الرئيسيةالثقافة والفنونالسينما«الأوديسة» في الصحراء الغربية: ما الذي يكشفه الجدل عن أخلاقيات السينما؟

«الأوديسة» في الصحراء الغربية: ما الذي يكشفه الجدل عن أخلاقيات السينما؟

فيلم "الأوديسة" لكريستوفر نولان، الذي صوّر جزءاً من مشاهده في مدينة الداخلة بالصحراء الغربية، أشعل منذ عرضه العالمي جدلاً دولياً واسعاً دفع فنانين ومنظمات حقوقية إلى المطالبة بمقاطعته. الجدل يتجاوز حدود النقد السينمائي ليطرح سؤالاً أعمق حول مسؤولية صناع الأفلام حين يختارون التصوير في أرض متنازع عليها لا تزال، بحسب الأمم المتحدة، مصنّفة كإقليم غير متمتع بالحكم الذاتي.

عرض فيلم “الأوديسة”، المقتبس عن الملحمة الإغريقية القديمة ويضم نجوماً مثل مات ديمون وآن هاثاواي وزندايا وتوم هولاند ولوبيتا نيونغو، للجمهور العالمي منتصف تموز/يوليو 2026، بميزانية تُقدَّر بنحو 250 مليون دولار، بحسب موقع “ميدل إيست آي” المتخصص. غير أن جانباً من التغطية الإعلامية التي رافقت الإصدار لم يتوقف عند حجم الإنتاج أو تشكيلة الممثلين، بل انصبّ على قرار المخرج تصوير مشاهد من الفيلم في مدينة الداخلة، الواقعة في الصحراء الغربية تحت السيطرة المغربية منذ خمسة عقود.

أربعة أيام تصوير تشعل جدلاً عالمياً

بدأ الجدل في صيف 2025 حين وقّع عدد من الفاعلين البارزين في السينما العالمية، من بينهم الممثل خافيير باردم والمخرج بيدرو ألمودوفار والكاتب بول لافيرتي، رسالة مفتوحة طالبوا فيها نولان بوقف التصوير في الداخلة. وكتب باردم على حسابه في إنستغرام عبارة موجزة لخّص فيها موقفه: “لخمسين عاماً، احتل المغرب الصحراء الغربية”. ورغم الرسالة، واصل الطاقم التصوير في المدينة الساحلية لمدة أربعة أيام تقريباً، من أصل واحد وتسعين يوماً استغرقها التصوير في عدة دول، وفق ما ذكرته مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي.

مع اقتراب موعد العرض العالمي، تجدّدت حملة المقاطعة بقوة أكبر. مهرجان الصحراء الغربية الدولي للفيلم، المعروف اختصاراً بـ”فيسهارا”، دعا شركة يونيفرسال بيكتشرز وشركة نولان الإنتاجية “سينكوبي” إلى كسر صمتهما إزاء اختيار موقع التصوير. وذكرت “ذا راب” أن المهرجان وصف الداخلة بأنها “مدينة محتلة ومُعسكرة يخضع سكانها الأصليون الصحراويون لقمع منهجي من قبل القوات المغربية المحتلة”. حتى الآن، لم يصدر عن نولان أو عن استوديو يونيفرسال أي رد علني مباشر على هذه الدعوات، بحسب “ميدل إيست آي”.

خمسون عاماً من نزاع لم تحسمه الشرعية الدولية

لفهم أبعاد الجدل، لا بد من العودة إلى الخلفية القانونية للصحراء الغربية. انسحبت إسبانيا من مستعمرتها السابقة عام 1975 في الأيام الأخيرة لحكم الجنرال فرانكو، فدخلت القوات المغربية والموريتانية الإقليم، فيما فرّ ما يقارب 40 في المئة من السكان الصحراويين آنذاك نحو الجزائر هرباً من حملة قصف جوي مغربية، بحسب موقع “أفريقيا إز أ كانتري”. ولا يزال نحو 173 ألف صحراوي يعيشون حتى اليوم في مخيمات لاجئين قرب مدينة تندوف الجزائرية.

تصنّف الأمم المتحدة الصحراء الغربية ضمن قائمتها الرسمية للأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، وهي الفئة القانونية التي تعني أن مسار تقرير المصير في الإقليم لم يُستكمل بعد. ويفصل جدار رملي يمتد على طول 2700 كيلومتر، ومزروع بحقول ألغام، بين المناطق الخاضعة للسيطرة المغربية وتلك التي تديرها جبهة البوليساريو المدعومة من الجزائر. ولمدينة الداخلة نفسها تاريخ حقوقي موثق يسبق قضية الفيلم بعقود: تفيد شهادات نقلتها قناة “AL24 News” الجزائرية العمومية بأن السلطات المغربية هدمت عام 2004 ثكنة عسكرية في المدينة احتُجز فيها سابقاً مئات الصحراويين، من بينهم الحقوقي الراحل إبراهيم الصبار الذي روى في شهادة مصورة عام 2010 كيف اعتُقل فيها من أغسطس 1981 إلى فبراير 1983 قبل نقله إلى مركز احتجاز سري آخر بقي فيه حتى يونيو 1991.

استوديوهات هوليوود بين تصريح التصوير ومسؤولية التمثيل

يضع الجدل الأضواء على سلسلة من الفاعلين المتعددين. فالمركز السينمائي المغربي، وهو الجهة الرسمية المشرفة على الإنتاج السينمائي في المغرب، منح تصاريح التصوير في الداخلة ووفّر الدعم اللوجستي للطاقم، في إطار سياسة تسعى إلى ترسيخ موقع المغرب كوجهة سينمائية عالمية. وحصل هذا المركز، بحسب مؤسسة كارنيغي، على استثمارات محلية تجاوزت 165 مليون دولار من 23 إنتاجاً أجنبياً خلال عام 2025 وحده. والتقى وزير الثقافة المغربي محمد المهدي بنسعيد بالمخرج نولان أثناء التصوير في الداخلة، معرباً عن أمله في أن يمنح الفيلم المدينة حضوراً سينمائياً يتجاوز صورتها كوجهة سياحية.

في المقابل، يرى ناشطون وسينمائيون صحراويون أن منح تصاريح التصوير من طرف واحد فقط، هو السلطات المغربية، يطرح إشكالاً جوهرياً في أخلاقيات الإنتاج الثقافي. ويقول السينمائي الصحراوي مامين حشيمي، الذي عمل على توثيق انتهاكات حقوقية في الإقليم، إن الدعوة إلى المقاطعة ليست حملة ضد حرية الفن، بل مطالبة بمسؤولية أخلاقية من صناع الفيلم. أما مديرة مهرجان “فيسهارا” ماريا كاريون فتذهب أبعد، معتبرة أن الاستوديوهات التي تصوّر في أراضٍ محتلة دون موافقة السكان الأصليين تتحول إلى شريك فعلي في إضفاء الشرعية على الاحتلال، بحسب ما نقلته “ديمقراطية الآن”.

ما يكشفه اختيار الداخلة كموقع تصوير ليس مجرد قرار جمالي مرتبط بجمال كثبانها الرملية، بل يعكس تعاملاً من جزء من صناعة السينما العالمية مع الجغرافيا السياسية كخلفية بصرية قابلة للاستثمار، بمعزل عمّا يجري فوق تلك الأرض من نزاع سيادي لم يُحسم بعد.

حين يتحول موقع التصوير إلى أداة تطبيع

تضيف منظمات تضامنية أوروبية بعداً آخر للنقاش. فقد اعتبرت الجمعية الفرنسية للصداقة والتضامن مع الشعوب الأفريقية، وهي منظمة تضامنية تعنى بالقضايا الأفريقية، أن المغرب ينظم في الداخلة احتفالات وتظاهرات دولية تهدف إلى ترسيخ فكرة شرعية وجوده هناك، عبر تحويل المدينة إلى وجهة للسياحة الفاخرة وموقع تصوير سينمائي في آن واحد، وفق ما نقلته “AL24 News”. وانضمت إلى هذا الموقف هيئة نضالية صحراوية محلية تُعرف باسم “آلية التنسيق للفعل النضالي – فرع الداخلة المحتلة”، التي وصفت التصوير في المدينة بأنه “تطبيع فني” مع واقع الاحتلال وتجاهل صارخ لوضعها القانوني.

من زاوية أخرى، يرى مدافعون عن حرية الإنتاج الفني أن اختيار موقع تصوير لا يعني بالضرورة موقفاً سياسياً من جانب المخرج أو الاستوديو، وأن السينما ليست مطالبة بالفصل في نزاعات سيادية معقدة. غير أن هذا الطرح يصطدم بحجة الناشطين القائلين إن غياب أي إشارة في الفيلم أو في تصريحات صنّاعه إلى الوضع القانوني للإقليم يحوّل الصمت نفسه إلى موقف، ولو غير معلن. وتشير منظمات حقوقية إلى أن الداخلة تُوصف من قبل “مراسلون بلا حدود” بأنها “منطقة عمياء إعلامياً”، ما يجعل التحقق المستقل من ظروف السكان الصحراويين تحت الإدارة المغربية أمراً بالغ الصعوبة.

دعوات المقاطعة تتجه إلى أين؟

حتى الآن، لم يعلن أي من نولان أو يونيفرسال بيكتشرز أو شركة “سينكوبي” الإنتاجية عن نيتهما حذف مشاهد الداخلة من النسخة النهائية للفيلم، وهو أحد المطالب التي رفعتها منظمات صحراوية عدة. وتفيد شهادات نشطاء بأن أحد المعتقلين السياسيين الصحراويين، نعمة الأصفاري، يخوض إضراباً عن الطعام للمطالبة بالإفراج عنه، وهي معلومة وردت في مقابلات مع ناشطين ولم تؤكدها بعد جهة رسمية مستقلة. وبينما يواصل الفيلم تحقيق إيرادات قوية في شباك التذاكر العالمي، تستمر حملة المقاطعة عبر منصات التواصل الاجتماعي وبيانات منظمات حقوقية ومنظمات تضامنية أوروبية تطالب بمساءلة أوسع لصناعة السينما عن اختياراتها الجغرافية.

يبقى مصير مشاهد الداخلة في النسخة النهائية للفيلم، ورد فعل يونيفرسال بيكتشرز على الحملة المتصاعدة، السؤالين المفتوحين اللذين ستحدد الأسابيع المقبلة إجاباتهما.


المصادر

  1. Bloomberg – “Christopher Nolan’s ‘The Odyssey’ Wades Into Western Sahara Land Feud”
    https://www.bloomberg.com/news/articles/2026-07-17/christopher-nolan-s-the-odyssey-wades-into-western-sahara-land-feud – consulté le 27 juillet 2026
  2. Middle East Eye – “‘Cultural parasites’: Calls for boycott of The Odyssey over filming in occupied Western Sahara”
    https://www.middleeasteye.net/news/calls-boycott-odyssey-over-filming-occupied-western-sahara – consulté le 27 juillet 2026
  3. Carnegie Endowment for International Peace – “Nolan’s ‘The Odyssey’ Has a Colonialism Problem”
    https://carnegieendowment.org/emissary/2026/07/odyssey-movie-western-sahara-morocco-film – consulté le 27 juillet 2026
  4. TheWrap (via Yahoo) – “Christopher Nolan Criticized for Filming ‘The Odyssey’ in Western Saharan City of Dakhla”
    https://www.yahoo.com/entertainment/articles/christopher-nolan-criticized-filming-odyssey-133357046.html – consulté le 27 juillet 2026
  5. Democracy Now! – “Christopher Nolan’s ‘The Odyssey’ Faces Boycott Calls over Filming in Occupied Western Sahara”
    https://www.democracynow.org/2026/7/17/the_odyssey – consulté le 27 juillet 2026
  6. AL24 News (قناة عمومية جزائرية) – “منظمات دولية: تصوير ‘الأوديسة’ بالداخلة المحتلة محاولة لطمس حقيقة الاحتلال المغربي”
    https://al24news.dz/منظمات-دولية-تصوير-الأوديسة-بالداخل/ – consulté le 27 juillet 2026
  7. Africa Is a Country – “Odyssey to Africa’s last colony”
    https://africasacountry.com/2026/07/odyssey-to-africas-last-colony – consulté le 27 juillet 2026

هيئة التحرير

شكرًا على قراءة المقال. اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية لتتلقى ملخصًا يوميًا لأحدث الأخبار.

هيئة التحرير
هيئة التحريرhttps://alahrar.net/
هيئة التحرير في «الأحرار» تشرف على إعداد الأخبار والتقارير ومراجعتها ونشرها، وفق الميثاق التحريري ومعايير الدقة والاستقلالية والشفافية المعتمدة في الصحيفة.
مقالات ذات صلة
spot_img

ملفات الأحرار

الأكثر شهرة