدنية إلى حشد أكثر من 19 ألف عون و704 شاحنة وآلية متخصصة، إضافة إلى أسطول جوي عزّزته مشاركة الجيش الوطني الشعبي. وفي حين تتعلق الغالبية الساحقة من هذه الحرائق بمناطق غابية وفلاحية، فإن حريق المحمدية يُظهر كيف يمكن لتضاعف الحوادث هذا الصيف أن يطال أيضا منشآت حضرية حساسة.
ملابسات لا تزال قيد التحقيق
لم تُصدر الحماية المدنية ولا أي جهة رسمية جزائرية أخرى، حتى الآن، أي توضيح بشأن أصل حريق “دار الطفولة المساعَدة”. وتهدف التحقيقات التي تُفتح عادة عقب حوادث من هذا النوع في الجزائر إلى تحديد ما إذا كان السبب كهربائيا أو عرضيا أو مرتبطا بخلل في صيانة المنشآت، قبل أن تعلن الجهات المختصة موقفها علنا. كما لم يُحدَّد بعد العدد الدقيق للأطفال والبالغين الذين كانوا داخل المؤسسة لحظة اندلاع النيران، ولا طبيعة تصميم المبنى، ولا الظروف التي تدخلت فيها فرق الإنقاذ، وهي عناصر حاسمة لفهم حجم الحصيلة البشرية، يُنتظر أن تكون موضوع بيانات لاحقة من السلطات. وفي انتظار ذلك، تبقى أولوية الحماية المدنية إتمام عمليات الإخماد والتكفل بالجرحى، فيما يبقى الرهان معلقا حول ما إذا كانت السلطات ستستجيب لمطالب التحقيق والتدقيق التي رفعها السكان منذ الساعات الأولى للكارثة، على أن تصدر حصيلة نهائية وتفاصيل أدق عن ملابسات الحريق خلال الساعات المقبلة.
المصادر
- وكالة فرانس برس (AFP) – بيان الحماية المدنية الجزائرية بشأن حصيلة حريق دار الأيتام بالمحمدية، نُشر الخميس 16 يوليو 2026 – اطُّلع عليه في التاريخ نفسه.
- المديرية العامة للحماية المدنية الجزائرية (DGPC) – الحصيلة الأسبوعية لحرائق الغابات في الجزائر (8-15 يوليو 2026)، نُشرت الأربعاء 15 يوليو 2026 – اطُّلع عليها في 16 يوليو 2026.
- الديوان الوطني لحماية الطفولة وترقيتها (ONPPE) – معطيات عامة حول منظومة إيواء الأطفال مجهولي النسب في الجزائر – اطُّلع عليها في 16 يوليو 2026.
ليلى منصور



