الرئيسيةالأخبارالعالمكيف حوّلت مسيّرات أوكرانيا موازين القوى في البحر الأسود؟

كيف حوّلت مسيّرات أوكرانيا موازين القوى في البحر الأسود؟

تشير صور الأقمار الصناعية إلى تراجع حاد في نشاط "الأسطول الخفي" الروسي عند مضيق كيرتش، بعد أسابيع من الضربات المكثفة التي نفذتها قوات المنظومات غير المأهولة الأوكرانية. ويرى مسؤولون عسكريون أن كييف تعيد رسم موازين القوة البحرية في البحر الأسود من دون امتلاك أسطول حربي تقليدي قادر على منافسة موسكو.

أعلن الجنرال روبرت “مادیار” بروفدي، قائد قوات المنظومات غير المأهولة الأوكرانية، في التاسع عشر من تموز/يوليو 2026، أن عملية أطلق عليها اسم “مولوتشكا” أدت خلال أسبوعين فقط إلى خفض طاقة العبّارات العاملة عبر مضيق كيرتش بنسبة 75 بالمئة. وبحسب بروفدي، استهدفت العملية، التي بدأت في السادس من الشهر نفسه، السفن الرابطة بين شبه جزيرة القرم المحتلة والأراضي الروسية، ضمن استراتيجية أوسع لعزل شبه الجزيرة عن خطوط الإمداد الروسية.

مضيق استراتيجي منذ ضم القرم عام 2014

يحتل مضيق كيرتش، الذي يربط بحر آزوف بالبحر الأسود، موقعا محوريا في المنظومة اللوجستية الروسية منذ ضم موسكو شبه جزيرة القرم عام 2014. فالمضيق يشكل الممر الرئيسي لنقل المعدات العسكرية والإمدادات نحو الجبهة الجنوبية في أوكرانيا، إضافة إلى كونه شريانا لتصدير النفط والحبوب الروسية عبر ما يعرف بـ”الأسطول الخفي”، وهو أسطول يضم نحو 1300 ناقلة قديمة مسجلة تحت أعلام دول مثل بنما وليبيريا وغابون، بحسب تقديرات نشرتها مواقع متخصصة في الشأن الدفاعي مطلع عام 2026. وتتيح هذه الأعلام “الملائمة” لموسكو الالتفاف على سقف الأسعار الذي فرضته مجموعة السبع على صادراتها النفطية.

أرقام الأقمار الصناعية تكشف حجم التراجع

وتوضح صور رادارية التقطتها وكالة الفضاء الأوروبية، ونقلتها منصة “ديفينس إكسبريس” المتخصصة، أن عدد السفن المرصودة قرب المضيق بلغ أكثر من مئة سفينة في السابع من تموز/يوليو، قبل أن يتراجع إلى نحو اثنتي عشرة سفينة فقط بحلول التاسع عشر من الشهر ذاته. في المقابل، أفادت وكالة “رويترز”، بحسب ما نقلته منصة “كييف بوست”، بأن أكثر من أربعين سفينة كانت ترابط قرب المضيق في مطلع حزيران/يونيو، قبل أن يتقلص عددها إلى ما يشبه الحفنة مع اشتداد الضربات الأوكرانية.

استراتيجية بلا أسطول حربي تقليدي

دخلت أوكرانيا الحرب من دون قوة بحرية تقليدية قادرة على مجابهة الأسطول الروسي في البحر الأسود، وهو ما دفع كييف إلى الاستثمار المكثف في منظومات مسيّرة بحرية وجوية بكلفة منخفضة نسبيا، قادرة على ضرب السفن الحربية ورصد التحركات البحرية وتهديد البنى التحتية الحيوية. ويجمع هذا النهج بين زوارق مسيّرة تحمل شحنات متفجرة أو معدات مراقبة، ومسيّرات جوية تتولى الاستطلاع وتحديد الأهداف وتقييم الأضرار بعد الضربات، بحسب ما ورد في تحليل نشره موقع “فرونت لاين رادار” المتخصص في رصد النزاعات.

وما يستحق التوقف عنده في هذا التحول ليس فقط اتساع رقعة الضربات، بل كونها فرضت على البحرية الروسية إعادة نشر جزء من “أسطول البحر الأسود” بعيدا عن القرم باتجاه موانئ شرقية أكثر أمانا، وهو ما يعكس محدودية قدرة موسكو على حماية خطوط إمدادها التقليدية بوسائل بحرية كلاسيكية أمام تهديد لا مركزي ومنخفض الكلفة.

هذا التحول ليس وليد اللحظة، بل امتداد لحملة بحرية متدرجة بدأتها كييف قبل نحو ثلاث سنوات. فمنذ الضربة التي استهدفت جسر كيرتش عام 2023، تعرضت وحدات عدة من أسطول البحر الأسود الروسي لأضرار مباشرة أو دُمّرت بزوارق مسيّرة انطلقت من السواحل الأوكرانية، ما أرغم القيادة الروسية على نقل جزء كبير من سفنها الحربية من قاعدة سيفاستوبول في القرم نحو ميناء نوفوروسيسك الأبعد عن مرمى الضربات. وأدى هذا الانسحاب التدريجي، بحسب تقييمات عسكرية غربية، إلى تقليص هامش حرية الحركة المتاح للبحرية الروسية في أجزاء واسعة من البحر الأسود، بعدما كانت تفرض سيطرتها شبه الكاملة على الممرات الملاحية في السنة الأولى من الحرب.

انعكاسات اقتصادية تتجاوز الميدان العسكري

لا تقتصر تداعيات هذا التصعيد على البعد العسكري وحده. فقد اضطرت موسكو، وفق ما أوردته شبكة “سي إن إن”، إلى تعليق حركة الملاحة عبر قناة الدون-آزوف من جهة ومضيق كيرتش من جهة أخرى، وهما المنفذان الوحيدان اللذان يربطان بحر آزوف بالشبكة الملاحية الأوسع. ويؤدي إغلاق هذين الممرين، بحسب الشبكة الأميركية، إلى تعطيل جزء من منظومة نقل النفط والحبوب والمنتجات الفولاذية من جنوب روسيا نحو الأسواق العالمية، في وقت تعتمد فيه موسكو على هذا الممر لتصدير جزء لا يستهان به من قمحها. وقدّرت تقارير متخصصة في الأسواق الزراعية أن بحر آزوف يستوعب عادة ما يقارب ربع صادرات القمح الروسية، وهو ما انعكس، بحسب هذه التقارير، على ارتفاع طفيف في أسعار عقود القمح الآجلة في بورصة يورونكست عقب إعلان تعليق الملاحة مطلع الشهر الجاري. ويبقى هذا التقدير في حاجة إلى تأكيد من مصادر مؤسساتية رسمية، إذ لم تصدر موسكو حتى الآن أي بيانات رسمية بشأن حجم الصادرات المتأثرة فعليا بالتعطل الملاحي.

غير أن مراقبين عسكريين يشددون على ضرورة التعامل بحذر مع هذه المعطيات، إذ إن صور الأقمار الصناعية لا تقدم سوى جزء من الصورة الميدانية الكاملة، وقد تعكس التغيرات في تحركات السفن قرارات لوجستية أو أمنية أوسع لا علاقة مباشرة لها بالضربات الأوكرانية وحدها. ونقلت شبكة “سي إن إن” عن مصادرها أنها لم تتمكن من التحقق بشكل مستقل من تصريحات القائد بروفدي بشأن حجم الأضرار، رغم توثيق مقاطع فيديو لبعض الضربات.

بحر يتحول إلى ساحة اختبار لحروب بحرية مقبلة

يرى محللون عسكريون أن البحر الأسود تحول تدريجيا إلى ساحة اختبار لأنماط جديدة من الحرب البحرية، حيث تُستبدل السفن الحربية الكبيرة بأساطيل من المنظومات المستقلة منخفضة الكلفة، القادرة على تعطيل الملاحة وجمع المعلومات الاستخباراتية وتهديد أصول بحرية عالية القيمة. وتدرس بحريات عدة حول العالم هذا النموذج عن كثب، في وقت تزيد فيه حكومات غربية استثماراتها في تقنيات مكافحة المسيّرات والحرب الإلكترونية والمنصات البحرية المستقلة استعدادا لمواجهة تهديدات مماثلة في نزاعات مقبلة.

وتكمن أهمية ما يجري في مضيق كيرتش في كونه يبرهن، للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب عام 2022، أن دولة تفتقر إلى قوة بحرية تقليدية كبرى يمكن أن تفرض كلفة استراتيجية باهظة على قوة بحرية أكبر منها، عبر الابتكار والتكيف بدل المواجهة المباشرة.

تبقى الأشهر المقبلة كفيلة بتحديد ما إذا كانت موسكو ستطور وسائل مضادة فعالة لاحتواء هذا التهديد، أم أن العملية الأوكرانية ستستمر في إعادة تشكيل قواعد الاشتباك في البحر الأسود. وأيا يكن مسار الأحداث، فإن الدروس المستخلصة من هذه المواجهة البحرية غير المتكافئة ستتجاوز، بحسب محللين عسكريين، حدود النزاع الروسي الأوكراني نفسه.


المصادر

  1. فرونت لاين رادار – Ukraine’s Drones Redraw the Black Sea
    https://frontlineradar.com/ukraines-drones-redraw-the-black-sea/ – تاريخ الاطلاع: 22 تموز/يوليو 2026
  2. كييف إندبندنت – Ukraine’s drone commander says Kerch Strait ferry capacity reduced by 75%
    https://kyivindependent.com/kerch-strait-ferry-capacity-reduced-by-75/ – تاريخ الاطلاع: 22 تموز/يوليو 2026
  3. ديفينس إكسبريس – Satellite Images Show How Ukraine’s Unmanned Systems Forces Drove Russia’s Shadow Fleet Out of the Kerch Strait
    https://en.defence-ua.com/news/satellite_images_show_how_ukraines_unmanned_systems_forces_drove_russias_shadow_fleet_out_of_the_kerch_strait-19195.html – تاريخ الاطلاع: 22 تموز/يوليو 2026
  4. سي إن إن – Strait of Hormuz-style crisis looms for Russia as Ukraine forces shutdown of a key waterway
    https://www.cnn.com/2026/07/15/world/russia-ukraine-sea-of-azov-intl – تاريخ الاطلاع: 22 تموز/يوليو 2026
  5. كييف بوست (نقلا عن رويترز) – Ukraine’s Azov Sea Drone Strategy Against Russian Tankers
    https://www.kyivpost.com/post/80275 – تاريخ الاطلاع: 22 تموز/يوليو 2026

أحمد ناصر

شكرًا على قراءة المقال. اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية لتتلقى ملخصًا يوميًا لأحدث الأخبار.

أحمد ناصر
أحمد ناصرhttps://alahrar.net/
أحمد ناصر صحفي يهتم بالشؤون السياسية والعلاقات الدولية والتحولات الجيوسياسية في العالم العربي والشرق الأوسط. يتابع الملفات الدبلوماسية والأمنية والانتخابات والحياة الحزبية، ويعمل على تقديم قراءة هادئة للأحداث تربط بين الخبر وسياقه السياسي والتاريخي. يركز في مقالاته على تحليل مواقف الفاعلين الرئيسيين وتوضيح انعكاسات القرارات الدولية على المنطقة.
مقالات ذات صلة
spot_img

ملفات الأحرار

الأكثر شهرة