شنّت المقاتلات السعودية، مساء الجمعة 24 يوليو، غارات على مدينة الحديدة الساحلية الخاضعة لسيطرة الحوثيين، مستهدفة منشآت تابعة لهيئة الاتصالات وجزيرة كمران، وفق ما أعلنته وزارة خارجية الجماعة ونقلته قناة “المسيرة” التابعة لها. وردّت الدفاعات الجوية السعودية، بحسب ما أوردته “سي إن بي سي”، باعتراض صاروخين باليستيين أُطلقا من الأراضي اليمنية في اليوم التالي. هذه الضربات المتبادلة تأتي بعد أسابيع من التصعيد المتسارع الذي أعاد فتح ملف طُوي جزئياً منذ سنوات.
من مطار صنعاء إلى حصار البحر الأحمر: أسابيع متسارعة
بدأت الشرارة الأخيرة في 3 يوليو، حين هبطت في صنعاء أول رحلة إيرانية معلنة رسمياً منذ سنوات، فاتهم الحوثيون طائرات سعودية بمحاولة منع هبوطها. بعد عشرة أيام فقط، في 13 يوليو، قصفت السعودية مطار صنعاء الدولي نيابة عن الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، التي تبنّت الضربة معتبرة إياها إجراءً لمنع تكرار هبوط طائرات إيرانية في العاصمة الخاضعة للحوثيين. وردّ الحوثيون بصواريخ باتجاه الأراضي السعودية، بينما هدّد القيادي الحوثي محمد البخيتي، في تصريح لقناة “الجزيرة”، بفرض “حصار” على المملكة.
في السياق ذاته، أعلن الناطق العسكري باسم أنصار الله، يحيى سريع، في 20 يوليو حصاراً بحرياً كاملاً على السعودية رداً على ما وصفه بحصار مفروض على أراضي الجماعة. وتزامن الإعلان مع ادعاء حوثي باستهداف ناقلتي نفط سعوديتين في البحر الأحمر، ما دفع أربع سفن على الأقل، بحسب متتبعي الملاحة الذين استشهدت بهم مجلة “فورين بوليسي”، إلى تغيير مسارها نحو قناة السويس تجنباً لمخاطر العبور عبر باب المندب.
هدنة 2022: توازن هش لم يتحول قط إلى سلام كامل
منذ عام 2022، أوقفت هدنة برعاية أممية غير موقّعة رسمياً معظم العمليات العسكرية الواسعة بين التحالف الذي تقوده الرياض وجماعة الحوثي، من دون أن تُفضي إلى اتفاق سلام شامل. وقد أضاف وقف إطلاق النار في غزة، في أكتوبر 2025، طبقة أخرى من الهدوء، إذ علّق الحوثيون هجماتهم على إسرائيل والملاحة في البحر الأحمر. غير أن اندلاع الحرب بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى، في 28 فبراير 2026، أعاد خلط الأوراق: استأنف الحوثيون، في 28 مارس، إطلاق صواريخ باليستية على إسرائيل، معلنين انضمامهم رسمياً إلى الحرب الإقليمية بالتنسيق مع حزب الله وطهران.
وحتى بعد مذكرة التفاهم الموقعة في 14 يونيو بين واشنطن وطهران، والتي هدّأت الجبهة الإسرائيلية-الإيرانية مؤقتاً، ظل الملف اليمني عالقاً على صفيح ساخن، بحسب تقرير “مجلس الأمن الدولي” الشهري الصادر في يوليو. ما يفسر هشاشة هذا الهدوء أن الهدنة لم تُبنَ يوماً على معاهدة مكتوبة، بل على توازن ميداني قابل للانكسار عند أول احتكاك مباشر بين الطرفين.
الحوثيون بين محور المقاومة وحسابات صنعاء
تُظهر الأحداث الأخيرة أن الحوثيين لم يعودوا طرفاً محلياً معزولاً عن الحرب الإقليمية، بل ركيزة معلنة في ما تسميه طهران “محور المقاومة”. فبعد أيام من استئناف الحوثيين قصف إسرائيل، حذّر قائد “فيلق القدس” إسماعيل قاآني، في 9 يونيو، من أن استمرار التصعيد سيدفع محور المقاومة إلى بناء “حزام أمني” يمتد من مضيق هرمز إلى باب المندب. وبحسب ما نقلته وكالة “رويترز” عن مصادر مطلعة في 16 يوليو، أوعزت إيران للحوثيين بإغلاق البحر الأحمر أمام الملاحة إذا استهدفت واشنطن شبكة الكهرباء الإيرانية، مع نشر مسبق لطائرات مسيّرة وصواريخ قرب باب المندب.
ما يميّز هذه الجولة من التصعيد ليس تبادل الضربات في حد ذاته، بل تقاطعه المباشر مع حرب إقليمية أوسع تحوّل باب المندب من ورقة ضغط محلية إلى أداة في يد طهران ضمن معادلة أكبر تشمل مضيق هرمز والملاحة الدولية بأكملها.
الرياض بين ضغط الحوثيين وانقسام الحلفاء
تخوض السعودية هذا التصعيد وهي تحاول ترميم جبهتها الداخلية في جنوب اليمن. فبعد مواجهة مع قوات انفصالية مدعومة من الإمارات في المكلا أواخر 2025، تولّت الرياض المسؤولية الكاملة عن الحكومة الشرعية، فيما أعلنت أبوظبي سحب قواتها. لكن “المجلس الانتقالي الجنوبي” ما زال يسيطر على معظم محافظتي حضرموت والمهرة، وسط استياء متصاعد من تراجع خدمات المياه والكهرباء في الجنوب. وقد اعتبر عمرو البيض، نجل آخر رئيس لجنوب اليمن السابق وأحد أبرز الشخصيات الانفصالية، أن الإجراءات السعودية ضد الإمارات والانفصاليين أضعفت موقف الرياض في مواجهة الحوثيين.
في المقابل، أعلنت الحكومة الشرعية استئناف تصدير النفط من المناطق الجنوبية، بعد توقف دام منذ أن دمّر الحوثيون منشآت التصدير عام 2022، في خطوة تعكس محاولة لتعويض الخسائر الاقتصادية الناجمة عن التصعيد الأخير.
عُمان والأمم المتحدة يحاولان منع الانهيار الكامل
يواصل المبعوث الأممي إلى اليمن، هانس غروندبرغ، تنقلاته المكوكية بين الرياض ومسقط وعمّان، في محاولة لاحتواء التصعيد قبل أن ينفلت بالكامل. فقد التقى في 19 يوليو رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي وسفير السعودية لدى اليمن محمد آل جابر وممثلي الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن، قبل أن يتوجه إلى مسقط للتشاور مع المفاوض الحوثي محمد عبدالسلام. وفي 23 يوليو، أعرب الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، عن “قلقه البالغ” إزاء استئناف هجمات أنصار الله على السفن التجارية.
وتُظهر التجربة الأخيرة أن الوساطة ما زالت قادرة على تحقيق نتائج جزئية: ففي مايو 2026، توصل الطرفان، بدعم من عُمان وسويسرا واستضافة أردنية، إلى اتفاق للإفراج عن 1600 معتقل. غير أن هذا الإنجاز لم يمتد إلى ملف احتجاز 73 موظفاً أممياً ودولياً لدى الحوثيين، ما يكشف حدود الوساطة أمام ملفات أكثر ارتباطاً بموازين القوى الإقليمية.
ملايين اليمنيين على خط تصعيد لا يملكون قراره
يقع أكثر من 22 مليون يمني، بحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، في حاجة إلى مساعدات إنسانية خلال عام 2026، بينهم 18.3 مليون شخص يعانون من انعدام حاد في الأمن الغذائي و2.2 مليون طفل دون سن الخامسة يعانون من سوء تغذية حاد. وبحلول نهاية 2025، لم تُموَّل خطة الاستجابة الإنسانية بأكثر من 25% من احتياجاتها، فيما تلقّت برامج التغذية العلاجية أقل من 10% من التمويل المطلوب. أي تجدد فعلي للقتال البري أو استمرار الحصار البحري سيزيد الضغط على شبكات الإغاثة التي تصل أصلاً إلى جزء محدود من المحتاجين.
على الصعيد الاقتصادي، يهدد أي إغلاق فعلي لباب المندب بحرمان السعودية من مسار بديل تنقل عبره نحو خمسة ملايين برميل نفط يومياً بعد إغلاق مضيق هرمز، في وقت يمر عبر باب المندب نحو 7% من إنتاج النفط العالمي، بحسب شركة “كيبلر” لتحليل بيانات التجارة البحرية. وقد سجّل خام برنت، المرجع الدولي للأسعار، تراجعاً بنسبة 4% أواخر الأسبوع الماضي وسط تقلبات مرتبطة بمسار الحرب الإقليمية بأكملها.
تبقى المرحلة المقبلة رهينة بمدى استمرار الحصار الحوثي المعلن على السعودية، وبنتائج جولة جديدة من مشاورات غروندبرغ بين الرياض ومسقط، فيما يستعد مجلس الأمن الدولي لتجديد آلية الإبلاغ الشهري عن هجمات الحوثيين على الملاحة التجارية، والتي كانت مقررة أصلاً حتى منتصف يوليو.
المصادر
- الجزيرة نت – “الحوثيون يعلنون استهداف الحديدة” (24 يوليو 2026)
https://www.aljazeera.com/news/2026/7/24/saudis-strike-yemens-houthi-held-hodeida-rebel-media – تاريخ الاطلاع: 25 يوليو 2026 - مجلة فورين بوليسي – “Yemen’s Unsteady Stalemate” (22 يوليو 2026)
https://foreignpolicy.com/2026/07/22/yemen-houthis-sanaa-saudi-arabia-red-sea-hormuz-iran/ – تاريخ الاطلاع: 25 يوليو 2026 - مجلس العلاقات الخارجية (CFR) – “Another Hormuz? What to Know About the Houthi Threat to the Red Sea” (20 يوليو 2026)
https://www.cfr.org/articles/another-hormuz-the-red-seas-threat-to-the-global-economy – تاريخ الاطلاع: 25 يوليو 2026 - مكتب المبعوث الأممي الخاص لليمن (OSESGY) – بيان بشأن جهود التهدئة (23 يوليو 2026)
https://osesgy.unmissions.org/en/news/un-special-envoy-continues-engagements-on-de-escalation-in-riyadh – تاريخ الاطلاع: 25 يوليو 2026 - مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) – خطة الاستجابة الإنسانية لليمن 2026 (مارس 2026)
https://www.unocha.org/publications/report/yemen/yemen-humanitarian-needs-and-response-plan-2026-march-2026 – تاريخ الاطلاع: 25 يوليو 2026 - سي إن بي سي – “Saudi military strikes Iran-backed Houthi targets in Yemen” (25 يوليو 2026)
https://www.cnbc.com/2026/07/25/saudi-military-strikes-iran-backed-houthi-targets-yemen.html – تاريخ الاطلاع: 25 يوليو 2026 - أخبار الأمم المتحدة – اتفاق الإفراج عن 1600 معتقل يمني (مايو 2026)
https://news.un.org/en/story/2026/05/1167511 – تاريخ الاطلاع: 25 يوليو 2026
أحمد ناصر



