بقلم: سمير بلعطش
[تنويه تحريري: هذا المقال تحليل رأي موقّع، يعبر عن قراءة الكاتب الشخصية للأحداث ولا يعكس بالضرورة الموقف التحريري الرسمي لموقع ALAHRAR.NET]
ثلاث سنوات بعد عملية طوفان الأقصى، وفي ظل مشهد إقليمي انقلب رأسا على عقب باغتيال المرشد الأعلى الإيراني وحرب لبنان الثانية ومفاوضات سورية إسرائيلية غير مسبوقة، يبقى السؤال عن جدوى العملية مطروحا بإلحاح. هذه قراءة شخصية في حصاد لا يزال، بطبيعته، حصادا مؤقتا وقابلا للمراجعة.
لم أكتب هذا التحليل بدافع الحسم في مسألة لا تزال، من الناحية الوقائعية البحتة، بلا حسم. فبعد ألف يوم من الحرب على غزة، وبعد أن اتسعت رقعة المواجهة لتبتلع طهران وبيروت ودمشق، أعتقد أن أي محاولة للفصل القاطع في جدوى طوفان الأقصى تظل، في أفضل الأحوال، قراءة مرحلية. ما يليه ليس حكما نهائيا، بل محاولة لتفكيك الملف إلى عناصره الوقائعية، بالاستناد إلى مصادر يمكن التحقق منها، لا إلى انطباعات عامة متداولة.
الردع الذي انكسر: ماذا يقول الرأي العام العالمي فعلا؟
كثيرا ما يُختزل النقاش حول أحد أبرز مكاسب طوفان الأقصى في فكرة “انهيار صورة إسرائيل عالميا”، وهي فكرة تستحق أن تُبنى على أرقام دقيقة لا على انطباع عام. استطلاع مركز بيو الأمريكي للأبحاث، الذي شمل 24 دولة في ربيع 2025، أظهر أن الرأي السلبي تجاه إسرائيل ورئيس وزرائها بنيامين نتنياهو تجاوز الرأي الإيجابي في غالبية الدول المشمولة، وأن النظرة السلبية في الولايات المتحدة نفسها ارتفعت 11 نقطة مئوية بين مارس 2022 ومارس 2025. الأهم أن المركز عاد وأجرى استطلاعا أوسع في ربيع 2026، شمل هذه المرة 36 دولة، ومعظم مقابلاته جرت بعد اندلاع الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران في 28 فبراير 2026، فوجد أن متوسط النظرة السلبية إلى إسرائيل بلغ 67 بالمئة، مقابل 25 بالمئة فقط نظرة إيجابية، مع تراجع ملحوظ في الثقة بنتنياهو في 13 من أصل 24 دولة تتوفر عنها بيانات مقارنة.
هنا بالتحديد أجد نفسي متفقا مع جوهر ما ذهب إليه الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني أحمد الحيلة في حوار تلفزيوني تناول هذه المسألة، حين وصف السابع من أكتوبر بأنه “قنبلة نووية صغيرة ضربت الاحتلال الإسرائيلي”، في إشارة إلى حجم الصدمة الرمزية التي أحدثتها العملية في صورة إسرائيل عالميا. لكن هذا التوصيف، مهما كان بليغا، يبقى استعارة تحتاج إلى ما يسندها من أرقام، وهو ما توفره بيانات بيو بوضوح أكبر من أي وصف تحليلي مجرد.
من إدارة الصراع إلى الحسم الوجودي
الأطروحة الأكثر إثارة للتفكير في هذا الملف، في تقديري، ليست فكرة انكسار الردع بحد ذاتها، بل الفرضية القائلة إن العملية نقلت الصراع من منطق “إدارة” ظل سائدا لعقود إلى منطق “حسم وجودي” تبنته حكومة إسرائيلية ذات توجه أيديولوجي ولاهوتي واضح. وهذا بالضبط ما يفسر، من وجهة نظري، لماذا استمرت الحرب على غزة أكثر من عامين كاملين رغم التفوق العسكري الإسرائيلي الساحق: لم تعد إسرائيل تبحث عن ردع محدود يعيد التوازن، بل عن حسم شامل تعذر تحقيقه ميدانيا حتى الآن.
فالانتقال من إدارة الصراع إلى الحسم الوجودي لم يكن، في قراءتي، قرارا فلسطينيا محسوبا مسبقا، بل خيارا إسرائيليا اتُخذ في ساعات الصدمة الأولى، وهو ما حوّل عملية محدودة زمنيا إلى حرب امتدت جغرافيا لاحقا من غزة إلى طهران. هذا هو بالضبط الخيط الذي يربط، برأيي، بين ما جرى في السابع من أكتوبر وما تلاه من توسع غير مسبوق لرقعة المواجهة.
ثغرة استخباراتية أم تحذيرات مُهمَلة؟
من الزوايا التي أراها غير مستهلكة كفاية في النقاش العربي، مسألة ما إذا كانت إسرائيل امتلكت فعلا معلومات كافية لمنع هجوم بهذا الحجم. دراسة استعرضتها الجزيرة نت في ذكرى العملية الثانية، خلصت إلى أن الصدمة لم تكن ناتجة عن غياب كلي للمعطيات، بل عن عجز في دمج مؤشرات متعددة، من تدريبات ميدانية رُصدت مسبقا إلى تحذيرات نُقلت من مصر ومؤشرات تقنية لافتة، في تقييم استخباراتي فعال؛ ورجعت الدراسة هذا الإخفاق جزئيا إلى انقسام سياسي داخلي إسرائيلي جعل الانتباه الأمني منصبا على الضفة الغربية باعتبارها الجبهة ذات الأولوية، فيما عُومل قطاع غزة كجبهة ثانوية.
هذا الخيط تعزز لاحقا بتحقيق نشرته صحيفة إسرائيل اليوم، القريبة من دوائر اليمين الإسرائيلي، زعم أن القاهرة نقلت تحذيرا مباشرا وعاجلا إلى تل أبيب قبل الهجوم بنحو أسبوعين، بلغ حد وزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي الإسرائيليين. غير أن الأمانة المهنية تقتضي التذكير بأن وزارة الخارجية الإسرائيلية والمجلس ذاته نفيا هذه الرواية بشكل قاطع، ولم تعلق الخارجية المصرية على الأمر حتى كتابة هذه السطور، ما يبقي هذا الجانب من الملف في خانة الادعاء غير المؤكد رسميا، وليس الحقيقة الثابتة.
غزة، ألف يوم بعد: هدنة على الورق
أي حديث عن جدوى العملية يبقى، في نظري، منقوصا إن لم يُقاس بواقع القطاع نفسه اليوم. فمنذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في أكتوبر 2025، ضمن خطة من مرحلتين رعاها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لم تتوقف الانتهاكات الإسرائيلية اليومية. بيانات وزارة الصحة في غزة، التي وصفتها الأمم المتحدة بالموثوقة، تشير إلى مقتل أكثر من ألف فلسطيني منذ سريان الهدنة، فيما لا يزال الجيش الإسرائيلي يسيطر على نحو ستين بالمئة من مساحة القطاع دون انسحاب فعلي. وفي مطلع يوليو الجاري، أعلنت حركة حماس حل لجنة الطوارئ الحكومية تمهيدا لنقل الإدارة إلى اللجنة الوطنية لإدارة غزة، برئاسة المهندس علي شعث، تحت إشراف مجلس السلام الذي يقوده ترامب، دون أن تحسم بعد ملف نزع سلاح المقاومة الذي يبقى العقدة المركزية للمرحلة المقبلة.
هذا الواقع الهش يجعلني أتحفظ على أي خطاب احتفالي بالمكاسب الرمزية دون ربطها بثمن إنساني لا يزال يُدفع يوميا، وهو ما يبرر في تقديري وصف “الحصاد المؤقت” أكثر من أي حكم نهائي.
من طهران إلى دمشق: حرب لم تعد محصورة في غزة
ما يجعل النقاش حول جدوى طوفان الأقصى أكثر إلحاحا اليوم هو الاتساع الجغرافي المتسارع لتداعياتها. ففي 28 فبراير 2026، شنت إسرائيل بالتنسيق مع الولايات المتحدة حربا واسعة على إيران أسفرت عن اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، الذي تأكدت وفاته رسميا في الأول من مارس. وردا على مقتله، انخرط حزب الله في المواجهة إسنادا لإيران، فيما ردت إسرائيل باجتياح بري وجوي واسع لجنوب لبنان أوقع آلاف القتلى، في حرب لا تزال هدنتها الهشة عرضة للخرق شبه اليومي، وسط ضغط أمريكي إسرائيلي متزايد لنزع سلاح الحزب بالكامل رفضه أمينه العام نعيم قاسم علنا، معتبرا أن المطالبة بذلك “تمهيد لإبادة”.
في موازاة ذلك، تخوض سوريا بقيادة الرئيس أحمد الشرع مفاوضات أمنية غير مسبوقة مع إسرائيل بوساطة أمريكية، أكد الشرع نفسه أنها لم تصل إلى طريق مسدود لكنها تواجه صعوبات كبيرة بسبب إصرار إسرائيل على البقاء داخل أراض سورية احتلتها بعد سقوط النظام السابق. هذا الاتساع غير المسبوق لرقعة المواجهة، من غزة إلى الخليج مرورا بلبنان وسوريا وإيران، يؤكد في تقديري أن أي محاولة لحصر تقييم طوفان الأقصى داخل الحدود الفلسطينية وحدها باتت قاصرة عن الإحاطة بحجم ما تغير في المنطقة.
الموعد الذي سيختبر ميدانيا استمرارية هذه التداعيات هو استكمال مفاوضات المرحلة الثانية من اتفاق غزة الجارية هذا الأسبوع في القاهرة بين وفد حماس والوسطاء، والتي ستحدد ملفات نزع السلاح والانسحاب الإسرائيلي ونشر قوة الاستقرار الدولية. وإلى أن تُحسم هذه الملفات، يبقى الحصاد، كما وصفه الحيلة في معرض حديثه عن مآلات العملية، حصادا لم يكتمل بعد.
المصادر
- مركز بيو للأبحاث (Pew Research Center) – Global views of Israel and Netanyahu, spring 2025 – https://www.pewresearch.org/short-reads/2025/06/03/ – استُشهد به في 10 يوليو 2026
- مركز بيو للأبحاث (Pew Research Center) – Negative views of Israel, low confidence in Netanyahu across 36 countries – https://www.pewresearch.org/short-reads/2026/06/04/ – استُشهد به في 10 يوليو 2026
- الجزيرة نت – لوبوان: كيف أفلتت أحداث 7 أكتوبر من رقابة الاستخبارات الإسرائيلية؟، 7 أكتوبر 2025 – https://www.aljazeera.net/politics/2025/10/7/ – استُشهد به في 10 يوليو 2026
- صحيفة إسرائيل اليوم (نقلا عن عربي21) – مصر حذّرت تل أبيب من “انفجار غزة” قبل 7 أكتوبر بأسبوعين، 28 ديسمبر 2025 – https://arabi21.com/story/1728171/ – استُشهد به في 10 يوليو 2026
- الجزيرة نت – ما الذي يعنيه اغتيال خامنئي؟، 1 مارس 2026 – https://www.aljazeera.net/news/2026/3/1/ – استُشهد به في 10 يوليو 2026
- الجزيرة نت – الشرع: سوريا “أنقذت المنطقة” ونسعى لاتفاق يضمن انسحاب إسرائيل، 17 أبريل 2026 – https://www.aljazeera.net/news/2026/4/17/ – استُشهد به في 10 يوليو 2026
- وكالة شينخوا بالعربية – حزب الله: المطالبة بنزع سلاح المقاومة “تمهيد لإبادة”، 25 مايو 2026 – http://arabic.news.cn/20260525/ – استُشهد به في 10 يوليو 2026
- سي إن إن بالعربية – غارات إسرائيلية على غزة ترفع حصيلة الضحايا رغم اتفاق وقف إطلاق النار، 6 يوليو 2026 – https://arabic.cnn.com/amphtml/middle-east/article/2026/07/06/ – استُشهد به في 10 يوليو 2026
- حوار تلفزيوني مع المحلل السياسي الفلسطيني أحمد الحيلة حول جدوى عملية طوفان الأقصى (نسخة مكتوبة مقدمة للتحرير، تاريخ البث غير محدد) – استُشهد به في 10 يوليو 2026
بقلم سمير بلعطش



