الرئيسيةالمجتمعالهجرةحين يصبح النزوح دائماً: كيف تعيش الأسر العربية سنوات داخل السكن المؤقت؟

حين يصبح النزوح دائماً: كيف تعيش الأسر العربية سنوات داخل السكن المؤقت؟

يعيش أكثر من 82 مليون شخص نزوحاً داخلياً حول العالم بحلول نهاية عام 2025، بحسب أحدث تقرير لمركز رصد النزوح الداخلي، بينهم ملايين من الأسر العربية في غزة وسوريا والسودان ما زالت تقيم في خيام ومراكز إيواء لم تُصمَّم أصلاً لتدوم أكثر من أشهر معدودة. من قطاع غزة حيث تحوّلت مئات آلاف الخيام إلى مساكن دائمة بحكم الأمر الواقع، إلى الشمال السوري حيث يقيم أكثر من مليون نازح في مخيمات رغم مرور أكثر من عام على سقوط النظام السابق، يكشف واقع النزوح الدائم أن "المؤقت" في المنطقة العربية بات يُقاس بالسنوات لا بالأشهر.

يشير التقرير العالمي الحادي عشر الصادر عن مركز رصد النزوح الداخلي، بالشراكة مع المجلس النرويجي للاجئين، إلى أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا حافظت خلال العقد الماضي على معدل نزوح يتراوح بين 11 و17 مليون شخص، في وقت سجّل فيه النزوح الناجم عن النزاعات مستوى قياسياً عالمياً خلال عام 2025 بلغ 32.3 مليون حالة تنقّل جديدة. وخلف هذه الأرقام الإحصائية تختبئ قصص أسر بأكملها اضطرت لإعادة تعريف معنى “البيت”، بعدما تحوّلت الخيمة أو غرفة اللجوء لدى الأقارب من محطة عبور إلى واقع يمتد لسنوات، يعيد تشكيل علاقتها بالتعليم والعمل والكرامة.

غزة: أكثر من مليون نازح داخل مئات آلاف الخيام المتهالكة

منذ بداية الحرب في تشرين الأول/أكتوبر 2023، تحوّلت الخيام ومراكز الإيواء إلى مشهد يومي ثابت في أنحاء قطاع غزة، بينما باتت العودة إلى البيوت المدمرة حلماً بعيد المنال بالنسبة لآلاف الأسر التي فقدت الاستقرار ومصادر رزقها. وبحسب تقديرات نقلتها وكالة الأنباء الفلسطينية “وفا”، يقيم أكثر من مليون نازح في ما يزيد على 288 ألف خيمة متهالكة موزعة في مختلف أنحاء القطاع، بعد فقدان منازلهم التي دُمّرت خلال الحرب. وفي المقابل، أعلن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة أن نحو 93% من خيام النازحين لم تعد صالحة للمأوى، في ظل تدمير 92% من المباني السكنية كلياً أو جزئياً.

تصف نازحة من مخيم جباليا، فقدت بيتها المكوّن من خمسة طوابق كانت فيه شقق مستقلة أُعدّت لأبنائها استعداداً لزواجهم، واقع الخيمة بأنه لا يُطاق في ظل شح المياه وتردي الخدمات الصحية. وفي حي النصر غرب مدينة غزة، يختصر أحد النازحين المشهد بجملة واحدة: “الحياة داخل الخيام صعبة ومريرة وممتلئة بالقهر طوال الليل والنهار”. وتتكرر هذه الشهادات مع كل منخفض جوي جديد، إذ جرفت السيول والأمطار خلال فصل الشتاء الماضي آلاف الخيام، وسط غياب أي إجراءات فعلية لإعادة الإعمار.

سوريا: عودة متسارعة و5.5 ملايين نازح ينتظرون استقراراً لم يكتمل

على عكس غزة، تشهد سوريا منذ سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024 حركة عودة واسعة، لكنها لا تزال بعيدة عن إغلاق ملف النزوح. وبحسب بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ظل نحو 5.54 ملايين نازح داخلي يعيشون في سوريا حتى مطلع شباط/فبراير 2026، منهم 76% يقيمون خارج مواقع النزوح الرسمية، مقابل 24% يستضيفهم 1,535 موقع نزوح رسمي موزعة على مختلف المحافظات. وفي المقابل، عاد نحو 1.6 مليون لاجئ سوري من دول الجوار، إضافة إلى ما يقارب 1.9 مليون نازح داخلي عادوا إلى مناطقهم الأصلية بين كانون الأول 2024 ونيسان/أبريل 2026.

غير أن العودة لا تعني بالضرورة نهاية النزوح المطوّل. فما زال 1,126 مخيماً قائماً في شمال سوريا، منها نحو 786 مخيماً في محافظة إدلب و340 مخيماً في ريف حلب، تؤوي مجتمعة نحو 700 ألف نازح. وقد كشفت الفيضانات التي ضربت إدلب في شباط/فبراير الماضي هشاشة هذه المخيمات مجدداً، إذ طالت الأضرار 24 مخيماً و931 عائلة، مع انهيار كامل في 17 موقعاً. ويبقى معدل العودة محدوداً في مناطق الجنوب والشرق، حيث لا تزال الظروف الأمنية والخدمية دون المستوى الذي يسمح باستقرار دائم.

السودان: ثلث السكان بلا بيت وأكبر أزمة نزوح في العالم

منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في نيسان/أبريل 2023، أُجبر نحو 14 مليون سوداني على الفرار، بينهم نحو 9 ملايين نازح داخل البلاد، وفق ما أكدته ممثلة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في السودان بمناسبة اليوم العالمي للاجئين في حزيران/يونيو 2026. وأشارت المفوضية إلى وجود ما لا يقل عن 4.5 مليون سوداني لجأوا إلى دول الجوار، ما يجعل واحداً من كل أربعة سودانيين نازحاً، في ظل فجوة تمويل تصل إلى 72% من احتياجات الاستجابة الإنسانية.

استعادة الجيش السوداني السيطرة على ولايات الخرطوم والجزيرة وسنار أتاحت عودة نحو 4.5 مليون شخص، بينهم 1.8 مليون وصلوا إلى العاصمة رغم الدمار الواسع في بنيتها التحتية. لكن المعارك ما زالت مستمرة في دارفور وكردفان والنيل الأزرق، حيث يقارب عدد النازحين في مدينة الطويلة وحدها 700 ألف شخص، ما يبقي دائرة النزوح مفتوحة في وقت تُسجَّل فيه موجات فرار جديدة بالتوازي مع حركات العودة.

ثمانية ملايين طفل سوداني خارج المدرسة ومستقبل جيل معلّق

يمثل التعليم أحد أكثر الميادين تضرراً من إطالة أمد النزوح. ففي السودان، أدى النزاع إلى حرمان 8 ملايين طفل من التعليم النظامي، فيما لا تزال نصف المدارس مغلقة بسبب استخدامها مراكز إيواء أو ثكنات عسكرية أو تعرّضها للتدمير، بحسب بيان مشترك لليونيسف ومنظمة أنقذوا الأطفال في أيار/مايو 2026. وتُظهر بيانات عنقود التعليم توقف 97% من المدارس في شمال دارفور، مقابل عمل 13% فقط من مدارس جنوب دارفور. وأطلقت المنظمتان برنامجاً ثلاثي السنوات لمساعدة 328 ألف طفل على العودة إلى التعلم، بدعم من نحو 9 آلاف معلّم و1,800 مساحة تعليمية بديلة.

في غزة، يبلغ عدد الأطفال خارج المدرسة 645 ألفاً منذ إغلاق جميع المدارس بالكامل في تشرين الأول/أكتوبر 2023، فيما يحتاج 84% على الأقل من المباني المدرسية إلى إعادة بناء كاملة أو تأهيل كبير قبل إمكان إعادة فتحها، وفق بيانات اليونيسف الإقليمية. وما تكشفه هذه الأرقام مجتمعة أن النزوح الدائم في المنطقة العربية لم يعد يُقاس بعدد الأيام التي يقضيها النازح خارج بيته، بل بعدد السنوات الدراسية التي يخسرها أطفاله وبعدد فرص العمل التي تنقضي دون أن يعود إليها أصحابها.

خطة “سوريا بلا مخيمات” وموعد 2027 الذي يختبر مصداقية الوعود

في مواجهة هذا الواقع، وضعت الحكومة السورية وثيقة “رؤية سوريا بلا مخيمات 2026-2027″، التي تعلن هدفاً محدداً بألا يبقى أي نازح يعيش في الخيام بحلول نهاية عام 2027، ضمن مبادئ الطوعية والكرامة وعدم الإضرار ومنع النزوح الثانوي. وتربط الوثيقة نجاح العودة الحقيقية بأربعة عناصر: الحد الأدنى من الخدمات الأساسية، وفرصة كسب الرزق، والثقة باستدامة العودة، والتنسيق الفعلي بين المؤسسات المعنية. وتبقى هذه الخطة، بحسب متابعين للملف، رهينة قدرتها على تجاوز مستوى الإعلان النبيل إلى إجراءات ميدانية ملموسة تطال ملايين الأسر التي ما زالت تنتظر مسكناً صالحاً ومدرسة قريبة وفرصة عمل تحفظ كرامتها.

أما في غزة والسودان، فلا يوجد أفق زمني مماثل. ففي القطاع، يستعد النازحون لموسم صيف جديد داخل خيام لا تقيهم من الحر، بينما يواصل السودان تسجيل حركة مزدوجة بين عودة إلى الخرطوم والجزيرة وسنار، ونزوح جديد من كردفان ودارفور والنيل الأزرق. وسيكون موعد نهاية عام 2027، الذي حددته دمشق لإنهاء ملف المخيمات، أول اختبار إقليمي لمعرفة ما إذا كان يمكن فعلاً تحويل محطة العبور المؤقتة إلى ما كانت تعنيه أصلاً: توقفاً عابراً لا نمط حياة كامل.


المصادر

  1. مركز رصد النزوح الداخلي (IDMC) بالشراكة مع المجلس النرويجي للاجئين — التقرير العالمي عن النزوح الداخلي 2026 (GRID)
    https://www.internal-displacement.org/ — تاريخ النشر: 12 مايو 2026
  2. وكالة الأنباء الفلسطينية “وفا” ومركز الميزان لحقوق الإنسان — تقارير ميدانية عن أوضاع النازحين في خيام قطاع غزة
    https://www.wafa.ps — استُشهد بتقرير بتاريخ 24 فبراير 2026
  3. المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) — بيانات النزوح الداخلي والعودة في سوريا حتى فبراير 2026
    منقولة عبر وكالة “ألترا سوريا” — تاريخ الاستشهاد: 9 فبراير 2026
  4. المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين — تصريحات ممثلة المفوضية في السودان بمناسبة اليوم العالمي للاجئين
    https://sudantribune.net — تاريخ النشر: 21 يونيو 2026
  5. منظمة اليونيسف ومنظمة أنقذوا الأطفال — بيان إطلاق برنامج إعادة الأطفال إلى التعليم في السودان
    https://sudantribune.net — تاريخ النشر: 4 مايو 2026
  6. منظمة اليونيسف لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا — بيانات الأطفال خارج المدرسة في غزة
    https://www.unicef.org/mena/ar — تاريخ الاستشهاد: يونيو 2026

ليلى منصور

شكرًا على قراءة المقال. اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية لتتلقى ملخصًا يوميًا لأحدث الأخبار.

ليلى منصور
ليلى منصورhttps://alahrar.net/
ليلى منصور صحفية عربية تهتم بقضايا المجتمع وحقوق الإنسان والمرأة والهجرة والتحولات الاجتماعية في المنطقة العربية. تركز في عملها على القصص الإنسانية والموضوعات التي تعكس أثر السياسات العامة في الحياة اليومية للمواطنين. تكتب بأسلوب يجمع بين الدقة الصحفية والاهتمام بالشهادات الميدانية، وتسعى إلى تقديم القضايا الاجتماعية بعيداً عن الأحكام المسبقة والتناول السطحي
مقالات ذات صلة
spot_img

ملفات الأحرار

الأكثر شهرة