أشرف رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، الأحد 5 جويلية 2026، على تدشين المركز الوطني الجزائري للخدمات الرقمية بالمحمدية في الجزائر العاصمة، في احتفال تزامن مع الذكرى الـ64 لعيد الاستقلال. ويشكل هذا المركز، بحسب مصادر إعلامية جزائرية متعددة، أول بنية تحتية من نوعها في البلاد مخصصة لاستضافة البيانات الوطنية وضمان التشغيل المتواصل للخدمات العمومية الرقمية. وترافق التدشين مع الإطلاق الرسمي لبوابة “Dzair Digital Services” (dzds.dz)، وهي البوابة الرقمية الموحدة التي تجمع للمرة الأولى خدمات وزارات ومؤسسات متعددة ضمن واجهة إلكترونية واحدة، تحت إشراف المحافظة السامية للرقمنة.
البوابة الرقمية الموحدة: بنية بمركزَي بيانات متزامنين تُنهي تشتت المواقع
يرتكز المركز الوطني الجزائري للخدمات الرقمية، وفق ما أوردته مواقع النهار أونلاين والشروق أونلاين، على مركزين وطنيين للبيانات عاليي التوافرية يعملان بنمط التشغيل المتزامن، بما يضمن استمرارية الخدمة العمومية دون انقطاع في حال تعطل أحدهما. ويستضيف هذا المركز بيانات المواطنين ويؤمّن تشغيل البوابة، التي أعلنت وزيرة الرقمنة والإحصائيات مريم بن مولود أنها تضع حداً لتشتت المواقع الإلكترونية الحكومية. وأوضحت الوزيرة، بحسب تصريح للتلفزيون الجزائري نقلته سي إن إن الاقتصادية، أن المواطن بات بإمكانه الولوج إلى خدمات قطاعات الداخلية والعدل والتربية والتضامن عبر بوابة واحدة، بدل التنقل بين مواقع منفصلة لكل إدارة. غير أن عدد الخدمات المتاحة فعلياً في المرحلة الأولى يبقى غير محسوم بدقة، إذ تتراوح الأرقام المتداولة إعلامياً بين 40 و52 خدمة عمومية رقمية.
من مشاريع الرقمنة المتفرقة إلى محاولة توحيد الإدارة الإلكترونية
لم يكن غياب بوابة موحدة وليد الصدفة، فقد راكمت الجزائر منذ سنوات عدة منصات قطاعية منفصلة، من موقع الحالة المدنية إلى بوابة الضمان الاجتماعي مروراً بمنصات وزارة التعليم العالي، من دون رابط تقني يجمعها. وقد جعلت هذه الوضعية المواطن مطالباً بحفظ حسابات وكلمات مرور متعددة، والتنقل جسدياً كلما تعطلت إحدى المنصات أو استلزم الأمر وثيقة من إدارة أخرى. ويأتي مشروع المركز الوطني للخدمات الرقمية استكمالاً لمسار بدأته الجزائر منذ اعتماد بطاقة التعريف الوطنية البيومترية، التي باتت اليوم المفتاح الأساسي للولوج إلى الهوية الرقمية على البوابة. فبموجب رقم التعريف الوطني المكوّن من 18 خانة، إلى جانب مطابقة بيومترية، يمكن للمستخدم فتح حساب موحد يخوّله طلب مجموعة من الوثائق مباشرة عبر الإنترنت. وفي السياق ذاته، يتيح اعتماد هذه الهوية الرقمية الموحدة للإدارات التحقق الدقيق من هوية طالب الخدمة، وهو ما تصفه السلطات بأنه يرفع مستوى الثقة في المعاملة الإلكترونية.
المحافظة السامية للرقمنة تقود المشروع وسط تساؤلات عن الجهة المنفذة
يشرف على المشروع، بحسب مصادر إعلامية جزائرية متعددة، جهاز المحافظة السامية للرقمنة، الذي يتولى الإشراف المؤسسي على استراتيجية التحول الرقمي في البلاد. أما الجهة المنفذة تقنياً لبنية المركز، فقد أشار موقع إخباري روسي إلى أن المشروع أنجزه كونسورتيوم بقيادة المجموعة الصينية هواوي، غير أن مصادر جزائرية رسمية لم تؤكد هذا التفصيل حتى الآن، وهو ما يستدعي التعامل معه بحذر إلى حين صدور معطيات مؤسسية إضافية. وتضم قائمة المستفيدين من المرحلة الأولى للبوابة قطاعات الداخلية والعدل والتربية والتضامن، على أن تلحق بها تباعاً قطاعات التعليم العالي والصحة والفلاحة والمالية والتجارة. ومن بين الخدمات المتاحة فعلياً: استخراج شهادات الزواج والبطاقة العائلية، وصحيفة السوابق القضائية المعروفة بالقسيمة رقم 3، وشهادة الجنسية الجزائرية عن بعد، إضافة إلى شهادات الانتساب وعدم الانتساب لصندوقَي الضمان الاجتماعي CNAS وCASNOS، ومتابعة ملفات السكن العمومي لدى وكالة عدل AADL.
بين تكريس السيادة الرقمية ومخاوف الإقصاء الرقمي لجزء من المواطنين
تقدم السلطات الجزائرية استضافة بيانات المواطنين داخل مراكز بيانات وطنية بوصفها ركيزة لما تسميه “السيادة الرقمية”، أي إبقاء المعطيات الحساسة للسكان بعيداً عن خوادم أجنبية، وفق معايير أمن سيبراني معلنة على البوابة الرسمية. ويحمل هذا الخيار بعداً استراتيجياً واضحاً في سياق دولي تتزايد فيه المخاوف من تسريب البيانات الشخصية واستغلالها. غير أن الاعتماد شبه الكلي على البصمة البيومترية وربط الخدمات بحساب رقمي واحد يطرح أيضاً سؤالاً عن مدى تأمين هذه القاعدة المركزية من الاختراق، ذلك أن تجميع بيانات حساسة كالحالة المدنية والسوابق القضائية والانتساب الاجتماعي في نقطة واحدة يرفع، من الناحية التقنية، حجم الخسارة المحتملة في حال وقوع أي خرق أمني. وتكشف الأسئلة الشائعة المتداولة عن البوابة إشكالاً إضافياً يتعلق بالإقصاء الرقمي: بعض الوثائق، على غرار صحيفة السوابق القضائية أو شهادة الجنسية، لا يمكن طلبها إلكترونياً إلا إذا سبق للمواطن استخراجها حضورياً مرة واحدة على الأقل لدى المحكمة المختصة، وهو شرط قد يستثني فئات واسعة، خصوصاً كبار السن أو سكان المناطق النائية الأقل تمكناً من استخدام الهاتف الذكي والتحقق البيومتري. ما تكشفه هذه الشروط، في جوهرها، أن الرقمنة لا تُلغي الحضور المادي بالكامل، بل تعيد توزيعه على مرحلة واحدة أولى بدل تكراره في كل معاملة.
توسع تدريجي للخدمات في الأشهر المقبلة
تفيد المعطيات المتوفرة بأن بوابة Dzair Digital Services ستستقبل خدمات رقمية إضافية بصفة دورية، بما يشمل قطاعي المالية والتجارة وإنشاء الشركات، وهو ما قد يفتح المجال أمام إجراءات مرتبطة بالاستثمار عبر الإنترنت في مرحلة لاحقة، من دون أن تحدد السلطات حتى الآن جدولاً زمنياً دقيقاً لهذا التوسع. كما يفترض أن يواكب المركز الوطني للخدمات الرقمية، بمركزَي بياناته المتزامنين، أي ارتفاع في عدد المعاملات الإلكترونية اليومية مع تزايد إقبال المواطنين على الخدمة عن بعد بدل التنقل نحو الشبابيك الإدارية. وتندرج هذه الخطوة ضمن مؤشرات دولية تقيّم تطور الحكومة الإلكترونية، إذ تسعى الجزائر إلى تحسين ترتيبها في مؤشر EGDI الأممي عبر تسريع رقمنة الخدمات العمومية.
يبقى حجم الإقبال الفعلي على البوابة الموحدة، وسرعة معالجة الأعطال التقنية المحتملة عند بدء التشغيل الفعلي، المعيارَين اللذين سيحددان ما إذا كان المشروع قادراً على إنهاء زمن الوثائق الورقية والطوابير أمام الإدارات، أم أنه سيضاف إلى سلسلة المنصات الرقمية الجزائرية السابقة التي واجهت صعوبات في التعميم الكامل. تعتزم وزارة الرقمنة، بحسب تصريحات مسؤوليها، إدراج خدمات جديدة بصفة دورية خلال الأشهر المقبلة.
المصادر
- الشروق أونلاين — “الرئيس تبون يُدشن المركز الوطني للخدمات الرقمية”
https://www.echoroukonline.com — تاريخ الاطلاع: 16 جويلية 2026 - النهار أونلاين — “رئيس الجمهورية يدشن المركز الوطني الجزائري للخدمات الرقمية”
https://www.ennaharonline.com — تاريخ الاطلاع: 16 جويلية 2026 - سي إن إن الاقتصادية — “منصة dzds في الجزائر.. البوابة الموحدة للخدمات الرقمية الحكومية”
https://cnnbusinessarabic.com — تاريخ الاطلاع: 16 جويلية 2026 - أفريكا نيوز — “رئيس الجمهورية يشرف على تدشين المركز الوطني الجزائري للخدمات الرقمية”
https://africanews.dz — تاريخ الاطلاع: 16 جويلية 2026 - الجزائر Pravda (مصدر روسي، يُذكر مع تحفظ على معلومة الجهة المنفذة تقنياً) — “افتتح الرئيس الجزائري… المركز الوطني للخدمات الرقمية”
https://algeria.news-pravda.com — تاريخ الاطلاع: 16 جويلية 2026
سارة خليل



