**أغلقت إيران مضيق هرمز من جديد يوم الأحد 12 تموز/يوليو 2026 بعد تجدد المواجهة العسكرية مع واشنطن، في وقت تعزز فيه الجزائر موقعها كمورّد غاز موثوق نحو أوروبا وتوسّع نشاطها الدبلوماسي في الساحل الأفريقي. هذا التقاطع بين اهتزاز الممرات الخليجية وثبات الجزائر التصديري يمنح الجزائر هامش مناورة دولياً لم تعرفه منذ سنوات، بين ضفتي المتوسط وعمق القارة الأفريقية.
أعلنت وكالة الأنباء القضائية الإيرانية “ميزان أونلاين” مساء الأحد أن المرور عبر مضيق هرمز “غير ممكن حالياً”، بعد إطلاق الحرس الثوري النار على سفينة اعتبرها تسلك “مساراً غير مصرح به”. ورد القيادة المركزية الأمريكية بالقول إن الممر “مفتوح أمام جميع السفن الراغبة في استخدامه بصورة قانونية”، وفق ما نقلته وسائل إعلام غربية. يأتي هذا التصعيد بعد أقل من أسبوع على توقيع بروتوكول اتفاق بين واشنطن وطهران في 17 حزيران/يونيو، منح الطرفين ستين يوماً لإيجاد مخرج نهائي لحرب اندلعت أواخر شباط/فبراير. وبين هذا الإغلاق وذاك، ظل مصير خُمس صادرات النفط والغاز العالمية معلقاً بقرار طهران اليومي.
مضيق هرمز يُغلق من جديد وأوروبا تبحث عن بديل مضمون
منذ اندلاع الحرب في الشرق الأوسط، سجّل قطاع الطاقة الأوروبي توتراً متكرراً كلما تجدد إغلاق المضيق. وبحسب تقرير أصدره البنك الدولي في 25 حزيران/يونيو، تراجع سعر الغاز الأوروبي بنسبة 17.6 بالمئة خلال شهر واحد، ليصل إلى 14 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية بريطانية بحلول 22 حزيران، وذلك عقب هدوء نسبي في المواجهة. غير أن هذا التراجع لم يُلغِ العلاوة السعرية التي راكمها الغاز الجزائري منذ الإغلاق الأول للمضيق، بل خفّضها فحسب. فمنذ اضطراب الإمدادات الخليجية، صار المشترون الأوروبيون يتصيدون الموردين البعيدين عن عنق الزجاجة الإيراني، وكان الغاز الجزائري – المنقول عبر أنبوب “ترانسميد” إلى إيطاليا وأنبوب “ميدغاز” إلى إسبانيا – يستوفي كل الشروط.
هذا ما يفسر لماذا لم تعد الجزائر مجرد مورّد إضافي على هامش السوق الأوروبية، بل باتت المرجع الذي تعود إليه القارة كلما اهتزت الطرق التقليدية للإمداد. وقد سلّمت سوناطراك قرابة 30 مليار متر مكعب من الغاز إلى الاتحاد الأوروبي خلال عام 2025، محتلة المرتبة الثانية بين موردي الغاز عبر الأنابيب، بما يعادل 19.4 بالمئة من واردات القارة في الربع الأول من العام، وفق بيانات منتدى الدول المصدرة للغاز.
من ألمانيا إلى هولندا: سوناطراك تُعيد رسم خريطة زبائنها
نفّذت سوناطراك في الثاني من تموز/يوليو 2026 أول شحنة غاز طبيعي مسال باتجاه ألمانيا، في عملية جرى تحميلها من مجمّع التسييل “جي إل تو زد” ببثيوة بولاية وهران، ونقلها ناقلة الغاز “تسالة” حتى محطة إعادة التغييز العائمة “فيلهلمسهافن 1” على الساحل الشمالي الألماني. وذكرت الشركة في بيان أن العملية تندرج ضمن استراتيجية تنويع الصادرات، مؤكدة نيتها ترسيخ حضورها الدائم في السوق الألمانية وليس الاكتفاء بشحنة عابرة.
في الموازاة، استعادت الجزائر في أيار/مايو 2026 صدارة موردي الغاز الطبيعي إلى إسبانيا بحصة بلغت 42.6 بالمئة من واردات مدريد، بعدما ارتفعت الكميات المنقولة عبر أنبوب “ميدغاز” وحدها بنسبة تقارب 64 بالمئة خلال عام واحد. كما عاد الغاز الجزائري إلى هولندا بعد غياب دام سنتين، بشحنة قدرها 68 ألف طن. وتظل إيطاليا الزبون الأول لسوناطراك في أوروبا، إذ زوّدتها الجزائر بأكثر من 20 مليار متر مكعب عام 2025، أي نحو ثلث استهلاكها السنوي، فيما وقّعت الشركتان في نيسان/أبريل 2026 اتفاقين مع “إيني” الإيطالية لمدة عشر سنوات، مجدِّدتين بذلك عقداً يعود إلى 1977. وفي المقابل، تسعى تركيا إلى تجديد اتفاقها مع “بوطاش” التركية قبل نهاية 2026، ورفع الكمية من 4.4 إلى أكثر من ستة مليارات متر مكعب سنوياً، قبل انتهاء العقد الحالي في أيلول/سبتمبر 2027.
صحراء الجزائر ونيجيريا: الأنبوب العابر للصحراء يفتح جبهة أفريقية
لا تقتصر الورقة الجزائرية على أوروبا. ففي الرابع من حزيران/يونيو 2026، أطلقت الجزائر رسمياً بمنطقة أولف بولاية أدرار الشطر الجزائري من مشروع الأنبوب العابر للصحراء، بحضور وزير الطاقة الجزائري محمد عرقاب ونظيريه النيجيري والنيجري. يهدف المشروع، الذي تشارك فيه سوناطراك ومؤسسة النفط الوطنية النيجيرية وشركة “سونيديب” النيجرية، إلى نقل الغاز النيجيري عبر النيجر وصولاً إلى مركز حاسي الرمل الجزائري، تمهيداً لتصديره نحو الأسواق الأوروبية بطاقة تصل إلى 30 مليار متر مكعب سنوياً. يمنح هذا المسار الجزائر دوراً يتجاوز الإنتاج الوطني، ليجعلها محطة عبور وتكامل طاقي على المستوى الأفريقي، وإن كان المسار يجتاز مناطق صحراوية وساحلية تكتنفها تحديات أمنية ولوجستية معقدة.
من باماكو إلى باريس: الجزائر تُعيد بناء نفوذها الساحلي
في الحادي عشر من تموز/يوليو 2026، أعلنت الجزائر ومالي استعادة العلاقات الدبلوماسية الكاملة، بإعادة فتح المجالين الجويين وعودة السفيرين إلى العاصمتين، منهيتين بذلك خمسة عشر شهراً من التوتر أعقبت إسقاط الجيش الجزائري مسيّرة مالية قرب الحدود في نيسان/أبريل 2025. يأتي هذا التقارب في وقت يشهد فيه شمال مالي تصاعداً في هجمات “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” المرتبطة بتنظيم القاعدة، وفق ما نقلته صحف جزائرية عن مصادر أمنية. وسبق هذا التطور تحسّن ملموس في علاقات الجزائر بالنيجر وبوركينا فاسو، شمل مباحثات حول تطوير حقل كافرا النفطي المشترك مع النيجر، إلى جانب دعم مسار الأنبوب العابر للصحراء.
هذا النشاط الدبلوماسي في الساحل لم يبقَ حكراً على الجوار الأفريقي، إذ استقبلت الجزائر في شباط/فبراير 2026 وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز في زيارة أعادت تفعيل آليات التنسيق الأمني والاستخباراتي بين البلدين بعد أشهر من الجمود. وتؤكد هذه الزيارة معطى بات محل توافق واسع لدى الباحثين الأوروبيين في الشأن الساحلي: لا يمكن بناء أي هندسة أمنية موثوقة بين الساحل وأوروبا من دون إشراك الجزائر، بحكم خبرتها في مكافحة الإرهاب ومراقبة الحدود الصحراوية. وتعزز الجزائر هذا الحضور مؤسسياً عبر مقعدها في مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي للفترة 2025-2028، إضافة إلى فوز الدبلوماسية سلمى مليكة حدادي بمنصب نائبة رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي في شباط/فبراير 2025.
عنق الزجاجة الداخلي: هل تكفي الجزائر لتلبية الطلب المتزايد؟
يصطدم هذا الزخم الدبلوماسي والتصديري بمعطى داخلي أكثر تعقيداً. فقد تراجع إنتاج الغاز الجزائري للسنة الثالثة على التوالي في 2025، إلى 101.84 مليار متر مكعب مقابل 104.5 مليار في العام السابق، مع تقدّم حقلي حاسي الرمل وحاسي مسعود في العمر. في المقابل، يتجاوز الاستهلاك الداخلي 45 مليار متر مكعب ويواصل الارتفاع، مدفوعاً بالطلب المنزلي والصناعي وحاجات إنتاج الكهرباء، ما يلتهم حصة متنامية من الكميات التي كان يمكن توجيهها للتصدير. ورغم أن الطاقة النظرية لأنابيب التصدير نحو أوروبا تبلغ نحو 43 مليار متر مكعب، فإنها تبقى غير مستغلة بالكامل لعدم توفر كميات كافية لضخها.
لمواجهة هذه الفجوة، أعلنت سوناطراك أواخر شباط/فبراير 2026 خطة استثمارية بقيمة 60 مليار دولار للفترة 2025-2029، يُخصَّص ثمانون بالمئة منها للاستكشاف واستخراج حقول جديدة، بهدف مضاعفة الإنتاج إلى 200 مليار متر مكعب سنوياً خلال خمس سنوات، مقارنة بـ137 مليار متر مكعب في 2023. يبقى السؤال المطروح على أروقة الجزائر العاصمة هو ذاته الذي يطرحه المحللون الاقتصاديون: هل تملك الجزائر الوقت الكافي لتحويل هذا الطموح الإنتاجي إلى واقع ملموس قبل أن تتبدد فرصة السوق التي فتحتها أزمة هرمز؟
تظل الأشهر المقبلة حاسمة على هذا المسار، إذ يُنتظر أن تحسم أنقرة وسوناطراك مفاوضات تجديد عقد الغاز مع “بوطاش” التركية قبل نهاية 2026، بينما تتابع الجزائر تقدّم الأشغال في الشطر الجزائري من الأنبوب العابر للصحراء الذي انطلق في حزيران/يونيو الماضي.
المصادر
- ObservAlgérie – “Gaz algérien : un nouveau levier de négociation pour Sonatrach avec l’Europe”، 13 تموز/يوليو 2026
https://observalgerie.com/2026/07/13/economie/gaz-algerien-un-nouveau-levier-de-negociation-pour-sonatrach-avec-leurope – تم الاطلاع في 14 تموز/يوليو 2026 - Maghreb Émergent – “Gaz algérien : la demande européenne tient, mais l’Algérie produira-t-elle assez ?”، تموز/يوليو 2026
https://maghrebemergent.news/fr/gaz-algerien-la-demande-europeenne-tient-mais-lalgerie-produira-t-elle-assez/ – تم الاطلاع في 14 تموز/يوليو 2026 - ObservAlgérie – “سوناطراك تسلم أول شحنة من الغاز الطبيعي المسال إلى ألمانيا”، 8 تموز/يوليو 2026
https://observalgerie.com/2026/07/08/economie/sonatrach-livre-sa-premiere-cargaison-de-gnl-a-lallemagne – تم الاطلاع في 14 تموز/يوليو 2026 - ObservAlgérie – “L’Algérie accélère à 30 milliards de m³ de gaz par an vers l’Europe”، 9 حزيران/يونيو 2026
https://observalgerie.com/2026/06/09/economie/lalgerie-accelere-a-30-milliards-de-m³-de-gaz-par-an-vers-leurope/ – تم الاطلاع في 14 تموز/يوليو 2026 - La Presse – “Washington affirme que le détroit d’Ormuz est ouvert”، 12 تموز/يوليو 2026
https://www.lapresse.ca/international/moyen-orient/2026-07-12/conflit-avec-l-iran/washington-affirme-que-le-detroit-d-ormuz-est-ouvert.php – تم الاطلاع في 14 تموز/يوليو 2026 - ISS Africa – “Le retour de l’Algérie au Sahel : crise ou opportunité ?”، آذار/مارس 2026
https://issafrica.org/fr/iss-today/le-retour-de-l-algerie-au-sahel-crise-ou-opportunite – تم الاطلاع في 14 تموز/يوليو 2026 - Afrik.com – “Sécurité, Sahel et Europe : à Alger, la reprise du dialogue franco-algérien change la donne”، شباط/فبراير 2026
https://www.afrik.com/securite-sahel-et-europe-a-alger-la-reprise-du-dialogue-franco-algerien-change-la-donne – تم الاطلاع في 14 تموز/يوليو 2026
يوسف عبد الله



