لماذا هذا مهم: الكتاب يقدّم إطاراً تحليلياً متعدد التخصصات لفهم لماذا لم تُفضِ انتفاضات 2011 إلى أنظمة ديمقراطية مستقرة في معظم الدول العربية التي شهدتها. يمتد التحليل من تونس إلى سورية، مروراً بمصر وليبيا والمغرب والجزائر والأردن. يجمع العمل بين شهادات مباشرة من فاعلين في الحراك الثوري وتحليلات أكاديمية مقارنة، ويخصص حيزاً واضحاً للحالة الجزائرية التي تناولها الباحث ناصر جابي تحت عنوان “الخوف من التغيير السياسي”.
مؤتمر بيروت الذي بُني عليه الكتاب
نظّم المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات مؤتمراً بعنوان “خمس سنوات على الثورات العربية: عسر التحول الديمقراطي ومآلاته”. عُقد المؤتمر بالتعاون مع معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية في الجامعة الأمريكية في بيروت، خلال الفترة 21 إلى 23 يناير 2016. استقبلت اللجنة المنظمة أكثر من 250 مقترح بحث، أُنجز منها أكثر من 110 بحث خضعت للتحكيم قبل اعتماد 57 بحثاً للمشاركة في أعمال المؤتمر. تضمّن اليوم الأول عرضاً لاتجاهات الرأي العام العربي نحو الثورات، استناداً إلى نتائج استطلاع المؤشر العربي للفترة 2011-2015، إلى جانب حلقة نقاشية جمعت عدداً من الناشطين الشباب المشاركين في الحراك الثوري. الكتاب الصادر لاحقاً عن المركز يجمع مختارات من هذه الأبحاث في 880 صفحة موزعة على أربعة أقسام و26 فصلاً، تحت إشراف مجموعة من المحررين تضم جلبير الأشقر وعبد الفتاح مورو وعبد الوهاب الأفندي وريموند هينبوش وخليل العناني.
إسقاط النظام لا يعني إسقاط الدولة
يفتتح جلبير الأشقر الكتاب بمناقشة الشعار الذي رفعته الساحات العربية عام 2011، “الشعب يريد إسقاط النظام”. يميّز الباحث بين مفهومي الدولة والنظام، ويرى أن الثورات نجحت في إسقاط رأس النظام أو بعض بناه في عدد من الحالات، لكنها لم تمسّ البنية العميقة للدولة التسلطية. هذا التمييز يشكّل بحسب أطروحته أحد التفسيرات المركزية لعسر التحول الديمقراطي الذي تلا الانتفاضات. الفكرة نفسها تعود في فصول لاحقة من الكتاب عند تحليل حالات مصر وسورية وليبيا، حيث بقيت مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية فاعلة حتى بعد رحيل الرؤساء. الباحث عبد الوهاب الأفندي يقترب من الزاوية نفسها من منظور مختلف، إذ يستعير مفهوم “المناعة المرتدة” ليصف كيف حلّت الثقة بالنفس محل الخوف في ساحات الاحتجاج، من دون أن يعني ذلك بالضرورة تفكك بنية الدولة القائمة.
الجزائر: لماذا لم يتكرر سيناريو 2011؟
يخصص الباحث ناصر جابي فصلاً كاملاً لتفسير غياب انتفاضة شعبية واسعة في الجزائر عام 2011. يرد الباحث ذلك إلى عاملين رئيسيين: الخوف من تكرار العشرية الدموية التي عاشتها البلاد في التسعينيات، وضعف قدرة المعارضة على التأطير السياسي للاحتجاج الاجتماعي المتكرر. جابي معروف بأبحاثه السابقة حول الحركات الاحتجاجية الجزائرية. سبق أن طوّر أطروحة مشابهة في كتابه “لماذا تأخر الربيع الجزائري”، الصادر عام 2012 عن منشورات الشهاب، والذي يربط بدوره غياب الانتفاضة بضعف تنظيم الحركات الاحتجاجية وتوجس الطبقات الوسطى المتعلمة منها. يتقاطع هذا التحليل مع فصل آخر في الكتاب يقارن بين الأردن وتونس. يخلص الباحث دانييل براون فيه إلى أن آليات مؤسسية وثقافية خاصة بالملكيات مكّنت النظام الأردني من احتواء الاحتجاجات، على عكس الجمهوريات التي واجهت انتفاضات مباشرة.
الجيش وداعش: عاملان في إجهاض المسار
يتناول القسم الثالث من الكتاب دور المؤسسة العسكرية في مصر وسورية واليمن. يرى الباحث حسن الحاج علي أحمد أن الجيش سعى في هذه الحالات إلى حماية مصالح التحالف الذي هو جزء منه، لا إلى حماية المسار الانتقالي بحد ذاته. في فصل منفصل، يناقش أحمد دلّال ما يسميه “لاهوت داعش السياسي”، معتبراً أن التنظيم اغتصب مشروع الانتفاضات الثوري وشكّل قوة مضادة للثورة رغم خطابه المعادي للأنظمة القائمة. أما فصل خليل العناني فيقارن بين جماعة الإخوان المسلمين في مصر وحركة النهضة في تونس. يخلص الباحث إلى أن مآل الحركات الإسلامية بعد الانتفاضات ارتبط بسياقاتها المحلية وانقساماتها الداخلية، أكثر من ارتباطه بطبيعة المشروع الإسلامي نفسه. القسم نفسه يضم فصلاً للباحث مازيار غيابي حول هجرة سكان بعض دول الثورات إلى الدول المجاورة وأوروبا، وهي ظاهرة يصفها الكتاب بـ”دولة بلا شعب”.
الهوية والدستور: عاملان أقل بروزاً لكن حاسمان
يضم الكتاب أيضاً فصولاً حول سجال الهوية في مصر وتونس. يخلص الباحث حفيظ هروس إلى أن الاستقطاب حول الهوية الوطنية أعاق تحقيق وفاق سياسي في البلدين. وفي فصل يخص الحصيلة الدستورية للثورات العربية، يرى الباحث أنطونيو بوراس-غوميز أن التعديلات الدستورية التي أُقرّت في المغرب وتونس ومصر لم تترجم في معظم الحالات إلى تغيير بنيوي فعلي في موازين السلطة. القسم الرابع من الكتاب يضيف زاوية اجتماعية إضافية عبر فصل للباحثة ريهام خفاجي حول الهويات الفرعية في المجتمعات العربية وعلاقتها بأسس بناء الدولة الحديثة.
كتاب مرجعي لا يزال يُستشهد به
نُشر الكتاب عام 2016 ولا يزال يُعدّ من المراجع الأساسية في الأدبيات الأكاديمية العربية حول التحول الديمقراطي. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ومقره الدوحة، يواصل إصدار تقارير دورية ضمن سلسلته المخصصة لرصد محطات هذا الملف في المنطقة، بما يوسّع أثر العمل الجماعي الصادر عام 2016 إلى ما بعد سنة نشره. الأهمية المعاصرة للكتاب تكمن في كونه يجمع تفسيرات متعددة لعسر التحول لا تحصره في سبب واحد: استمرار بنية الدولة التسلطية، الاستقطاب حول الهوية، دور المؤسسة العسكرية، صعود داعش، والخوف من تكرار سيناريوهات عنف سابقة كما في الحالة الجزائرية. هذا التعدد في التفسيرات هو ما يميّز العمل عن قراءات أحادية السبب انتشرت في السنوات الأولى بعد 2011.
المصادر
- المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات – وصف الكتاب وفهرس فصوله ومحرريه، كما وردت في المادة المرجعية المزوَّدة للتحرير (لم يُعثر على صفحة رسمية مستقلة للكتاب عبر البحث المباشر)
تم الاطلاع عليه في 14 سبتمبر 2026 - أخبار الساعة – “مؤتمر في بيروت حول ‘عسر التحول الديمقراطي ومآلاته'”
https://al3omk.com/?p=135701
تم الاطلاع عليه في 14 سبتمبر 2026 - مجلة إنسانيات (مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية، وهران) – مراجعة كتاب ناصر جابي “لماذا تأخر الربيع الجزائري؟”، منشورات الشهاب، 2012
https://insaniyat.crasc.dz/en/article/nasr-jaby-lmadha-takhr-alrbya-aljzayry-mnshwrat-alshhab-aljzayr-2012-232-s
تم الاطلاع عليه في 14 سبتمبر 2026
أحمد ناصر – مجلة الاحرار



