نددت الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية، أنييس كالامار، يوم 14 تموز/يوليو 2026، بما وصفته بـ”الحملة الأمريكية البغيضة” الرامية إلى تفكيك المحكمة الجنائية الدولية، غداة إعلان وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو عزم واشنطن تفكيك المحكمة “حجرا حجرا إذا اقتضى الأمر”. ودعت المنظمة الحقوقية الدول الأعضاء في المحكمة، البالغ عددها 125 دولة، إلى مقاومة الضغوط الأمريكية جماعيا وفرديا، محذرة من أن إضعاف المحكمة يفتح الباب أمام حقبة جديدة من الإفلات من العقاب.
أعلن وزير الخارجية الأمريكي، في مقال رأي نشرته صحيفة “وول ستريت جورنال” يوم 13 تموز/يوليو 2026، أن الإدارة الأمريكية ستستخدم “كل الأدوات المتاحة لدى الحكومة” لتفكيك المحكمة التي يقع مقرها في لاهاي. وأكدت وزارة الخارجية، في بيان صادر بالتوازي، أن واشنطن تطلق “حملة شاملة” تهدف إلى تعطيل قدرة المحكمة على العمل بشكل منهجي، في إطار ما وصفته بحماية السيادة الأمريكية. جاء هذا التصعيد بعد أقل من عام ونصف على فرض الرئيس دونالد ترامب عقوبات على المدعي العام السابق للمحكمة كريم خان، في شباط/فبراير 2025، على خلفية مذكرات التوقيف الصادرة بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت.
روبيو يتحدث عن “تهديد” لم تؤكده أي تحقيقات فعلية
بنى الوزير الأمريكي موقفه على مخاوف من احتمال ملاحقة عسكريين أو مسؤولين أمريكيين أمام المحكمة، رغم عدم وجود أي مؤشر على تحقيق جار بحق مواطنين أمريكيين. وبحسب خبراء القانون الدولي الذين استطلعت آراءهم منصة “جاست سكيوريتي” المتخصصة، فإن اختصاص المحكمة يقتصر على الجرائم المرتكبة على أراضي الدول الأعضاء، بصرف النظر عن جنسية مرتكبيها، وهو ما يفسر تعامل المحكمة سابقا مع جنود روس رغم أن موسكو ليست عضوا فيها. في المقابل، لوّح روبيو بإمكانية فرض عقوبات إضافية، وإلغاء تأشيرات موظفي المحكمة وحظر سفرهم، إلى جانب الضغط الدبلوماسي على الدول الأعضاء لحملها على الانسحاب من معاهدة روما المؤسسة للمحكمة. ما يبرزه هذا التصعيد ليس ضعف المحكمة في نظر خبراء القانون، بل حساسية واشنطن المفرطة تجاه اختصاص قضائي لم يطأ بعد أراضيها.
كالامار: الهجوم يكشف عما تخشاه واشنطن أكثر مما يهدد سيادتها
اعتبرت كالامار، في بيانها، أن هجوم وزير الخارجية “يكشف عن الغرض الحقيقي للمحكمة”: ملاحقة من يفلتون من المساءلة حين يمتنع أصحاب القرار عن التحرك. ورأت أن حجج روبيو أقرب إلى اعتراف ضمني بارتكاب مخالفات، في إشارة إلى ترحيل مهاجرين إلى سجون السلفادور، وضربات نفذتها القوات الأمريكية استهدفت قوارب في الكاريبي والمحيط الهادئ الشرقي. وأشارت الأمينة العامة إلى أن هجوم روبيو تزامن مع زيارة نائب المدعي العام للمحكمة إلى تشاد للقاء ضحايا دارفور، واصفة التناقض بين الحدثين بأنه صارخ. وختمت كالامار بيانها بعبارة لافتة: «الآن ليس وقت الاسترضاء، بل وقت المقاومة».
من أفغانستان إلى أوكرانيا: عقدان من التوتر المتقطع بين واشنطن ولاهاي
العلاقة بين الولايات المتحدة والمحكمة، التي بدأت عملها عام 2002 دون أن تنضم إليها واشنطن، تأرجحت طوال أكثر من عقدين بين العداء والتعاون الحذر. فبعد موقف متشدد في بداية عهدها، دعمت إدارة الرئيس جورج بوش الابن عام 2005 إحالة مجلس الأمن الدولي لملف دارفور إلى المحكمة. وفي عام 2020، فرضت إدارة ترامب الأولى عقوبات على المدعية العامة آنذاك بسبب تحقيقات المحكمة في أفغانستان، قبل أن يرفعها الرئيس جو بايدن. وشهدت السنوات التالية دعما ثنائيا داخل الكونغرس لعمل المحكمة في أوكرانيا، بعد إصدارها مذكرة توقيف بحق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. والمفارقة اللافتة أن روبيو نفسه شارك عام 2022، بصفته عضوا في مجلس الشيوخ، في تقديم قرار يصف المحكمة بأنها أداة لإرساء سيادة القانون في مناطق غابت عنها العدالة، ويدعو الدول إلى دعم تحقيقاتها بحق القوات الروسية. هذا التناقض بين مواقفه الحالية والسابقة يغذي انتقادات الخبراء القانونيين لحملته الجديدة.
125 دولة عضوا أمام اختبار التماسك في مواجهة الضغوط
دعت منظمة العفو الدولية الدول الأعضاء إلى تفعيل ما يعرف بـ”قوانين الحماية” للتخفيف من أثر العقوبات الأمريكية المحتملة على الأفراد والمؤسسات المتعاونة مع المحكمة. وبحسب خبراء استشهدت بهم منصة “جاست سكيوريتي”، فإن انسحاب أي دولة عضو من معاهدة روما لا يسري إلا بعد عام كامل، وتبقى خلاله ملزمة بالتعاون مع المحكمة في الجرائم المرتكبة على أراضيها، ما يحد عمليا من فعالية الضغط الأمريكي على المدى القصير. ويرى بعض هؤلاء الخبراء أن فرض عقوبات إضافية قد يدفع الدول الأوروبية أخيرا إلى اتخاذ خطوات فعلية لحماية المحكمة، لا سيما إذا مسّت العقوبات الأمريكية التحقيقات المرتبطة بأوكرانيا، وهو ملف يحظى بإجماع أوروبي واسع.
ملفات دارفور وأوكرانيا والفلبين في مرمى الحملة الأمريكية
التداعيات المباشرة لهذا التصعيد تطال بشكل خاص التحقيقات الجارية في دارفور، ومحاكمة الرئيس الفلبيني السابق رودريغو دوتيرتي، وجهود اعتقال قادة من حركة طالبان بتهم اضطهاد النساء في أفغانستان. كما تشمل مذكرة التوقيف الصادرة بحق بوتين على خلفية الحرب في أوكرانيا، وهو ملف حظي تاريخيا بدعم من الحزبين الجمهوري والديمقراطي داخل الكونغرس الأمريكي. ويحذر محللون من أن أي عقوبات تستهدف المحكمة ذاتها، لا موظفيها فقط، قد تشل عملها بالكامل، ما يضع الدول الأوروبية الداعمة لملف أوكرانيا أمام خيار الدفاع عن المحكمة أو تحمل تبعات تعطيلها.
الأسابيع المقبلة تحت مجهر الضغوط الدبلوماسية والعقوبات المحتملة
تواصل المحكمة الجنائية الدولية، في غضون ذلك، سير محاكمة دوتيرتي وتحقيقاتها المتعلقة بجرائم حرب مزعومة في دارفور وأوكرانيا وميانمار، في وقت ينتظر فيه المراقبون ما إذا كانت واشنطن ستنتقل من التلويح بالعقوبات إلى فرضها فعليا على المحكمة ذاتها. خبراء قانونيون وصفوا هذا الاحتمال بأنه الأخطر بين كل الإجراءات المطروحة، لأنه قد يعطل عمل المحكمة عمليا في جميع ملفاتها دفعة واحدة. الأسابيع المقبلة ستكشف ما إذا كانت الدول الأعضاء ستتحرك جماعيا لحماية المحكمة، أم ستترك واشنطن تمضي في حملتها منفردة.
المصادر
- منظمة العفو الدولية (الفرع الأمريكي) – بيان صحفي: “Global: States Must Push Back Against Reprehensible US Campaign to Dismantle the ICC” – https://www.amnestyusa.org/press-releases/global-states-must-push-back-against-reprehensible-us-campaign-to-dismantle-the-icc/ – نُشر في 14 تموز/يوليو 2026 – اطُلع عليه في 16 تموز/يوليو 2026
- منصة “جاست سكيوريتي” – تحليل جماعي لخبراء قانون دولي: “What does the Trump Administration Statement on Dismantling the ICC Really Mean?” – https://www.justsecurity.org/147012/trump-administration-statement-dismantling-icc/ – نُشر في 14 تموز/يوليو 2026 – اطُلع عليه في 16 تموز/يوليو 2026
- وزارة الخارجية الأمريكية – بيان صحفي: “State Department Launches Campaign to Dismantle International Criminal Court’s Threat to American Sovereignty” – https://www.state.gov/releases/office-of-the-spokesperson/2026/07/state-department-launches-campaign-to-dismantle-international-criminal-courts-threat-to-american-sovereignty/ – تموز/يوليو 2026 – اطُلع عليه في 16 تموز/يوليو 2026
- صحيفة “وول ستريت جورنال” – مقال رأي لوزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، “Why We’re Dismantling the ICC” (مذكور ضمن تحليل جاست سكيوريتي) – 13 تموز/يوليو 2026 – اطُلع عليه في 16 تموز/يوليو 2026
- منظمة العفو الدولية – بيان سابق: “USA: Sanctions against International Criminal Court betray international justice system” – https://www.amnesty.org/en/latest/news/2025/02/usa-sanctions-against-international-criminal-court-betray-international-justice-system/ – نُشر في 7 شباط/فبراير 2025 – اطُلع عليه في 16 تموز/يوليو 2026
ليلى منصور



