دوّت الانفجارات في محيط العاصمة الروسية فجر الاثنين 20 تموز/يوليو 2026، بعدما أطلقت كييف واحدة من أوسع حملات المسيّرات التي استهدفت منطقة موسكو منذ بداية الحرب. وأعلن حاكم إقليم موسكو أندريه فوروبيوف أن الدفاعات الجوية الروسية أسقطت معظم المسيّرات على مسافات بعيدة عن العاصمة، فيما دُمّرت نحو 85 طائرة مسيّرة قرب موسكو، بحسب ما نقلته وكالة فرانس برس. وذكرت فرانس 24 أن الهجوم خلّف عشرة جرحى، من بينهم ثلاثة مواطنين صينيين، إضافة إلى أضرار طالت مساكن خاصة وبنى تحتية مدنية في مدن بودولسك ودوموديدوفو وأودينتسوفو جراء سقوط حطام المسيّرات.
مواجهة متبادلة: ضربة كييف تلي أعنف هجوم روسي على العاصمة الأوكرانية منذ سنوات
ولم يأت الهجوم الأوكراني على موسكو من فراغ، إذ سبقته بساعات قليلة واحدة من أعنف الضربات الروسية التي تعرضت لها كييف منذ بداية الحرب. فقد أطلقت موسكو فجر الأحد 41 صاروخا، من بينها 25 صاروخا باليستيا، إلى جانب 125 مسيّرة هجومية، استهدفت غالبيتها العاصمة الأوكرانية، بحسب ما أعلنه سلاح الجو الأوكراني ونقلته قناة الجزيرة ووكالة فرانس برس. ووصف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي هذه الضربة بأنها من أكبر الهجمات الصاروخية الباليستية التي تعرضت لها كييف منذ بداية الغزو الروسي، إذ خلّفت مقتل شخص وإصابة 17 آخرين، واندلاع حرائق في خمس مناطق من العاصمة طالت مبان سكنية ومستودعا لوجستيا كبيرا. وبررت وزارة الدفاع الروسية الضربة بأنها استهدفت مواقع مرتبطة بالجيش الأوكراني، بينها مصانع لإنتاج مسيّرات “فلامينغو” وقطع لصواريخ “نبتون” الموجهة.
أين أصابت المسيّرات؟ مستودعات نفط ومجمع لوجستي عملاق قرب دوموديدوفو
وبحسب مصادر محلية روسية نقلتها فرانس 24، اندلع حريق في موقع “يوجنيي فوروتا” الصناعي، أحد أكبر المجمعات اللوجستية في روسيا بمساحة تناهز 600 ألف متر مربع، على بعد 30 كيلومترا جنوب موسكو قرب مدينة دوموديدوفو التي يضم إقليمها أحد مطارات العاصمة الدولية. كما استهدفت المسيّرات مركزا لوجستيا تابعا لمنصة “وايلدبيريز” الروسية للتجارة الإلكترونية في بودولسك، إلى جانب مستودع للنفط. وفتحت لجنة التحقيق الروسية تحقيقا رسميا في الهجوم بتهمة “العمل الإرهابي”، في مؤشر على الطابع غير المسبوق الذي اتخذته الضربة من حيث الحجم والعمق.
لماذا موسكو؟ حملة أوكرانية متصاعدة ضد مصافي النفط الروسية
ولا يقتصر استهداف منطقة موسكو على بعد رمزي، بل يندرج ضمن حملة أوكرانية متصاعدة توسعت خلال الأسابيع الأخيرة لتشمل مصاف نفطية روسية بعيدة عن خط الجبهة، من أومسك في سيبيريا على بعد نحو 2700 كيلومتر من الأراضي الأوكرانية، إلى مصفاتي تانيكو وتايف إن كي في تتارستان ومصفاة ساراتوف. ويهدف هذا التوسع، بحسب متابعين للملف، إلى نقل كلفة الحرب إلى الداخل الروسي عبر ضرب قدرة موسكو على تصدير النفط وتزويد جيشها بالوقود، بعدما تسببت الضربات المتكررة في نقص فعلي بالمحروقات في عدد من الأقاليم الروسية، وفق ما أفادت به تقارير غربية متطابقة.
“رد منفصل” روسي مرتقب وسط تحذير الكرملين من “إطالة أمد” الحرب
لم تُعلن موسكو حتى الآن عن رد عسكري مباشر إضافي على هجوم الاثنين، وإن كانت مصادر روسية مقربة من وزارة الخارجية الروسية، نقلتها منصات موالية للكرملين، قد لوّحت بأن كييف “ستتلقى ردا منفصلا” على محاولة استهداف العاصمة، من دون تقديم تفاصيل إضافية، وهي معلومة تستوجب التحفظ لغياب مصدر مستقل يؤكدها. وتندرج هذه التصريحات ضمن موقف روسي رسمي أعلنه المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف مطلع تموز/يوليو الجاري، حين اعتبر أن كل تصعيد أوكراني ضد البنى التحتية الروسية “لن يؤدي إلا إلى إطالة أمد” الحرب، محذرا من أن موسكو ستوسّع ما وصفه بـ”المنطقة الأمنية” على طول خط الجبهة كلما تكررت الضربات، بحسب ما نقلته الإذاعة الكندية.
من ترامب إلى بروكسل: مواقف متباينة إزاء تصعيد الضربات
في المقابل، تبنى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب موقفا أقل تحفظا إزاء الضربات الأوكرانية العميقة داخل الأراضي الروسية. فبعد سلسلة من الهجمات الأوكرانية على مصاف نفطية روسية مطلع الشهر، وصف ترامب هذا التصعيد بأنه “تصعيد قد يساعد في إنهاء” الحرب، على هامش قمة حلف الناتو التي استضافتها أنقرة في 7 و8 تموز/يوليو، بحسب ما أوردته صحيفة لا برس الكندية. وأيّد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو هذا التوجه، معتبرا أن الدفاعات الجوية الروسية تواجه صعوبة متزايدة في حماية أجوائها. والتقى ترامب بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على هامش القمة ذاتها، بعد اتصال هاتفي سابق أجراه مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين عرض خلاله مساعدته لإنهاء الحرب.
أما الأوروبيون فواصلوا خلال الأسابيع الأخيرة تعزيز دعمهم العسكري لكييف. فقد استضافت باريس في 13 تموز/يوليو قمة لـ”تحالف الراغبين” ضمت 25 من قادة الدول، أعلن خلالها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بدء تدريب قوة أوروبية متعددة الجنسيات في دول مجاورة لأوكرانيا تمهيدا لنشرها بعد أي وقف لإطلاق النار، إلى جانب تشديد الرقابة الأوروبية على “الأسطول الشبح” من ناقلات النفط التي تستخدمها روسيا للالتفاف على العقوبات. ووفق بيانات المجلس الأوروبي، بلغ إجمالي الدعم الذي قدمه الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء لأوكرانيا منذ بداية الحرب 216.2 مليار يورو، بينها 77 مليار يورو مساعدات عسكرية، فيما يواصل الاتحاد المطالبة بوقف كامل وفوري وغير مشروط لإطلاق النار.
وعلى الصعيد الاقتصادي، انعكس تصاعد الهجمات على أسعار النفط العالمية، إذ تجاوز سعر برميل خام برنت عتبة 90 دولارا في تعاملات آسيا صباح الاثنين، في استمرار لمنحى تصاعدي ارتبط بمخاوف من تعطل الإمدادات الروسية. وتمثل هذه الوضعية، رغم بعدها الجغرافي عن الجزائر، عاملا يراقبه صناع القرار في الجزائر عن كثب بوصفها دولة مصدرة للمحروقات، إذ إن أي ارتفاع مستدام في أسعار الخام ينعكس مباشرة على عائدات صادراتها من النفط والغاز.
ما الذي يمكن ترقبه في الأسابيع المقبلة؟
تبقى الأسئلة مفتوحة حول الشكل الذي سيتخذه الرد الروسي المعلن، في وقت تتزايد فيه الضربات الأوكرانية ضد البنية التحتية النفطية الروسية أسبوعا بعد آخر. وتشير المعطيات المتاحة إلى أن موسكو واصلت، خلال الساعات ذاتها التي استهدفت فيها كييف منطقتها، قصف منشآت لوجستية ونفطية وموانئ في إقليم أوديسا الأوكراني، في نمط الضربات المتبادلة الذي بات يميز هذه المرحلة من الحرب. وبينما يواصل الأوروبيون تصعيد عقوباتهم ودعمهم العسكري، ويحافظ الأمريكيون على موقف أقرب إلى تشجيع الضغط العسكري كأداة لدفع موسكو نحو التفاوض، لا تزال آفاق أي وقف لإطلاق النار غامضة، في ظل غياب أي جدول زمني معلن للمفاوضات.
وفي انتظار أي تطورات ميدانية أو دبلوماسية جديدة، يظل هجوم الاثنين على منطقة موسكو أحد أبرز المؤشرات على اتساع رقعة الحرب لتشمل عمق الأراضي الروسية، في مرحلة تتشابك فيها حسابات الميدان مع حسابات الطاقة والدبلوماسية الدولية على حد سواء.
المصادر
- France 24 – “Attaque massive de drones ukrainiens sur la région de Moscou : des sites stratégiques visés”
https://www.france24.com/fr/europe/20260720-attaque-massive-de-drones-sur-la-région-de-moscou-des-sites-stratégiques-visés – اطلع عليه في 20 تموز/يوليو 2026 - Al Jazeera – “Russia launches largest ballistic missile attack on Kyiv since start of war”
https://www.aljazeera.com/news/2026/7/19/russia-launches-largest-ballistic-missile-attack-on-kyiv-since-start-of-war – اطلع عليه في 20 تموز/يوليو 2026 - La Presse – “Les frappes contre la Russie vont « prolonger » la guerre, selon Moscou”
https://www.lapresse.ca/international/europe/2026-07-09/guerre-en-ukraine/les-frappes-contre-la-russie-vont-prolonger-la-guerre-selon-moscou.php – اطلع عليه في 20 تموز/يوليو 2026 - La Presse – “Les Européens bonifient leur aide à Kyiv et mettent la pression sur Moscou”
https://www.lapresse.ca/international/europe/2026-07-13/guerre-en-ukraine/les-europeens-bonifient-leur-aide-a-kyiv-et-mettent-la-pression-sur-moscou.php – اطلع عليه في 20 تموز/يوليو 2026 - المجلس الأوروبي (Consilium) – “Guerre menée par la Russie contre l’Ukraine”
https://www.consilium.europa.eu/fr/topics/russia-s-war-against-ukraine/ – اطلع عليه في 20 تموز/يوليو 2026 - منصات إعلامية روسية موالية للكرملين (مصدر من المستوى الثالث، يستوجب التحفظ) – تصريح مبعوث الخارجية الروسية حول “رد منفصل”
https://francais.news-pravda.com/world/2026/07/20/913068.html – اطلع عليه في 20 تموز/يوليو 2026
أحمد ناصر



