وتأتي هذه المحطة في وقت تتعدد فيه بؤر التوتر في القارة، مما يضع أي رئاسة دورية أمام أجندة مثقلة منذ يومها الأول. بحسب برنامج العمل الذي كشفت عنه الجزائر، وتناقلته وسائل إعلام جزائرية استنادا إلى التلفزيون العمومي، تستهل الرئاسة الجزائرية أشغالها بجلسة عامة مخصصة للتعليم في سياق النزاعات، قبل أن تنتقل إلى سلسلة من الاجتماعات والمشاورات المؤسساتية والمهام الميدانية طوال شهر أغسطس. وتأتي هذه الرئاسة، بحسب المصادر ذاتها، في إطار توجهات السياسة الخارجية للرئيس عبد المجيد تبون الهادفة إلى دعم مقاربة الحلول الإفريقية للمشكلات الإفريقية. وينخرط برنامج الرئاسة في استمرارية مباشرة مع تجربة سابقة، إذ سبق للجزائر أن ترأست المجلس في أغسطس 2025، الشهر الذي اقترحت خلاله أداة قارية لتقييم التهديدات ورسم خرائط المخاطر، وهي الأداة التي سيراجع المجلس مستوى تقدمها خلال الرئاسة الحالية.
مجلس تأسس عام 2003 بصلاحيات تقل عن مجلس الأمن الدولي
يعمل مجلس السلم والأمن الإفريقي منذ تأسيسه بموجب بروتوكول 2003 كجهاز مكلف بتنفيذ قرارات الاتحاد الإفريقي في مجالات منع النزاعات وإدارتها وتسويتها، إلى جانب مهام صنع السلام وبنائه وإعادة الإعمار في مرحلة ما بعد النزاع. يتشكل المجلس من خمس عشرة دولة، منها خمس تُنتخب لولاية ثلاثية وعشر لولاية سنتين، على أن تعكس التركيبة توازنا إقليميا بين مناطق القارة الخمس. وغالبا ما يُقارَن هذا الجهاز بمجلس الأمن الدولي، إلا أن الفارق الجوهري يكمن في آلية اتخاذ القرار: لا يملك أي عضو حق النقض، لكن القرارات تبقى رهينة توافق سياسي بين الدول الأعضاء، دون آلية إنفاذ عسكري تلقائي تُلزم دولة رافضة بتنفيذها. هذا القيد البنيوي هو ما يفسر، بحسب تقييم نشره مركز أفروبوليسي بمناسبة مرور عشرين عاما على تأسيس المجلس، الفجوة المتكررة بين قرارات المجلس وقدرته على تغيير مسار أزمات ممتدة كالسودان وليبيا. وما يميز رئاسة الجزائر عن سابقاتها ليس البروتوكول نفسه، بل اختبار قدرتها على تحويل عضويتها غير الدائمة إلى تأثير قابل للقياس على ملفات لا تحسمها وحدها. وتدخل الجزائر هذا الاختبار وهي تحمل رصيدا دبلوماسيا سابقا في وساطات إفريقية متعددة، أبرزها اتفاق الجزائر للسلم والمصالحة في مالي الموقع سنة 2015، وهو ما يمنح رئاستها الحالية وزنا رمزيا يتجاوز الحضور البروتوكولي.
الساحل وجنوب السودان في صدارة اجتماعات أغسطس
ينص برنامج الرئاسة الجزائرية على عقد اجتماعين مخصصين لمتابعة تطورات الأوضاع في منطقة الساحل وفي جمهورية جنوب السودان، ضمن آلية رصد بؤر التوتر التي يعتمدها المجلس دوريا. ولا يقتصر الأمر على المراجعة الدورية، إذ تعتزم الجزائر تنظيم مهمة ميدانية للمجلس إلى جمهورية السودان ذاتها، للوقوف على تطورات الوضع السياسي وتعزيز انخراط المجلس في جهود دعم الاستقرار في بلد ما زال يعيش على وقع مواجهة مسلحة بين الجيش وقوات الدعم السريع. ويأتي هذا التمييز بين جنوب السودان والسودان مهما: الأول موضوع اجتماع مراجعة كلاسيكي، والثاني موضوع مهمة ميدانية أكثر التصاقا بالميدان، في ظل تصريحات متكررة لقيادة الجيش السوداني تستبعد أي تراجع عسكري قريب وتتحدث عن مواصلة الحسم حتى استعادة كامل مناطق النفوذ.
ليبيا وملف الانقلابات: حاضران من دون إدراج صريح
على خلاف الساحل والسودان، لا يظهر ملف ليبيا بشكل صريح في البرنامج المعلن لشهر أغسطس، رغم أنه يبقى من الملفات المفتوحة تاريخيا أمام المجلس، ورغم الدور الذي لعبته الجزائر سابقا في استضافة جولات من الحوار السياسي الليبي ودعم اللجنة العسكرية المشتركة الموسعة بين الشرق والغرب الليبيين. وبالمثل، لا يتضمن برنامج أغسطس بندا صريحا حول التغييرات غير الدستورية للحكم، رغم أن هذا الملف يشكل أحد اختصاصات المجلس الدائمة، والذي طالت آثاره دولا في محيط الجزائر المباشر مثل مالي والنيجر، حيث لا تزال المجالس العسكرية الحاكمة خارج الأطر الدستورية التي يشترطها الاتحاد الإفريقي لاستعادة العضوية الكاملة. هذا الغياب عن الأجندة الرسمية لا يعني بالضرورة تغييبا عن النقاش، إذ تتيح الرئاسة الشهرية هامشا لإدراج بنود إضافية كلما استدعت التطورات الميدانية ذلك، لكنه يبقي هذين الملفين في خانة الترقب لا التأكيد.
من التنسيق الاستخباراتي إلى أداة تقييم التهديدات
يشمل برنامج الرئاسة الجزائرية اجتماعا تنسيقيا يجمع مركز الاتحاد الإفريقي لمكافحة الإرهاب، ومقره الجزائر العاصمة منذ إنشائه، وآلية التعاون الشرطي الإفريقية، ولجنة أجهزة الاستخبارات والأمن الإفريقية، والآلية الإفريقية للتقييم من قبل النظراء، بهدف معلن هو تعزيز منظومة الإنذار المبكر على مستوى القارة وتوحيد تبادل المعلومات بين الأجهزة الأمنية للدول الأعضاء. وفي السياق ذاته، يعود المجلس إلى أداة التقييم القاري للتهديدات ورسم خرائط المخاطر التي بادرت الجزائر باقتراحها خلال رئاستها في أغسطس 2025، لمراجعة ما تحقق من خارطة الطريق المرتبطة بها منذ عام كامل. كما يتضمن البرنامج ثلاث مشاورات مؤسساتية مع البرلمان الإفريقي واللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب ومنصة الحوكمة الإفريقية وهيكل السلم والأمن الإفريقي، إضافة إلى اجتماع لتقييم تنفيذ مبادرة إسكات البنادق في إفريقيا ضمن أجندة الاتحاد الإفريقي 2063.
“مسار وهران” ورهان توحيد الصوت الإفريقي في نيويورك
تعتزم الجزائر أيضا تنظيم الإحاطة الفصلية لمجموعة الدول الإفريقية الثلاث الأعضاء في مجلس الأمن الدولي، المعروفة اختصارا بمجموعة A3، أمام مجلس السلم والأمن، بهدف الإسراع في تنفيذ مخرجات الندوة رفيعة المستوى حول السلم والأمن في إفريقيا التي احتضنتها مدينة وهران قبل أشهر. وتراهن الجزائر من خلال هذه الإحاطة على توحيد الموقف الإفريقي داخل منظومة الأمم المتحدة، في ملف طالما اشتكت منه الدول الإفريقية بسبب تشتت تمثيلها في مجلس الأمن الدولي مقارنة بثقلها السكاني والجغرافي، إذ لا تملك القارة حتى اليوم مقعدا دائما واحدا فيه. تبقى هذه الخطوة، شأنها شأن باقي بنود البرنامج، مرهونة بمدى التزام الدول الأعضاء الأخرى بالجدول الزمني المعلن، وهو ما لن يتضح إلا بعد انقضاء شهر الرئاسة الجزائرية ومراجعة حصيلته الفعلية أمام المجلس في دورته الموالية، حين يمكن قياس الفارق بين ما أُعلن في أغسطس وما تحقق منه فعليا على الأرض.
المصادر
- وكالة أوراس – “من الساحل إلى السودان.. الجزائر تكشف برنامج رئاستها لمجلس السلم والأمن الإفريقي”
https://www.awras.com/%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%A7%D8%AD%D9%84-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B2%D8%A7%D8%A6%D8%B1-%D8%AA%D9%83%D8%B4%D9%81-%D8%A8%D8%B1%D9%86/ – تاريخ الاطلاع: 26 يوليو 2026 - جريدة النهار أونلاين – “الجزائر تتولى رئاسة مجلس السلم والأمن الإفريقي ابتداء من أوت 2026”
https://www.ennaharonline.com/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B2%D8%A7%D8%A6%D8%B1-%D8%AA%D8%AA%D9%88%D9%84%D9%89-%D8%B1%D8%A6%D8%A7%D8%B3%D8%A9-%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D9%85-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%86-2/ – تاريخ الاطلاع: 26 يوليو 2026 - جريدة الشروق أونلاين – “الجزائر تتولى الرئاسة الدورية لمجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي”
https://www.echoroukonline.com/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B2%D8%A7%D8%A6%D8%B1-%D8%AA%D8%AA%D9%88%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A6%D8%A7%D8%B3%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%B3-%D8%A7 – تاريخ الاطلاع: 26 يوليو 2026 - يومية الاتحاد الجزائرية – “الجزائر تشرع في تولي رئاسة مجلس السلم والأمن” (انتخاب الجزائر عضوا للمجلس لولاية 2025-2028)
https://www.elitihadcom.dz/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B2%D8%A7%D8%A6%D8%B1-%D8%AA%D8%B4%D8%B1%D8%B9-%D9%81%D9%8A-%D8%AA%D9%88%D9%84%D9%8A-%D8%B1%D8%A6%D8%A7%D8%B3%D8%A9-%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D9%85-%D9%88/ – تاريخ الاطلاع: 26 يوليو 2026 - الهيئة العامة للاستعلامات (مصر) – نص بروتوكول إنشاء مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي (2003)
https://sis.gov.eg/Story/3905/(2)-بروتوكول-حول-انشاء-مجلس-السلم-والأمن-التابع-للاتحاد-الافريقى?lang=ar – تاريخ الاطلاع: 26 يوليو 2026 - مركز أفروبوليسي – “تقييم مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي”
https://afropolicy.com/%D8%AA%D9%82%D9%8A%D9%8A%D9%85-%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D9%85-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%A7%D8%A8%D8%B9-%D9%84%D9%84%D8%A7%D8%AA%D8%AD%D8%A7/ – تاريخ الاطلاع: 26 يوليو 2026
أحمد ناصر



