في منتصف مايو الماضي، افتتحت مدينة مكناس فعاليات الدورة الجديدة من مهرجان وليلي الدولي، الذي خصص، بحسب ما نشره موقع “المشهد”، لحظات تكريم لأربعة من الأسماء التي ساهمت في الحفاظ على التراث الموسيقي المغربي: محمد حمادي وحميد القصري وميمون أورحو وحميد بوهلال. وفي الصويرة، احتفت دورة 2026 من مهرجان كناوة وموسيقى العالم، وفق موقع “كاب أنفو”، بذكرى المعلّم الراحل مصطفى باقبو، أحد أبرز رموز التقليد الكناوي الذي توفي سنة 2025، في مدينة نالت ثقافتها الروحية اعتراف اليونسكو تراثا ثقافيا غير مادي منذ 2019. أما في السويد، فتستعد إدارة مهرجان مالمو الدولي للعود والأغنية العربية لتخصيص تكريم خاص لروح المطرب المصري الكبير هاني شاكر، في دورة مقررة يومي 25 و26 سبتمبر 2026، بحسب صحيفة “الصباح الجديد”. ثلاثة تكريمات في ثلاث دول خلال أشهر قليلة ترسم ملامح مشهد واحد: الاحتفاء بحراس التراث الموسيقي يتكاثر في المهرجانات، بينما يظل السؤال عن الجهة التي تتولى فعليا تعليم هذا التراث لجيل جديد أقل وضوحا.
وليلي والصويرة: ماذا يعني تكريم الأحياء وذكرى الراحلين؟
يكشف الفارق بين التكريمين عن طبيعة الإشكال. في مكناس، احتُفي بموسيقيين أحياء لا يزالون قادرين على تلقين ما راكموه من معرفة، بينما جاء تكريم الصويرة تخليدا لذاكرة معلّم رحل، ما يعني أن جزءا من معرفته الشفهية لم يعد قابلا للنقل المباشر. التسجيل الذي منحته اليونسكو لصناعة العود وأدائه على قائمة التراث الثقافي غير المادي في نوفمبر 2022، بحسب ما أوردته أخبار الأمم المتحدة، وثّق قيمة هذا الفن عالميا، غير أنه لم يُنشئ من تلقاء نفسه آلية تعليمية واحدة قادرة على تعويض غياب معلّم كباقبو. الشرعية الرمزية شيء، والقدرة التعليمية اليومية شيء آخر.
قرن من النقل الشفهي قبل ظهور المعاهد الرسمية
قبل انتشار المعاهد الحكومية في منتصف القرن العشرين، انتقلت الموسيقى العربية التقليدية عبر قنوات غير رسمية بالأساس: الأسرة، الزاوية، وعلاقة المعلّم بتلميذه القائمة على المعايشة اليومية أكثر من المنهج المكتوب. هذا النموذج لا يزال حيا في التقليد الكناوي، حيث يُعرَف حامل المعرفة بـ”المعلّم”، ويُعرَّف عبر شيوخه أكثر مما يُعرَّف عبر شهادة. في المقابل، حين ظهرت المعاهد الرسمية في العواصم العربية، ركزت في الغالب على منهجيات التدوين الموسيقي الأوروبية، تاركة جزءا كبيرا من التراث الشفهي خارج برامجها الدراسية. هذه الفجوة التاريخية هي ما تحاول المعاهد المستقلة والمهرجانات ردمها اليوم، كل بطريقتها.
بيت العود العربي: نموذج المعهد المستقل العابر للحدود
بعيدا عن هذا التقليد الشفهي، نشأ في العقدين الأخيرين نموذج معهد مستقل يتمدد خارج حدود دولة واحدة. بيت العود العربي، الذي يقوده فنيا عازف العود نصير شمة، فنان اليونسكو للسلام، انطلق من أبوظبي بمنهج يمتد خمسة فصول دراسية لتعليم العود والقانون والتشيلو والرباب، بحسب ما ينشره موقع أبوظبي للثقافة والتراث. يخضع كل طالب لتقييم هيئة تحكيم قبل انتقاله إلى فصل أعلى، ويحصل خريجو الدورة الكاملة على “دبلوم بيت العود العربي” الذي يؤهلهم لبدء مسار احترافي. ومنذ افتتاح فرع في الرياض سنة 2023 بالشراكة مع هيئة الموسيقى السعودية، بحسب صحيفة “الرياض”، بات المعهد شبكة تضم فروعا في أكثر من دولة عربية، ما يجعله أقرب إلى مؤسسة عابرة للحدود منها إلى معهد وطني واحد. وعلى الضفة الأوروبية، يؤدي مهرجان مالمو دورا مختلفا في طبيعته: فهو لا يعلّم العزف مباشرة، لكنه يحافظ على مكانة الأصوات والألحان الكبرى في وجدان أجيال متعاقبة من الجالية العربية في شمال أوروبا، عبر برمجة سنوية تعيد الاعتبار لأيقونات الأغنية العربية أمام جمهور نشأ خارج المنطقة نفسها.
مؤتمر الرياض يكشف حجم الفجوة الرقمية والتربوية
في ديسمبر 2025، استضافت الرياض مؤتمرا للموسيقى العربية استغرق الإعداد له نحو ثمانية أشهر من عمل لجان من كل الدول العربية إضافة إلى تركيا، بحسب صحيفة “النهار”. خلص المؤتمرون إلى توصيات تشمل إطلاق مشروع شامل لتوثيق المقامات والإيقاعات والآلات وفق منهجيات علمية، وإنشاء مكتبات إلكترونية مفتوحة ومنصات تعليمية تفاعلية، وإدراج التراث الموسيقي العربي في مناهج المدارس والمعاهد. المسافة الزمنية بين تسجيل اليونسكو لصناعة العود سنة 2022 وبين هذه التوصيات الأولى لبناء بنية رقمية موحدة تقاس بالسنوات لا بالأشهر، وهو ما يفسر جزئيا لماذا سبقت المعاهد المستقلة والمهرجانات المؤسسات الرسمية إلى ملء هذا الفراغ. وخلال المؤتمر، قال الأمير أحمد بن سلطان بن عبدالعزيز، الملحن المعروف باسم “سهم”، لصحيفة “النهار”: “أنتم الجيل الجديد لديكم منابر ومبان وعلوم ومدرّسون”، في إشارة إلى فارق الإمكانات المتاحة بين جيله والجيل الحالي.
الموعد المقبل: هل تتحول التوصيات إلى مشاريع ملموسة؟
يبقى السؤال معلقا حول قدرة هذه التوصيات على تجاوز مرحلة الورق. لم يُعلن حتى الآن جدول زمني ملزم لإطلاق المكتبة الرقمية أو لإدراج المقامات العربية في المناهج المدرسية، بينما تواصل المعاهد المستقلة توسعها بمعزل عن أي تنسيق مركزي معلن. في السويد، تستعد إدارة مهرجان مالمو لدورة 25 و26 سبتمبر 2026 التي ستكرّم هاني شاكر، في موعد سيراقبه العاملون في قطاع الموسيقى العربية بقدر ما ستحتفي به الجالية. أما في الصويرة، فسيظل السؤال عمّن سيخلف باقبو في نقل سر الكناوة مطروحا إلى حين ظهور مؤشرات واضحة على أن جيلا جديدا من “المعلمين” تشكّل فعليا داخل المهرجان أو خارجه.
في انتظار ذلك، تبقى الصورة مركّبة: مؤسسة دولية منحت العود شرعية رمزية سنة 2022، ومؤتمر إقليمي بدأ للتو رسم خريطة طريق رقمية، ومعهد مستقل يخرّج عازفين محترفين منذ سنوات عبر شبكة تمتد من أبوظبي إلى الرياض، ومهرجان في شمال أوروبا يحافظ على مكانة الأيقونات الغنائية بعيدا عن الجغرافيا العربية. لا واحدة من هذه الجهات تعمل بمعزل عن الأخرى، لكن لا واحدة منها أيضا تغطي وحدها كامل مسافة النقل من جيل إلى جيل.
المصادر
- أخبار الأمم المتحدة – “اليونسكو: إدراج عناصر جديدة على قائمة التراث الثقافي غير المادي، من بينها… صناعة الأعواد الموسيقية السورية والإيرانية”
https://news.un.org/ar/story/2022/11/1116127 – استُشهد به في 17 يوليو 2026 - المشهد – “برنامج مهرجان وليلي الدولي 2026.. سهرات عالمية وإيقاعات تراثية”
https://www.almashhad.com/article/459217420284850-entertainment/718103253582128 – استُشهد به في 17 يوليو 2026 - كاب أنفو – “مهرجان كناوة 2026… مرفأ التلاقح الموسيقي بالصويرة”
https://capinfo.ma/أخبار-و-تقارير/فن-وثقافة/مهرجان-كناوة-2026-مرفأ-التلاقح-الموسيقي/ – استُشهد به في 17 يوليو 2026 - الصباح الجديد – “مالمو تحتفي بإرث هاني شاكر الفني في مهرجان العود والأغنية العربية”
https://newsabah.com/newspaper/298437 – استُشهد به في 17 يوليو 2026 - أبوظبي للثقافة والتراث – صفحة “بيت العود العربي”
https://abudhabiculture.ae/ar/cultural-sites/culture-centers/bait-al-oud – استُشهد به في 17 يوليو 2026 - جريدة الرياض – “«بيت العود» في الرياض”
https://www.alriyadh.com/2028761 – استُشهد به في 17 يوليو 2026 - النهار – “الرياض 2025: لحظة تاريخية لتوثيق التراث الموسيقي العربي”
https://www.annahar.com/lifestyle/arts/259636 – استُشهد به في 17 يوليو 2026
يوسف عبد الله



