الرئيسيةالسياسةالأحزاب والحياة السياسية«المعارضة مرحب بها»: ما الشروط العملية لانفتاح سياسي قابل للقياس؟

«المعارضة مرحب بها»: ما الشروط العملية لانفتاح سياسي قابل للقياس؟

رحّب الرئيس عبد المجيد تبون، خلال لقائه الجالية الجزائرية في ألمانيا مساء الأربعاء 15 يوليو 2026، بـ"المعارضين"، مؤكدا أن لكل جزائري الحق في الانتقاد شريطة أن تكون المعارضة "حضارية" وتقدم البدائل. غير أن قياس واقعية هذا الانفتاح يستدعي مقارنته بمؤشرات مؤسسية ملموسة: حرية التنظيم والإعلام والتجمع، والهامش المتاح للمعارضة داخل البرلمان وخارج المواعيد الانتخابية.

جاء التصريح في سياق زيارة رسمية إلى ألمانيا استغرقت يومين، تلبية لدعوة من الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير، وتضمنت محادثات مع المستشار الألماني فريدريش ميرتس حول التعاون الثنائي في مجالات الطاقة والنقل الجوي. وخلال لقائه بأفراد الجالية الجزائرية المقيمة في ألمانيا، عاد تبون إلى ملف المعارضة الذي سبق أن أثاره في أكثر من مداخلة تلفزيونية، لكنه اختار هذه المرة منبرا خارجيا أمام جمهور من المغتربين ليكرر موقفه ويحدد شروطه بدقة أكبر.

تصريح برلين: النص وسياقه المباشر

قال الرئيس الجزائري أمام الجالية، وفق ما نقلته الرئاسة الجزائرية ووسائل إعلام محلية عدة: “بالنسبة للمعارضين مرحبا بهم”. وأضاف أن كل من يعارض “بصفة إيجابية” ويقدم “البديل” يسمح للجزائر “بالتقدم في الديمقراطية”. وفي الجملة نفسها التي كررها أكثر من مرة أمام كاميرات مختلفة، شدد تبون على أن “كل جزائري له الحق في الانتقاد”، مع تحفظ واحد يتكرر في خطاباته منذ سنوات: أن يراعي الانتقاد “تقاليدنا وحرمتنا” ويبتعد عن السب والشتم.

الصياغة ليست جديدة كليا. فالرئيس سبق أن أكد في مناسبات تلفزيونية أن حق الانتقاد مكفول دستوريا، لكن المستجد في تصريح برلين هو اختيار التوقيت والمكان: بعد أسبوعين فقط من تشريعيات 2 يوليو 2026، وأمام جالية يشكل جزء منها امتدادا لحراك 2019 الذي غادر كثير من وجوهه البلاد. هذا التزامن يمنح التصريح وزنا سياسيا يتجاوز مجرد التذكير بمبدأ دستوري.

من عفو “لمّ الشمل” إلى خطاب برلين

لا يمكن قراءة تصريح تبون بمعزل عن برنامج “لمّ الشمل”، وهو مبادرة رئاسية تسمح للنشطاء والشباب الذين لهم قضايا مع القانون بتسوية أوضاعهم، باستثناء المتورطين في جرائم خطيرة أو التعاون مع أطراف أجنبية. وبحسب تقارير إعلامية جزائرية، عاد أكثر من 320 شخصا إلى البلاد منذ يناير 2026 ضمن هذا الإطار، من بينهم نشطاء سياسيون كانوا يقيمون في الخارج تحت طائلة ملاحقات قضائية.

في المقابل، لا تزال منظمات حقوقية جزائرية ودولية تطالب بخطوات إضافية تتجاوز العفو الفردي نحو انفتاح مؤسسي أوسع. فالفارق بين الترحيب اللفظي بالمعارضة والانفتاح السياسي الفعلي يُقاس عادة خارج المواعيد الانتخابية، في الهامش اليومي المتاح للصحافة والتجمع والتنظيم الحزبي.

خمسة معايير مؤسسية لقياس الانفتاح

على صعيد حرية الإعلام، وضع مؤشر منظمة “مراسلون بلا حدود” لعام 2026 الجزائر في المرتبة 145 من أصل 180 دولة، بتراجع قدره 19 مرتبة مقارنة بتصنيف 2025 حين كانت في المرتبة 126. وصنفت المنظمة البلاد ضمن “المنطقة الحمراء”، مشيرة إلى أن الاعتقالات والرقابة والمضايقات عبر الإنترنت لا تزال تستهدف وسائل الإعلام المستقلة. ولا يزال الصحفي الرياضي الفرنسي كريستوف غليز معتقلا في الجزائر، وقد نظمت “مراسلون بلا حدود” حملة دولية للمطالبة بالإفراج عنه بالتزامن مع مشاركة الجزائر في كأس العالم 2026.

أما على صعيد حرية التجمع والتنظيم، فقد وثق تقرير منظمة “هيومن رايتس ووتش” العالمي لسنة 2026 استمرار فرض حظر سفر تعسفي على نشطاء وصحفيين ونقابيين وأكاديميين، إضافة إلى منع تجمعات، من بينها واقعة في قرية إفري أوزلاقن في أغسطس، حيث اعتقلت قوات الأمن عشرات الأشخاص من بينهم نشطاء في حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية. كما اعتُقل نقابيان في فبراير كانا متجهين لدعم حركة إضراب في المسيلة، ومنعا من التحدث إلى الإعلام أو المشاركة في المظاهرات.

برلمان بلا مفاجآت: نتائج تشريعيات 2 يوليو 2026

على الصعيد البرلماني، حيث تفترض الشروط النظرية للمعارضة الإيجابية أن تجد ترجمة عملية، أظهرت النتائج الأولية لتشريعيات 2 يوليو 2026 هيمنة مستمرة لأحزاب الموالاة. فقد حافظ حزب جبهة التحرير الوطني على المرتبة الأولى بـ90 مقعدا من أصل 407، رغم تراجعه عن حصيلته في 2021 التي بلغت 98 مقعدا، بينما قفز التجمع الوطني الديمقراطي إلى 73 مقعدا مقابل 58 سابقا.

في المقابل، عادت أحزاب معارضة تقليدية كانت قد قاطعت تشريعيات 2021، مثل جبهة القوى الاشتراكية التي حصلت على 12 مقعدا، والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية بـ4 مقاعد، وحزب العمال بـ3 مقاعد. لكن حضورها يبقى، بحسب محللين استشهدت بهم وسائل إعلام جزائرية، “رمزيا” أمام حجم الكتلة الموالية. وتراجعت القوائم المستقلة بشكل لافت من 84 مقعدا في 2021 إلى 32 مقعدا فقط، فيما ارتفع عدد مقاعد الجالية في الخارج إلى 12 مقعدا. وسجلت المشاركة الانتخابية أدنى مستوى في تاريخ الاستحقاقات التشريعية الجزائرية، بواقع 21.24 بالمئة داخل الوطن و10.75 بالمئة فقط لدى الناخبين المقيمين بالخارج.

المحطات المقبلة: من الإعلان النهائي إلى ملف الصحفي المعتقل

حددت المحكمة الدستورية يوم السبت 18 يوليو 2026 موعدا للإعلان عن النتائج النهائية للتشريعيات، بعد استكمال دراسة الطعون المقدمة من القوائم المتنافسة. وسيكون أول اختبار عملي لخطاب برلين هو الأجندة التشريعية الأولى للمجلس الجديد، وما إذا كانت ستتيح للكتلة المعارضة الصغيرة هامشا حقيقيا للمبادرة التشريعية والرقابة على الحكومة.

كما يبقى ملف الصحفي كريستوف غليز، ومصير حاملي بطاقات “معتقلي الرأي” الذين لا تزال منظمات حقوقية جزائرية تطالب بالإفراج عنهم، مؤشرا ملموسا يمكن تتبعه في الأسابيع المقبلة. فبين تصريح رئاسي يرحب بالمعارضة وتقرير دولي يضع البلاد في “المنطقة الحمراء” لحرية الصحافة، تظل المسافة الفعلية بين الخطاب والممارسة رهينة قرارات إدارية وقضائية محددة، لا رهينة الكلمة وحدها.


مصادر

  1. Reporters sans frontières (RSF) — Classement mondial de la liberté de la presse 2026 : la liberté de la presse au plus bas depuis 25 ans
    https://rsf.org/fr/classement-2026-la-libert%C3%A9-de-la-presse-au-plus-bas-depuis-25-ans — consulté le 16 juillet 2026
  2. Human Rights Watch — التقرير العالمي 2026: الاتجاهات الحقوقية في الجزائر
    https://www.hrw.org/ar/world-report/2026/country-chapters/algeria — consulté le 16 juillet 2026
  3. Euronews عربي — نتائج الانتخابات التشريعية في الجزائر 2026 ونسبة المشاركة
    https://arabic.euronews.com/2026/07/06/the-national-liberation-front-leads-the-legislative-elections-in-algeria-with-voter-turno — consulté le 16 juillet 2026
  4. Awras News — تصريحات الرئيس تبون خلال لقائه الجالية الجزائرية في ألمانيا
    https://www.awras.com/%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3-%D8%AA%D8%A8%D9%88%D9%86-%D9%8A%D9%81%D8%AA%D8%AD-%D8%A8%D8%A7%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%88%D8%AF%D8%A9-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B2%D8%A7%D8%A6/ — consulté le 16 juillet 2026
  5. Awras News — موعد إعلان النتائج النهائية لتشريعيات جويلية 2026
    https://www.awras.com/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D9%83%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B3%D8%AA%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D8%AD%D8%AF%D8%AF-%D9%85%D9%88%D8%B9%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%86-%D8%B9/ — consulté le 16 juillet 2026
  6. Reporters sans frontières (RSF) — Page pays Algérie : détention du journaliste Christophe Gleizes
    https://rsf.org/fr/pays/alg%C3%A9rie — consulté le 16 juillet 2026

أحمد ناصر

شكرًا على قراءة المقال. اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية لتتلقى ملخصًا يوميًا لأحدث الأخبار.

أحمد ناصر
أحمد ناصرhttps://alahrar.net/
أحمد ناصر صحفي يهتم بالشؤون السياسية والعلاقات الدولية والتحولات الجيوسياسية في العالم العربي والشرق الأوسط. يتابع الملفات الدبلوماسية والأمنية والانتخابات والحياة الحزبية، ويعمل على تقديم قراءة هادئة للأحداث تربط بين الخبر وسياقه السياسي والتاريخي. يركز في مقالاته على تحليل مواقف الفاعلين الرئيسيين وتوضيح انعكاسات القرارات الدولية على المنطقة.
مقالات ذات صلة
spot_img

ملفات الأحرار

الأكثر شهرة