أعلنت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) أنها أنهت الخميس موجة جديدة من الغارات على إيران عند الساعة 21:40 بتوقيت شرق الولايات المتحدة، في ما وصفته بالليلة السادسة المتتالية من القصف. وبحسب وسائل إعلام إيرانية، سُجّلت انفجارات في بندر عباس وجزيرة قشم وتشابهار وإيرانشهر، إلى جانب غارات استهدفت جسورا في محافظة هرمزغان الجنوبية على طرق تصل إلى بندر عباس، المدينة الساحلية التي تضم قاعدة بحرية للحرس الثوري. في المقابل، ردّت طهران بتوسيع هجماتها لأول مرة منذ أيام لتشمل قطر، التي اعترضت وزارة دفاعها صاروخا استهدف أراضيها فجر الجمعة وسط دوي انفجارات سُمع في الدوحة.
خريطة الليلة السادسة: من ضرب من في الخليج والأردن
أفادت القوات المسلحة الأردنية باعتراض ثلاثة صواريخ إيرانية استهدفت أراضيها دون وقوع إصابات أو أضرار، فيما تصدت الكويت لهجمات مماثلة طالت منشآت عسكرية على أراضيها. ولم تعلن إيران رسميا مسؤوليتها عن الهجوم على قطر حتى صباح الجمعة، رغم أنها استهدفت البحرين والكويت والأردن بشكل متكرر خلال الأيام الأخيرة. وتحتفظ الدوحة بعلاقة أقرب نسبيا إلى طهران مقارنة بجيرانها الخليجيين، وقد أدت دورا محوريا كوسيط طوال أشهر النزاع، وهو ما جعل استهدافها المحتمل مؤشرا إضافيا على اتساع رقعة المواجهة. أما الحصيلة البشرية للغارات الأميركية على الجسور في هرمزغان، فتراوحت الروايات الإيرانية بشأنها بين سبعة وثمانية قتلى وفق مصادر مختلفة، من دون تأكيد مستقل من جهة محايدة حتى صباح الجمعة.
من هدنة إبريل إلى انهيار التفاهم: كيف عاد الطرفان إلى الحرب؟
اندلعت الحرب الإيرانية الأميركية في 28 فبراير 2026، حين شنت الولايات المتحدة وإسرائيل غارات جوية منسقة على إيران أسفرت عن مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد من كبار المسؤولين، وذلك في خضم مفاوضات كانت جارية آنذاك بشأن البرنامج النووي الإيراني. ردّت طهران بإغلاق مضيق هرمز وشن هجمات صاروخية وبطائرات مسيّرة على إسرائيل وقواعد أميركية في المنطقة. وبعد أسابيع من التصعيد، توصل الطرفان في 7 و8 إبريل إلى هدنة لمدة أسبوعين برعاية باكستانية، مُددت لاحقا إلى أجل غير مسمى في 21 من الشهر نفسه. وأفضت مفاوضات لاحقة إلى توقيع مذكرة تفاهم من 14 بندا في 17 يونيو، أنهت الحصار البحري الأميركي وأعادت فتح مضيق هرمز مقابل حوافز اقتصادية لطهران.
غير أن هذا الإطار سرعان ما تصدع. فبعد أسبوع واحد من توقيع المذكرة، شنت إيران هجوما بطائرة مسيّرة على سفينة داخل مضيق هرمز، اعتبرته واشنطن خرقا للهدنة وردت عليه بضربات محدودة. وفي 8 يوليو، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب على هامش قمة الناتو في أنقرة أن اتفاق الهدنة “انتهى”، في تصريحات وصف فيها المسؤولين الإيرانيين بعبارات قاسية. ومنذ ذلك التاريخ، نفذت القوات الأميركية نحو 300 ضربة على ما يقارب 140 هدفا خلال أسبوع واحد وفق موسوعة بريتانيكا، بينما وسّعت إيران رقعة ردودها لتشمل عمان والبحرين وقطر والكويت والأردن.
وقائع مؤكدة وادعاءات عسكرية متقاطعة
يفرض تعقّد الجبهات المفتوحة تمييزا دقيقا بين ما هو مؤكد رسميا وما يبقى في خانة الادعاء العسكري غير المتحقق منه. فمن جهة، أكدت القيادة المركزية الأميركية رسميا استمرار الغارات لليلة سادسة، كما أكدت الحكومتان القطرية والأردنية رسميا اعتراض صواريخ إيرانية على أراضيهما. في المقابل، لا يزال ادعاء الحرس الثوري الإيراني استهداف قوات أميركية في التنف بسوريا، وكذلك زعمه ضرب أهداف أميركية في البحرين، بلا تأكيد مستقل من واشنطن أو المنامة حتى تحرير هذا التقرير. كذلك تبقى الحصيلة البشرية التي أوردتها وكالة فارس الإيرانية شبه الرسمية بشأن ضحايا القصف الأميركي على الجسور مصدرا وحيدا غير مقارَن بأي رواية أميركية أو دولية مستقلة، وهو ما يستدعي التعامل معها بوصفها معلومة تحتاج إلى تحقق إضافي وليست واقعة مثبتة.
حزب الله والحوثيون وفصائل العراق: الجبهات التي لم تنفتح بالكامل بعد
منذ اليوم الثاني للحرب في فبراير، انخرط حزب الله اللبناني وفصائل ضمن الحشد الشعبي العراقي في القتال عبر استهداف إسرائيل وقواعد أميركية في المنطقة، وفق تحليل نشره مركز ستيمسون. أما الحوثيون في اليمن، الحليف الأكثر التزاما تاريخيا بمحور طهران، فقد التزموا حتى الآن تحفظا ملحوظا، رغم دخولهم مرحليا على خط استهداف إسرائيل في أواخر مارس. وأشار المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي في بيان مكتوب إلى احتمال فتح “جبهات جديدة”، وهو ما فسّرته تحليلات متخصصة كإشارة إلى قرب انخراط الحوثيين بشكل أوسع.
ما يميز هذه الجولة عن سابقاتها أن الجبهات التي طالما تجنبت الانخراط المباشر باتت أقرب من أي وقت مضى إلى كسر قواعد الاشتباك التي حكمت الأشهر الأربعة الماضية، إذ يحذر محللو الجزيرة من أن التفعيل الكامل للجبهتين اليمنية والعراقية قد يوسّع الحرب نحو البحر الأحمر ويهدد الملاحة في قناة السويس. وسبق لمجلس الأمن الدولي أن أدان في القرار 2817 الصادر في 11 مارس، بأغلبية 13 صوتا مقابل لا شيء وامتناع اثنين، هجمات إيران على البحرين والكويت وعُمان وقطر والسعودية والإمارات والأردن، في مؤشر على اتساع دائرة الدول المتضررة من التصعيد منذ الأسابيع الأولى للحرب.
مضيق هرمز و100 دولار للبرميل: كلفة اقتصادية لتصعيد بلا سقف
قفزت أسعار خام برنت أكثر من 4 في المئة مطلع الأسبوع لتلامس 79 دولارا للبرميل، بعدما كانت قد عادت مؤقتا إلى مستويات ما قبل الحرب عقب توقيع مذكرة يونيو. وكانت الأسعار قد تجاوزت 100 دولار للبرميل في مارس، ووصفت الوكالة الدولية للطاقة الأزمة آنذاك بأنها “أكبر اضطراب يشهده سوق النفط العالمي في تاريخه”. وبحسب مركز عمليات التجارة البحرية البريطاني، تراجعت حركة العبور عبر المضيق من معدل 138 سفينة يوميا قبل الحرب إلى أقل من خمس سفن في ذروة الأزمة، فيما لا تزال طهران تصف السيطرة على المضيق بأنه “خط أحمر لا يمكن كسره”.
على الصعيد الدبلوماسي، عقد مجلس الأمن جلسة طارئة في 2 يوليو بعد موجة تصعيد سابقة، ودعت الأمينة العامة المساعدة للأمم المتحدة إليزابيث سبيهار حينها إلى “أقصى درجات ضبط النفس” للحفاظ على مذكرة يونيو، وسط جهود وساطة تواصلت في الدوحة بإشراف قطري. غير أنه حتى مساء الخميس، لم يُبدِ أي من الطرفين استعدادا علنيا للعودة إلى المفاوضات، بينما تتواصل الغارات والردود المتبادلة لليوم السادس على التوالي دون أفق واضح لوقفها.
المصادر
- Al Jazeera – “Iran war update: US launches sixth consecutive day of strikes against Iran”
https://www.aljazeera.com/news/liveblog/2026/7/16/iran-war-live-sirens-in-bahrain-kuwait-us-disables-iranian-oil-tanker – تاريخ الاطلاع: 17 يوليو 2026 - CNN – “Live updates: Iran steps up retaliation as war with US shows no sign of de-escalating”
https://www.cnn.com/2026/07/17/world/live-news/iran-war-trump – تاريخ الاطلاع: 17 يوليو 2026 - Britannica – “2026 Iran war”
https://www.britannica.com/event/2026-Iran-war – تاريخ الاطلاع: 17 يوليو 2026 - UN Peace Operations (DPPA) – “UN calls for maximum restraint to preserve ceasefire between the United States and Iran”
https://dppa.un.org/en/news/un-calls-for-maximum-restraint-to-preserve-ceasefire-between-the-united-states-and-iran – تاريخ الاطلاع: 17 يوليو 2026 - UN Meetings Coverage – “Security Council Adopts Resolution 2817 (2026)”
https://press.un.org/en/2026/sc16315.doc.htm – تاريخ الاطلاع: 17 يوليو 2026 - Al Jazeera – “Oil prices jump as US and Iran trade attacks over Strait of Hormuz”
https://www.aljazeera.com/economy/2026/7/13/oil-prices-jump-as-us-and-iran-trade-attacks-over-strait-of-hormuz – تاريخ الاطلاع: 17 يوليو 2026
أحمد ناصر



