بلغ معدل البطالة على المستوى الوطني 12.7٪ في أكتوبر 2024، وفق نتائج التحقيق حول النشاط والتشغيل والبطالة الذي نشره الديوان الوطني للإحصائيات مطلع 2025. غير أن الرقم الأكثر دلالة يخص توزيع العاطلين حسب الشهادة المحصّلة: يشكل خريجو التعليم العالي 31.4٪ من مجموع العاطلين، مقابل 26.1٪ لخريجي التكوين المهني. وقد ارتفعت حصة حاملي الشهادات الجامعية من 27.8٪ سنة 2019 إلى 31.4٪ سنة 2024، بحسب تحليل نشرته مجلة KAS Éco الصادرة عن مؤسسة كونراد أديناور الألمانية في يونيو 2025.
حين تتحول الشهادة إلى عبء إحصائي بدل أن تكون مفتاح توظيف
يذهب الاقتصادي رباح ترمول، الأستاذ الباحث بجامعة بجاية، إلى أن البطالة في الجزائر ذات طبيعة هيكلية لا ظرفية، مستندا إلى معطى دقيق: تراجعت نسبة البطالة بين خريجي التكوين المهني بمقدار 0.4 نقطة بين 2019 و2024، بينما ارتفعت بمقدار 3.6 نقطة بين خريجي الجامعات خلال الفترة نفسها. هذا التباين يعني أن سوق العمل يمتص، ولو جزئيا، اليد العاملة ذات التكوين التطبيقي، في حين يواجه خريجو الشعب النظرية صعوبة متزايدة في إيجاد موضع قدم. الفارق ليس في الكفاءة الفردية بقدر ما هو في طبيعة الطلب الذي يوجهه الاقتصاد الجزائري نحو نوع بعينه من المهارات.
هذا التفسير تسنده دراسات أكاديمية متعددة نشرتها المنصة الجزائرية للمجلات العلمية (ASJP)، والتي تجمع على وجود فجوة بنيوية بين مخرجات التعليم العالي ومتطلبات سوق الشغل، ناتجة عن توسع سريع وغير مخطط لمنظومة التعليم الجامعي لم يواكبه تحديث مماثل في المناهج والتخصصات. والنتيجة أن آلاف الخريجين يحملون شهادات ذات محتوى نظري في الغالب، بينما تشتكي المؤسسات المشغّلة، من جهتها، من غياب مهارات تطبيقية جاهزة للاستخدام الفوري.
اقتصاد يقوم على المحروقات ولا يخلق وظائف مؤهلة بما يكفي
لا يمكن فصل أزمة تشغيل الخريجين عن بنية الاقتصاد الجزائري نفسه. فبحسب مجموعة البنك الدولي، شكّل قطاع المحروقات نحو 14٪ فقط من الناتج المحلي الإجمالي، لكنه استأثر بما يقارب 83٪ من الصادرات و47٪ من إيرادات الميزانية خلال الفترة الممتدة بين 2019 و2023. وهذا التوزيع يعني أن الثروة الأساسية للبلاد تتولّد من قطاع لا يستوعب سوى عدد محدود من اليد العاملة المؤهلة، في حين تبقى القطاعات الأكثر قدرة على استيعاب الخريجين، كالصناعة التحويلية والخدمات ذات القيمة المضافة، أقل نموا بكثير.
ورغم أن البنك الدولي سجّل نموا في القطاعات غير المرتبطة بالمحروقات بلغ 5.4٪ خلال 2025، فإن هذا التحول يبقى في مراحله الأولى ولم ينعكس بعد بشكل واضح على معدلات تشغيل الخريجين الجامعيين. وهنا تكمن المفارقة المركزية التي يرصدها هذا الملف: اقتصاد ينمو من حيث الأرقام الكلية، لكنه لا يترجم هذا النمو إلى مناصب شغل تتناسب مع مستوى التأهيل الذي راكمه جيل كامل من الخريجين.
حين تصبح الهجرة الأفق الأقرب من التوظيف المحلي
أمام ضيق الفرص المحلية، يتجه عدد متزايد من الكفاءات الجزائرية، خصوصا في التخصصات الطبية والهندسية والبحثية، نحو الهجرة. وقد نقل موقع Ultra Algeria عن نقاش أكاديمي داخلي تقديرات تفيد بأن الجزائر فقدت، على مدى أربعين سنة، ما يقارب نصف العدد الإجمالي للباحثين والأساتذة الجامعيين والطلبة الذين استفادوا من منح التكوين بالخارج. هذا الرقم لا يستند إلى مصدر إحصائي رسمي موحّد، لكنه يعكس، على الأقل، حجم القلق الذي يثيره استمرار نزيف الكفاءات داخل الأوساط الجامعية والبحثية نفسها.
ما يميز الموجة الحالية من هجرة حاملي الشهادات أنها لم تعد محصورة في النخبة العلمية الضيقة، بل باتت تشمل خريجين حديثي التخرج يبحثون، منذ الأشهر الأولى بعد الحصول على الشهادة، عن قنوات هجرة نظامية نحو أوروبا أو كندا أو دول الخليج. وبذلك تتحول الهجرة من خيار استثنائي إلى مسار متوقع ضمن التخطيط المهني لجزء من هذا الجيل، وهو ما يفرغ سوق العمل المحلي من جزء من الكفاءات التي أنفقت الدولة على تكوينها لسنوات.
العمل غير الرسمي: الملاذ الذي يمتص الأرقام دون أن يحل الأزمة
تشير دراسة نشرتها مجلة دفاتر إنسانيات الصادرة عن مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية (CRASC) إلى أن تراجع معدلات البطالة المسجل خلال السنوات الأخيرة لا يعود بالضرورة إلى استحداث مناصب شغل دائمة ولائقة، بل يرتبط بالأساس بدينامكية قطاع النشاط غير الرسمي. بعبارة أخرى، فإن جزءا مهما من الخريجين الذين خرجوا رسميا من دائرة البطالة لم يجدوا وظائف تتوافق مع تخصصاتهم، بل انخرطوا في أنشطة موازية، تجارية أو خدماتية، لا تضمن استقرارا وظيفيا ولا تغطية اجتماعية كاملة.
هذا المسار يفسر ظاهرة “التنازل عن التخصص” التي تتحدث عنها تقارير صحفية جزائرية متعددة: خريج في الهندسة يعمل سائق تطبيق نقل، أو حامل شهادة في العلوم الاجتماعية يفتح محلا تجاريا صغيرا. الشهادة هنا لا تُلغى، لكنها تفقد وظيفتها الأصلية كأداة تصنيف مهني، لتتحول إلى ورقة إضافية في سيرة ذاتية لا تجد من يقرأها في سوق عمل رسمي ضيق.
الشهادة وحدها لا تكفي: حين تحسم الشبكات الاجتماعية مصير التوظيف
تُظهر أدبيات أكاديمية جزائرية حديثة أن ضعف رأس المال الاجتماعي، أي غياب شبكة علاقات ومعارف قادرة على تسهيل الولوج إلى سوق العمل، يشكل عائقا إضافيا أمام قابلية تشغيل الخريجين، بمعزل عن جودة تكوينهم. هذا العامل يضاف إلى محددات أخرى كالانحدار من مناطق مهمّشة أو ضعف التحصيل العلمي المسبق، ليركّب صورة أكثر تعقيدا لعملية التوظيف في الجزائر، حيث لا تُحسم الفرصة بالكفاءة وحدها.
ولا تخلو أزمة التشغيل من الشهادة أصلا. ذلك أن خريج التخصص نفسه قد يجد أو لا يجد عملا بحسب موقعه الجغرافي وشبكة معارفه العائلية والمهنية، وهو ما يجعل من سوق الشغل الجزائري، في نظر عدد من الباحثين، حقلا تتقاطع فيه معايير الكفاءة الرسمية مع منطق اجتماعي غير مكتوب، لكنه فعّال بالقدر نفسه. لم تعد الشهادة الجامعية تعمل إذن كسلّم مضمون للصعود الاجتماعي، بقدر ما تحولت إلى شرط دخول لا يضمن شيئا بمفرده، في سوق عمل يعيد إنتاج التفاوتات القائمة بدل أن يمتصها.
ما ينتظره الخريجون في الدخول الجامعي المقبل
يستقبل سوق العمل الجزائري سنويا عشرات الآلاف من الخريجين الجدد، في وقت لا تزال فيه الحكومة تراهن على برامج تنويع الاقتصاد وتوجيه الاستثمار نحو القطاعات ذات القيمة المضافة العالية لامتصاص هذا التدفق. ومع اقتراب الدخول الجامعي 2026-2027، تبقى الأنظار متجهة نحو ما إذا كانت الإصلاحات المعلنة في منظومة التكوين ستترجم فعليا إلى تقليص الفجوة بين ما تُخرّجه الجامعة وما يطلبه الاقتصاد، أم أن الأرقام ستواصل مسارها التصاعدي كما رصدها الديوان الوطني للإحصائيات في تحقيقه الأخير.
المصادر
- الديوان الوطني للإحصائيات (ONS) – نتائج التحقيق حول النشاط والتشغيل والبطالة، أكتوبر 2024، نقلا عن L’Express Algérie
https://www.lexpressquotidien.dz/2025/03/02/le-taux-de-chomage-au-niveau-national-est-estime-a-127/ – تاريخ الاطلاع: 16 يوليو 2026 - مجموعة البنك الدولي – نظرة عامة على اقتصاد الجزائر (تحديث ربيع 2025)
https://www.albankaldawli.org/ar/country/algeria/overview – تاريخ الاطلاع: 16 يوليو 2026 - مؤسسة كونراد أديناور (KAS) بالجزائر، مؤسسة سياسية ألمانية – مجلة KAS Éco، عدد يونيو 2025، تحليل الدكتور رباح ترمول، جامعة بجاية
https://www.kas.de/documents/18049529/18064197/Ch%C3%B4mage,+Formation+,+IA – تاريخ الاطلاع: 16 يوليو 2026 - دفاتر إنسانيات – مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية (CRASC) – “بانوراما سوق العمل في الجزائر: اتجاهات حديثة وتحديات جديدة”
https://dafatir.crasc.dz/index.php/fr/dafatir-insaniyat/numero-05/article-03 – تاريخ الاطلاع: 16 يوليو 2026 - Ultra Algeria – “هجرة الأدمغة الجزائرية.. هل هناك أسباب للبقاء؟” (تقدير غير رسمي منقول عن نقاش أكاديمي)
https://ultraalgeria.ultrasawt.com – تاريخ الاطلاع: 16 يوليو 2026 - جريدة الجزائر (Eldjazair Online) – تصريح عبد الحفيظ ميلاط، المنسق الوطني لمجلس أساتذة التعليم العالي
https://eldjazaironline.dz – تاريخ الاطلاع: 16 يوليو 2026
ليلى منصور



