الرئيسيةالرأيافتتاحياترأي: حل نقابة "الكنابست" خط أحمر يجب ألا يمر

رأي: حل نقابة “الكنابست” خط أحمر يجب ألا يمر

لا يمكن قراءة حل الكنابست، الذي نطقت به المحكمة الإدارية بالجزائر العاصمة مع النفاذ المعجل، بوصفه نزاعًا إداريًا عابرًا. القرار يطرح، بعد 20 سنة من وجود هذه النقابة، سؤالًا أعمق حول المكانة التي تتركها الدولة الجزائرية لأطر الوساطة التي تجرؤ على مخالفة الرأي الرسمي.

هذا المقال تعبير عن رأي شخصي لكاتبه سمير ب. محرر على منصة الاحرار، ولا يعبر عن الخط التحريري للموقع الذي يلتزم بالفصل الصارم بين الخبر والرأي.

أكتب هذه السطور بصفتي الشخصية، متضامنًا دون قيد ولا شرط مع نقابة الكنابست، ومنددًا بما أراه تصفية سياسية لحرية العمل النقابي وللأطر الدستورية السلمية التي يفترض أنها تحمي حق الأساتذة في التنظم و التفاوض. نقابة قائمة منذ 20 سنة، معترف بها قانونًا، وتضم قرابة 100 ألف منخرط ومتعاطف، لا تُحل بهذه السهولة دون أن يطرح ذلك أسئلة تتجاوز حالتها بعينها، وتخص بالدرجة الأولى مستقبل التعددية النقابية في البلاد.

فارق يستحق التوقف عنده: الكنابست ليست حزبًا

دأبت السلطات الجزائرية على التمييز بين العمل النقابي والعمل الحزبي، مخصصة لهذا الأخير رقابة أشد. غير أن الدعوى المرفوعة ضد الكنابست تطمس هذه الحدود. نقابة تنظم اعتصامات أمام مديريات التربية، وتنسق حركات احتجاجية حول القدرة الشرائية للأساتذة، تجد نفسها اليوم تحت طائلة الأدوات القانونية ذاتها التي استُخدمت سابقًا ضد أحزاب معارضة. هذا التحول يستحق أن يُسمّى بما هو عليه: امتداد منطق التطويع إلى مجال كان يحظى، حتى وقت قريب، بهامش نسبي من الحركة. فمنذ تأسيسها سنة 2006، لم تكن الكنابست يومًا تنظيمًا هامشيًا: كانت وراء عدة إضرابات وطنية حول الأجور وظروف العمل، وشكلت لسنوات المخاطب الرئيسي لوزارة التربية في جولات التفاوض القطاعي. هذا الثقل بالذات هو ما يجعل حلها حدثًا يتجاوز حدود ملف إداري واحد.

القانون أداة، والإجراء رسالة

يؤطر القانون 23-02 العمل النقابي، ولا شيء في ذلك يتعارض في حد ذاته مع قانون العمل الدولي. الإشكال يكمن في طريقة توظيفه: ضد هيكل قديم، له قاعدة نضالية قابلة للتحقق، وفي توقيت يوازي متابعات شخصية لمنسقه الوطني. فقد سبق لحزب العمال الاشتراكي والحركة الديمقراطية والاجتماعية أن خضعا لإجراءات تعليق مماثلة قبل الكنابست. تكرار هذا الأسلوب، أكثر من كل ملف على حدة، يرسم ملامح منهج. فالقانون قد يكون مطابقًا لحرفية النص، بينما يخدم تطبيقه، في الواقع، هدفًا ليس محايدًا البتة.

يستحق الخطاب الرسمي، كما تسرّب خلال الأشهر الأخيرة، أن يُستمع إليه لا أن يُرفض جملة وتفصيلًا. فهو يتحدث عن حاجة إلى التوضيح: توحيد قواعد الحقل النقابي، وتحديد من يملك حق التحدث باسم الأساتذة، وتفادي التشتت. غير أن هذا الطرح يعجز عن تفسير لماذا يمر هذا التوضيح دائمًا عبر الحل الكامل لأقدم الهياكل وأكثرها حشدًا للقاعدة، بدل حوار تعاقدي يسبق اللجوء إلى القضاء لا أن يعقبه.

ما الذي يقوله حل الكنابست عن الحوار الوطني الموعود؟

تتحدث السلطات منذ أشهر عن حوار وطني من المفترض أن يوسّع مساحة النقاش مع الشركاء الاجتماعيين والسياسيين. هذا المشروع، الذي تأجل مرارًا، لا يزال يتعثر خارج حدود الإعلانات. يأتي حل الكنابست في هذا الفراغ، ويبعث برسالة تتناقض مباشرة مع خطاب الانفتاح المعلن. لا يُبنى حوار اجتماعي موسّع بانتزاع الوسائل القانونية من أحد أطرافه لإيصال صوت منخرطيه. وقد عبّرت الكنابست نفسها، في بيان صادر عن جمعيتها العامة الوطنية، عن مناشدة رئيس الجمهورية للتدخل من أجل ما وصفته بـ”إنصاف النقابة”، وهو مؤشر على أن قنوات الحوار الاعتيادية، من وجهة نظر النقابة على الأقل، لم تعد كافية لحل الخلاف.

رسالة لا يمكن للجالية أن تتجاهلها

نتوجه على صحيفة لاحرار إلى جزء كبير من قرائنا المقيمين في الخارج و في الوطن العربي بالتحديد، وكثير منهم ينحدر من عائلات تدريس أو له صلة مباشرة بهذا القطاع. يتابع هذا الجمهور الملف باهتمام خاص، ليس حنينًا إلى الماضي، بل لأنه يقيس، من الخارج، الفجوة بين خطاب الانفتاح الموجه إلى الجالية وواقع هامش الحركة المتروك للأطر الوسيطة على أرض الواقع. وبلد يسعى إلى ترسيخ علاقته بأبنائه في المهجر يكسب أكثر عندما تقدم مؤسساته النقابية والاقتصادية والجمعوية إشارات استقرار، لا أسبابًا إضافية للقلق.

الدفاع عن النقابية ليس اصطفافًا ضد الدولة

مساندة الكنابست لا تعني تبني كل مواقفها، ولا نفي الحاجة إلى إطار قانوني للعمل النقابي. إنها تعني التذكير بأن دولة تُضعف أطر الوساطة لديها بشكل منهجي، تُضعف في الآن ذاته قدرتها على امتصاص التوترات الاجتماعية عبر التفاوض بدل المواجهة. دور النقابات المستقلة، في الجزائر كما في غيرها، هو بالضبط توجيه الاحتقان نحو أشكال منظمة وسلمية. حرمانها من هذه القدرة لا يُلغي أسباب الاحتجاج، بل ينقل فقط الميدان الذي يُعبَّر عنه فيه، وقد يفتح الباب أمام أشكال احتجاج أقل تأطيرًا وأصعب على السلطات نفسها في التعامل معها.

أعلنت الكنابست أنها بصدد دراسة سبل الطعن المتاحة، بما فيها اللجوء إلى مجلس الدولة. وهذا هو الميدان الذي ينبغي أن يُحسم فيه هذا الملف، ميدان القانون لا القمع. وسيقول الدخول المدرسي المقبل ما إذا كان الأساتذة الجزائريون سيحتفظون، عبر هذا التنظيم أو غيره، بفضاء قانوني للدفاع الجماعي عن مطالبهم. وإلى أن يتضح ذلك، سأواصل، بصفتي الشخصية، متابعة هذا الملف بالصرامة نفسها التي أطبّقها على أي فاعل مؤسساتي: صرامة الوقائع، والقانون، والاحترام الواجب لمهنيين اختاروا الدفاع عن مهنتهم بوسائل سلمية.


المصادر

  1. TSA الجزائر – “نقابة الكنابست تحذر من حلها” https://www.tsa-algerie.com/le-syndicat-cnapeste-se-dit-menace-de-dissolution/
  2. لوماتان دالجيري – “الكنابست أمام مسار قضائي لحلها” https://lematindalgerie.com/le-cnapeste-face-a-une-procedure-de-dissolution-judiciaire/
  3. FIDH/OMCT – “الجزائر: مضايقات قضائية وإدارية ضد نقابة قطاع التربية الكنابست” https://www.fidh.org/fr/regions/maghreb-moyen-orient/algerie/algerie-harcelement-judiciaire-et-administratif-contre-le-syndicat-du
  4. راديو الصامتين – “النقابة التعليمية الكنابست مهددة بالحل” https://www.laradiodessansvoix.org/post/le-syndicat-enseignant-cnapeste-menac%C3%A9-de-dissolution
  5. العربي – “قبل أسابيع من الامتحانات.. جدل في الجزائر بسبب حل نقابة تربوية” https://www.alaraby.com/news/
  6. صحيفة لاحرار – معلومات حصلت عليها من مصادر نقابية بخصوص الحكم الصادر عن المحكمة الإدارية بالجزائر العاصمة

هيئة التحرير

شكرًا على قراءة المقال. اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية لتتلقى ملخصًا يوميًا لأحدث الأخبار.

هيئة التحرير
هيئة التحريرhttps://alahrar.net/
هيئة التحرير في «الأحرار» تشرف على إعداد الأخبار والتقارير ومراجعتها ونشرها، وفق الميثاق التحريري ومعايير الدقة والاستقلالية والشفافية المعتمدة في الصحيفة.
مقالات ذات صلة
spot_img

ملفات الأحرار

الأكثر شهرة