أعلنت وزارة الكهرباء والماء الكويتية مساء الجمعة 17 يوليو 2026 تعرض محطة للكهرباء والتحلية لضربة إيرانية تسببت في اندلاع حريق وإخراج عدد من وحدات التوليد من الخدمة على سبيل الاحتراس. وفي اليوم التالي، أفادت الوزارة نفسها باستهداف منشأة ثانية للتحلية، في ثاني ضربة تطال بنية مائية كويتية خلال يومين فقط. وبحسب وكالة أسوشيتد برس، فإن نحو تسعين في المئة من مياه الشرب في الكويت مصدرها التحلية، وهو ما يجعل أي عطل في هذه المحطات مسألة حياة يومية لا مجرد خسارة مادية معزولة. في المقابل، اتهمت سلطات محافظة هرمزغان الجنوبية الولايات المتحدة باستهداف محطة تحلية في قرية بنجي، مؤكدة أن الضربة دمرت محطة ضخ مياه البحر ومحولا كهربائيا بشكل كامل.
كويت تفقد جزءا من طاقتها المائية خلال يومين متتاليين
جاءت الضربتان الإيرانيتان على الكويت في سياق تصعيد أوسع، بعدما أعلن الجيش الأميركي شن موجة سابعة متتالية من الغارات على إيران، طالت مواقع مراقبة وبنية لوجستية عسكرية ومخازن أسلحة تحت الأرض، وفق ما ذكرته القيادة المركزية الأميركية. وردت طهران بضربات صاروخية طالت أهدافا في الكويت والأردن والبحرين، في إطار ما وصفته بعملية “نصر 2”. وأوضحت السلطات الكويتية أن الحريق الناجم عن الضربة الأولى تم احتواؤه، وأن فرق الطوارئ فعّلت خططا احترازية للحفاظ على استمرارية الإمداد. غير أن الضربة الثانية، التي طالت منشأة مختلفة، أظهرت أن الاستهداف لم يكن حادثا معزولا بقدر ما بات نمطا متكررا في هذه الجولة من المواجهة.
يضاف إلى ذلك أن الغارات الأميركية على إيران خلفت أضرارا مماثلة على الضفة المقابلة من الخليج. فقد أكد الرئيس التنفيذي لشركة مياه وصرف هرمزغان أن الضربة على محطة بنجي دمرت محطة ضخ المياه ومحولا كهربائيا يغذيان عشرين قرية يقطنها نحو عشرة آلاف نسمة، فيما نقلت وكالة تسنيم شبه الرسمية عن نائب برلماني عن منطقة جاسك رقما مختلفا يصل إلى ثلاثين قرية متضررة. ولم تعلّق واشنطن حتى الآن بشكل مباشر على استهداف محطة بنجي بعينها، وإن كانت قد أقرت باستمرار حملتها الجوية على بنية الطاقة الإيرانية.
خليج يعيش على تحلية مياه البحر بأكثر من تسعين بالمئة
ما يفسر حجم القلق من هذه الضربات هو الاعتماد شبه الكامل لدول الخليج على التحلية لتأمين مياه الشرب. فبحسب بيانات نقلتها وكالة الأناضول عن المركز الإحصائي لمجلس التعاون الخليجي، ينتج أكثر من 400 محطة تحلية موزعة على سواحل الخليج نحو 7.2 مليار متر مكعب من المياه العذبة سنويا، وهي كمية تعتمد عليها نحو مئة مليون شخص بشكل مباشر أو غير مباشر. وتصل نسبة الاعتماد على التحلية في الكويت وعُمان إلى نحو تسعين وستة وثمانين بالمئة على التوالي، بينما تبلغ نحو سبعين بالمئة في السعودية، وفق أرقام أوردتها وكالة أسوشيتد برس.
هذا الاعتماد ليس خيارا تقنيا بقدر ما هو ضرورة جغرافية. فمنطقة الخليج تفتقر إلى الأنهار الدائمة، ومخزونها الجوفي يتناقص منذ عقود بفعل الاستغلال المفرط وضعف التساقطات، ما يجعل تحويل مياه البحر إلى ماء صالح للشرب المصدر الوحيد الفعلي القادر على تغذية مدن صحراوية كبرى مثل الرياض وأبوظبي والكويت العاصمة. ومما يزيد الأمر تعقيدا أن كثيرا من محطات التحلية الخليجية مدمجة تقنيا بمحطات إنتاج الكهرباء ضمن منشآت مشتركة، بحيث إن أي ضربة تطال شبكة الطاقة تنعكس مباشرة على إنتاج الماء، حتى لو لم تكن محطة التحلية نفسها هدفا مباشرا للهجوم.
سابقة جزيرة قشم وتصدع خط أحمر قديم
لم تكن ضربتا الكويت الأخيرتان أول استهداف لمنشأة تحلية منذ اندلاع الحرب بين واشنطن وطهران في فبراير الماضي. ففي السابع من مارس 2026، اتهمت إيران الولايات المتحدة بضرب محطة تحلية في جزيرة قشم داخل مضيق هرمز، ما قطع الماء عن نحو ثلاثين قرية، بينما نفت كل من واشنطن وتل أبيب مسؤوليتهما عن تلك الضربة. وفي الأيام التالية، سجلت أضرار في منشآت مائية ببريطانيا الخليجية والبحرين، في مؤشر مبكر على أن البنية المائية باتت ضمن دائرة الاستهداف الفعلي وليس مجرد ضرر جانبي عرضي.
ولا تُقاس خطورة هذه الضربات المتلاحقة بعدد المنشآت المتضررة وحده، بل بما تكشفه من تصدّع تدريجي لتابو ضمني طالما حمى محطات التحلية من الاستهداف المباشر منذ تدمير البنية المائية الكويتية إبان حرب الخليج الثانية عام 1991. فقد اعتبر محللون في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية “سي إس آي إس” أن استمرار الضربات على منشآت الماء يشكل نقلة نوعية في قواعد الاشتباك، مقارنين إياها بضرب المفاعلات النووية من حيث الخطورة الإنسانية بعيدة المدى. وحذر زين سوانسون، نائب مدير برنامج الأمن الغذائي والمائي العالمي في المركز نفسه، من أن فقدان محطة تحلية كبرى يمكن أن يتحول بسرعة إلى تهديد وجودي للمدينة التي تغذيها.
احتياطيات لا تتجاوز أياما معدودة في غالب دول الخليج
في مواجهة هذا الخطر، لا تملك معظم دول الخليج شبكات طوارئ قادرة على تعويض انقطاع طويل. فبحسب مركز الدراسات العربي في واشنطن، لا تتجاوز احتياطيات المياه الطارئة في البحرين أربعة أيام في حال توقف محطات التحلية بالكامل، بينما تغطي احتياطيات قطر المعلنة رسميا ما بين سبعة وعشرة أيام من الاستهلاك البلدي وفق بعض التقديرات، رغم أن مصادر رسمية قطرية أعلنت في مارس الماضي احتياطيا يغطي أربعة أشهر. أما أبوظبي فتعمل على تخزين مياه محلاة في خزان جوفي استراتيجي يمكن أن يغطي احتياجات الدولة لمدة تصل إلى تسعين يوما، في حين تشير دراسة لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى أن مبادرة الإمارات لعام 2036 للأمن المائي توفر مخزونا لا يتجاوز يومين في الظروف العادية، وقد يمتد إلى ما بين ستة عشر وخمسة وأربعين يوما في حالة الترشيد القصوى.
هذا التفاوت في الاحتياطيات يجعل دول الخليج الصغيرة، مثل البحرين والكويت وقطر، أكثر عرضة لأزمة مائية سريعة مقارنة بالسعودية والإمارات اللتين استثمرتا في خزانات وشبكات أنابيب مترابطة. وفي حال تعطل محطة كبرى فعليا، تصبح الخيارات البديلة محدودة للغاية: شاحنات نقل المياه والمخزون المحلي لا توفر سوى تخفيف مؤقت لأيام معدودة، بينما يتطلب أي نقل واسع لمياه من مصادر داخلية بنية تحتية جديدة مكلفة وبطيئة الإنجاز. وتشير تقديرات نقلها مركز الدراسات العربي إلى أن تعطل شبكة التحلية بشكل واسع يمكن أن يحرم ما يصل إلى 73 مليون شخص من الوصول إلى الماء في المنطقة.
ما الذي قد يحدث في الأيام المقبلة
تسبب انهيار الهدنة المؤقتة المعروفة بمذكرة إسلام آباد، بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب إنهاء العمل بها، في دخول الحرب مرحلة أكثر مباشرة تستهدف بنية الطاقة والماء على الجانبين. وتفيد الجزيرة بأن إيران أعلنت مقتل نحو خمسين شخصا وإصابة أكثر من خمسمئة آخرين جراء الضربات الأميركية هذا الشهر، بينما يصف مفاوض إيراني مذكرة التفاهم بأنها “معلقة فعليا” في ظل ما تصفه طهران بخروقات أميركية متكررة. وفي المقابل، لم تصدر واشنطن حتى الآن موقفا رسميا يفصّل نيتها استهداف بنية مائية إيرانية بشكل مقصود، مكتفية بالإشارة إلى استمرار حملتها ضد أهداف عسكرية ولوجستية.
يبقى السؤال المركزي متعلقا بما إذا كانت الضربات على محطات التحلية ستتحول من أضرار مصاحبة لعمليات أوسع إلى استراتيجية ممنهجة من أي من الطرفين. فالقانون الدولي الإنساني يحظر استهداف البنية الضرورية لبقاء المدنيين، ومنها شبكات المياه، لكن خبراء يحذرون من أن هذا المعيار بدأ يتآكل في نزاعات متعددة من أوكرانيا إلى غزة. وستحدد الأيام المقبلة ما إذا كانت دول الخليج قادرة على احتواء الأضرار عبر شبكاتها الاحتياطية المحدودة، أو ما إذا كان استمرار الحرب سيدفع الأزمة المائية إلى واجهة المشهد الإنساني في المنطقة.
المصادر
- Associated Press (عبر KSAT) — “Iranian strike damages a Kuwait desalination plant, exposing water vulnerability in dry Mideast”
https://www.ksat.com/news/world/2026/07/17/iranian-strike-damages-a-kuwait-desalination-plant-exposing-water-vulnerability-in-dry-mideast/ – تاريخ الاطلاع: 20 يوليو 2026 - Al Jazeera — “Iran suggests MoU ‘suspended’ as 50 killed in US strikes in July”
https://www.aljazeera.com/news/2026/7/18/iran-accuses-us-of-striking-critical-infrastructure-as-war-intensifies – تاريخ الاطلاع: 20 يوليو 2026 - PBS News — “As U.S. strikes bridges in Iran, it targets a water desalination plant in Kuwait”
https://www.pbs.org/newshour/world/as-u-s-strikes-bridges-in-iran-it-targets-a-water-desalination-plant-in-kuwait – تاريخ الاطلاع: 20 يوليو 2026 - CSIS (Center for Strategic and International Studies) — “Could Iran Disrupt the Gulf Countries’ Desalinated Water Supplies?”
https://www.csis.org/analysis/could-iran-disrupt-gulf-countries-desalinated-water-supplies – تاريخ الاطلاع: 20 يوليو 2026 - Anadolu Agency — “Desalination dependence exposes Gulf to severe wartime risks”
https://www.aa.com.tr/en/middle-east/desalination-dependence-exposes-gulf-to-severe-wartime-risks/3888237 – تاريخ الاطلاع: 20 يوليو 2026 - Arab Center Washington DC — “War on Iran: The Dangers of Attacking Water Desalination Plants in the Gulf”
https://arabcenterdc.org/resource/war-on-iran-the-dangers-of-attacking-water-desalination-plants-in-the-gulf/ – تاريخ الاطلاع: 20 يوليو 2026
أحمد ناصر



