الرئيسيةالعلوم والتكنولوجياالذكاء الاصطناعيهل يمكن للعرب بناء ذكاء اصطناعي بلغتهم؟ حسابات السيادة الرقمية الحقيقية

هل يمكن للعرب بناء ذكاء اصطناعي بلغتهم؟ حسابات السيادة الرقمية الحقيقية

تُراهن دول الخليج بعشرات مليارات الدولارات على نماذج ذكاء اصطناعي ناطقة بالعربية، من جيس الإماراتي إلى علّام السعودي وفنار القطري، سعياً للخروج من موقع المستهلك لتقنيات صُممت أساساً بالإنجليزية. غير أن بناء هذه السيادة يمر عبر أربع عقبات متشابكة لا يكفي المال وحده لتجاوزها: البيانات، والحوسبة، والكفاءات، والتشريع.

منذ سنتين، تحوّل مصطلح “السيادة الرقمية” من هامش النقاش التقني إلى صلب الخطاب الرسمي في الرياض وأبوظبي والدوحة. رئيس الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، عبد الله الغامدي، اختصر هذا التحول بعبارة واضحة: «السيادة الرقمية ليست خياراً، بل ضرورة»، على حد قوله في تصريحات نقلتها الجزيرة نت. لكن الانتقال من الشعار إلى الممارسة يكشف عن معادلة أكثر تعقيداً مما توحي به المؤتمرات الاستثمارية، معادلة تبدأ من سؤال بسيط: هل توجد أصلاً نصوص عربية كافية لتغذية هذه النماذج؟

عندما ينشأ “النموذج العربي” من نصوص إنجليزية بالدرجة الأولى

يكشف التقرير التقني لنموذج جيس، أول نموذج لغوي إماراتي سيادي طورته شركة Inception بالشراكة مع جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي وشركة Cerebras، عن حجم المفارقة. فالنسخة الأولى من النموذج، بثلاثة عشر مليار متغير، دُرّبت على نحو 72 مليار رمز نصي عربي مقابل 279 مليار رمز إنجليزي وبرمجي، أي أن النصوص العربية لم تشكّل سوى خُمس مادة التدريب تقريباً. الباحثون أنفسهم يفسّرون هذا الاختيار بوضوح في ورقتهم العلمية: العائق الأول أمام أي نموذج عربي هو ضآلة حجم المدونات النصية المتاحة بالعربية مقارنة بالإنجليزية، ما اضطرهم إلى ترجمة نصوص إنجليزية آلياً لتعويض النقص. النسخة الأوسع من النموذج، بثلاثين مليار متغير، حسّنت النسبة قليلاً بفضل 126 مليار رمز عربي مقابل 251 مليار رمز إنجليزي، لكنها لم تقلب المعادلة.

الفارق بين 72 مليار رمز عربي و279 مليار رمز إنجليزي في تدريب أول نموذج سيادي حمل اسم أعلى قمة جبلية في الإمارات يلخّص المفارقة بأكملها: النموذج الذي أريد له أن يجسّد استقلالية رقمية عربية نشأ فعلياً من مدونة نصية أغلبها ليس عربياً. السعودية واجهت التحدي ذاته بمقاربة مختلفة مع نموذجها “علّام”، الذي طورته سدايا وأتاحته على منصة مايكروسوفت أزور في سبتمبر 2024 ثم على منصة Hugging Face في مارس 2025 بفئة سبعة مليارات متغير، مدرَّباً على 5.2 تريليون رمز ثنائي اللغة، وفق ما أعلنته وكالة الأنباء السعودية رسمياً. حجم البيانات ازداد، لكن التركيبة الثنائية اللغة بقيت هي القاعدة، لا الاستثناء.

الرياض وأبوظبي تحوّلان الحوسبة إلى سلاح استراتيجي

إذا كانت ندرة النصوص العربية عقبة بنيوية بطيئة التجاوز، فإن الحوسبة أصبحت الميدان الذي تُقاس فيه الجدية الفعلية للاستثمار. أطلقت السعودية شركة “هيومين” برئاسة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، مملوكة لصندوق الاستثمارات العامة الذي تدير أصولاً تقارب 940 مليار دولار، بهدف بناء منظومة متكاملة من مراكز البيانات ونمذجة اللغات. الشركة أبرمت صفقة بقيمة ملياري دولار مع كوالكوم لتصنيع الرقائق وتصميم مراكز بيانات في الرياض، وأعلنت في فبراير 2026 عن ضخ ثلاثة مليارات دولار إضافية في شركة xAI لإيلون ماسك، إلى جانب شراكة مع أمازون لنشر 150 ألف وحدة معالجة من طراز Nvidia ضمن منطقة ذكاء اصطناعي مخصصة في العاصمة السعودية. الطموح مقيس بالغيغاواط لا بالتصريحات: مركز بيانات بسعة 1.9 غيغاواط بحلول 2030، يتوسع إلى 6.6 غيغاواط بحلول 2034، وفق ما كشفه الرئيس التنفيذي لهيومين طارق أمين لصحيفة فايننشال تايمز.

في المقابل، لا تقف الإمارات متفرجة. توصلت أبوظبي إلى اتفاق مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لبناء “ستارغيت الإمارات”، مشروع مركز بيانات ضخم بقيمة 500 مليار دولار يُعد الأكبر خارج الولايات المتحدة، بمشاركة OpenAI وOracle وNvidia وCisco إلى جانب شركة G42 الإماراتية. مايكروسوفت من جهتها استثمرت 1.5 مليار دولار في G42 لتعزيز قدرات الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي في الدولة. هذا التنافس الخليجي على البنية التحتية ليس مجرد سباق تقني، فهو يترجم قناعة راسخة لدى صانعي القرار مفادها أن من لا يملك مراكز البيانات لا يملك فعلياً القدرة على تدريب نماذجه اللغوية بمعزل عن موافقة الشركات الأجنبية المزوِّدة للحوسبة.

ثلاثة نماذج، ثلاث مقاربات لسيادة اللغة

يتيح تجاور المبادرات الثلاث الكبرى في الخليج قراءة أولية لتباين الاستراتيجيات. جيس الإماراتي، الذي سُمّي تيمناً بأعلى جبل في الدولة، يراهن على فتح المصدر ونشر النموذج مجاناً على منصات مثل Hugging Face وAzure لتوسيع رقعة استخدامه بين الباحثين والمطورين حول العالم. علّام السعودي يسير في المسار ذاته من حيث الانفتاح، لكنه يرتبط عضوياً بمنظومة سدايا التي تُعرّف نفسها كجهة مرجعية وحيدة لتنظيم قطاع البيانات والذكاء الاصطناعي في المملكة، ما يمنحه بعداً مؤسسياً أوضح. أما فنار القطري، الذي طورته مؤسسة قطر عبر مركز قطر لبحوث الحوسبة، فيقدَّم بخطاب مختلف نوعاً ما: نموذج يُراد له أن يكون خط الدفاع الأول عن الخصوصية الثقافية العربية في مواجهة التحيز الخوارزمي للنماذج المصممة أصلاً بلغات ومرجعيات أجنبية، بحسب وصف الجزيرة نت للمشروع.

هذا التمايز يكشف أن “النموذج العربي” ليس مفهوماً واحداً موحداً، بل ثلاث محاولات منفصلة لحل المعضلة ذاتها بأدوات وأولويات مختلفة: بعضها يقيس النجاح بعدد التنزيلات على المنصات المفتوحة، وبعضها الآخر يقيسه بقدرة النموذج على حماية الخصوصية الثقافية من الانجراف نحو قيم خوارزمية غريبة عن المجتمع المحلي. غياب التنسيق بين هذه المبادرات الثلاث، رغم تشابه التحديات التي تواجهها، يطرح سؤالاً لم يُحسم بعد حول جدوى تكرار الاستثمار في بنية تحتية مماثلة بدل تجميع الموارد إقليمياً.

فراغ تشريعي يتسع بينما تتسارع الاستثمارات

بينما تتسابق العواصم الخليجية على الحوسبة والنماذج، يبقى الإطار القانوني الذي يحكم استخدام هذه التقنيات متفاوتاً بشدة من دولة إلى أخرى. الإمارات وضعت أساساً قانونياً واضحاً نسبياً منذ 2021 عبر المرسوم بقانون اتحادي رقم 44 بشأن حماية البيانات الشخصية، الذي أنشأ مكتباً اتحادياً مختصاً بالإشراف على هذا الملف، وفق ما تنشره البوابة الرسمية لحكومة الإمارات. السعودية بدورها أوكلت لسدايا صلاحيات تنظيمية واسعة، لكن منظمة “أمريكيون من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان في البحرين”، وهي منظمة حقوقية معارضة تصدر تقييمات نقدية منتظمة لسياسات دول الخليج، تقول إن الرياض تجنبت حتى الآن فرض قواعد تنظيمية ملزمة وشاملة خاصة بالذكاء الاصطناعي، مفضّلة الحفاظ على بيئة جاذبة للشركات والمستثمرين. هذا التقييم يعكس موقف جهة ذات خط تحرري نقدي محدد، لا موقفاً رسمياً سعودياً، وينبغي قراءته على هذا الأساس.

البحرين، من جانبها، لا تزال في طور إعداد تشريع شامل. أكدت لجنة الشؤون الخارجية والدفاع والأمن الوطني في مجلس الشورى البحريني، بحسب ما نقلته صحيفة الوطن، أن المملكة “بصدد إعداد مشروع قانون متكامل للذكاء الاصطناعي”، مستلهمة تجربة الاتحاد الأوروبي الذي أقر أول قانون شامل عالمياً لتنظيم القطاع. لم يصدر هذا القانون بعد حتى فبراير 2026، ما يعني أن الحديث عن إطار تشريعي خليجي موحد وناضج للذكاء الاصطناعي لا يزال سابقاً لأوانه. الفجوة بين سرعة ضخ المليارات في مراكز البيانات وبطء نضج الأطر القانونية التي تحكم استخدام هذه المراكز تشكّل بحد ذاتها أحد أكبر المخاطر التي تواجه مشروع السيادة الرقمية، إذ يمكن لبنية تحتية ضخمة أن تعمل لسنوات دون رقابة تشريعية كافية على كيفية معالجتها لبيانات المواطنين.

السيادة الرقمية معادلة كلفة لا شعار تسويقي

يتضح من مجمل هذه المعطيات أن السيادة الرقمية العربية في الذكاء الاصطناعي ليست خياراً واحداً يمكن إعلانه في مؤتمر صحفي، بل أربعة استثمارات متوازية يجب أن تتقدم معاً: مدونات نصية عربية موثوقة وكافية الحجم، وقدرة حوسبة مملوكة أو مضمونة الوصول إليها بعيداً عن التبعية الكاملة لموردين أجانب، وكفاءات بشرية قادرة على تطوير هذه النماذج وصيانتها محلياً بدل الاعتماد الدائم على خبرات مستوردة، وأخيراً منظومة تشريعية تحمي المستخدمين وتضبط استخدامات هذه التقنية قبل انتشارها لا بعده. التقصير في أي من هذه الأضلاع الأربعة يُبقي المشروع بأكمله معلقاً بين طموح معلن وواقع تقني لا يزال يعتمد جزئياً على البنية التحتية والنصوص واللغة التي صُممت بها النماذج الأجنبية أصلاً.

الخطوة المقبلة القابلة للقياس تكمن في السنة الفاصلة 2027، حيث تتوقع تقديرات “Research and Markets” استثمارات إقليمية تناهز 12 مليار دولار في مراكز بيانات جديدة بمنطقة الشرق الأوسط، وفق ما نقلته بوابة دليل الإخبارية السعودية. هذا الموعد سيكشف ما إذا كانت النماذج العربية الثلاثة الحالية ستنتقل من مرحلة الإطلاق التجريبي إلى مرحلة الاستخدام الفعلي الواسع، أم ستبقى رهينة الفجوة ذاتها بين حجم الاستثمار في الحديد والسيليكون وحجم الاستثمار في اللغة والنص والتشريع.


المصادر

  1. الجزيرة نت – “السيادة الرقمية العربية.. هل نحن مجرد مستهلكي بيانات؟”
    https://www.aljazeera.net/tech/2026/3/1/السيادة-الرقمية-العربية-هل-نحن-مجرد – تاريخ الاطلاع: 16 يوليو 2026
  2. Sengupta et al., “Jais and Jais-chat: Arabic-Centric Foundation and Instruction-Tuned Open Generative Large Language Models” – Inception / جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي / Cerebras
    https://arxiv.org/html/2308.16149 – تاريخ الاطلاع: 16 يوليو 2026
  3. وكالة الأنباء السعودية (واس) – “سدايا تُدرج نموذج علّام ALLaM 7B على منصة Hugging Face”
    https://www.spa.gov.sa/N2276331 – تاريخ الاطلاع: 16 يوليو 2026
  4. سي إن إن بالعربية – “السعودية تراهن لكي تصبح ثالث قوة عالمية في مجال الذكاء الاصطناعي”
    https://arabic.cnn.com/middle-east/article/2025/11/02/ksa-massive-bet-on-becoming-a-global-ai-powerhouse – تاريخ الاطلاع: 16 يوليو 2026
  5. بوابة دليل الإخبارية – “هيومان السعودية: طموحات الذكاء الاصطناعي واستثمار بقيمة 10 مليارات دولار”
    https://news.daleel.gov.sa/ar/industry/saudi-arabia-s-humain-ai-ambitions-and-10b-investment-unveiled – تاريخ الاطلاع: 16 يوليو 2026
  6. صحيفة الوطن البحرينية – “خبراء وقانونيون: البحرين مؤهلة لصياغة تشريع ينظم الذكاء الاصطناعي”
    https://alwatannews.net/files/article/4070124 – تاريخ الاطلاع: 16 يوليو 2026
  7. منظمة أمريكيون من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان في البحرين (ADHRB – منظمة حقوقية ذات خط نقدي معارض لسياسات دول الخليج) – “لائحة تنظيم الذكاء الاصطناعي في السعودية: الابتكار على حساب حقوق الإنسان”
    https://www.adhrb.org/ar/?p=9973 – تاريخ الاطلاع: 16 يوليو 2026

سارة خليل

شكرًا على قراءة المقال. اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية لتتلقى ملخصًا يوميًا لأحدث الأخبار.

سارة خليل
سارة خليلhttps://alahrar.net/
سارة خليل صحفية متخصصة في العلوم والتكنولوجيا والصحة العامة. تهتم بتبسيط القضايا العلمية المعقدة وشرح أثر الابتكار والذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية في حياة الأفراد والمجتمعات. تتابع كذلك موضوعات الأبحاث الطبية والصحة النفسية والأمن السيبراني، مع الحرص على الاستناد إلى المصادر الموثوقة وتقديم المعلومات بلغة واضحة ومفهومة لغير المتخصصين.
مقالات ذات صلة
spot_img

ملفات الأحرار

الأكثر شهرة