أعلنت وزارة الدفاع الوطني الجزائرية، في بيان صدر يوم الجمعة، إعادة فتح المجال الجوي الوطني بالكامل أمام حركة الطيران المالي، ليشمل القرار جميع الرحلات القادمة من مالي أو المتجهة إليها عبر مختلف الوجهات الدولية. وأمر رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون بعودة السفير كمال رتيب إلى باماكو، بعد أشهر من التعليق. وفي غضون ساعات، أعلنت الحكومة الانتقالية في مالي بدورها إعادة سفيرها إلى الجزائر وفتح مجالها الجوي أمام الطائرات المدنية والعسكرية الجزائرية، في خطوة وصفتها بأنها إعادة “دينامية” لعلاقات التعاون. ولا تبدو عودة السفراء تسوية لجوهر الخلاف حول مستقبل الأزواد ومصير اتفاق 2015، بقدر ما تعكس إدارة مشتركة لضرورة أمنية فرضتها الجغرافيا قبل أن تفرضها السياسة.
من إسقاط المسيّرة إلى إغلاق الأجواء: كيف بدأت القطيعة في أبريل 2025
تعود جذور الأزمة إلى منتصف ليل الأول من أبريل 2025، حين أعلن الجيش الجزائري إسقاط طائرة استطلاع مسلحة بدون طيار قرب منطقة تين زاوتين الحدودية، مؤكدا أنها اخترقت المجال الجوي الوطني لمسافة كيلومترين. وردت السلطات المالية بوصف الحادثة بأنها “عمل عدائي”، مؤكدة أن الطائرة دُمّرت داخل أراضيها، ورفعت شكوى رسمية إلى مجلس الأمن الدولي. وفي السابع من أبريل، أغلقت الجزائر مجالها الجوي أمام الملاحة القادمة من مالي أو المتوجهة إليها، فردّت باماكو بالمثل، وسحب البلدان سفيريهما، بينما استدعت دول تحالف الساحل، مالي والنيجر وبوركينا فاسو، سفراءها من الجزائر تضامنا مع باماكو. غير أن حادثة المسيّرة لم تكن سوى الشرارة الأخيرة لتوتر كان يتصاعد أصلا منذ أن أعلن المجلس العسكري في مالي، قبل أشهر من الحادثة، إنهاء العمل بـ”اتفاق الجزائر للسلام” الموقّع عام 2015 مع الحركات المسلحة الأزوادية.
حدود بطول 1300 كيلومتر تجمع الجارتين على ملفات أمنية متشابكة
يشترك البلدان في حدود برية تمتد لأكثر من 1300 كيلومتر عبر صحراء يصعب ضبطها، وهو ما يجعل من التنسيق الأمني ضرورة يصعب الاستغناء عنها مهما بلغت حدة الخلاف السياسي. ولطالما لعبت الجزائر دور الوسيط في النزاعات المالية منذ التسعينيات، وفق ما أكده الناطق الرسمي لجبهة تحرير الأزواد، الذي أشار إلى أن الجزائر “قادت كل اتفاقات السلام” في هذا الملف. اقتصاديا، يظل التبادل التجاري الرسمي بين البلدين محدودا، إذ لم تتجاوز صادرات الجزائر نحو مالي 16.3 مليون دولار عام 2019 وفق بيانات نشرها المجلس الأوروبي الأورومتوسطي للشؤون الخارجية، لكن تجارة المقايضة السلعية توسعت في السنوات الأخيرة لتصبح منتجات جزائرية حاضرة في أسواق الساحل. وقد ضاعف إغلاق المجال الجوي والقطيعة الدبلوماسية من كلفة هذا التبادل، دون أن يفضيا إلى أي تسوية للملفات الخلافية الأعمق.
أسبوع غيّر موازين باماكو: سقوط كيدال ومقتل وزير الدفاع
شهد أواخر أبريل 2026 منعطفا حادا في الداخل المالي. ففي الخامس والعشرين من الشهر، شنّت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين بالتحالف مع جبهة تحرير الأزواد هجمات منسقة استهدفت مواقع عسكرية وحكومية في عدة مدن، تزامنت مع تقارير عن استعادة الجبهة السيطرة على مدينة كيدال الاستراتيجية، وإن ظلت هذه المعطيات محل تضارب في التغطيات الإعلامية. وفي اليوم التالي، قُتل وزير الدفاع الجنرال ساديو كامارا في هجوم بسيارة مفخخة استهدف منزله في مدينة كاتي، إلى جانب زوجته وطفلين، وفق ما أكدته وكالة فرانس برس نقلا عن عائلته ومصدر حكومي. وأعلنت السلطات المالية الحداد الوطني يومين، مع تنكيس الأعلام. وكان كامارا، البالغ من العمر 47 عاما، الحلقة المباشرة مع موسكو والمهندس الأول لصفقة استقدام مجموعة فاغنر إلى مالي، ما جعل غيابه يفتح تساؤلات حول مستقبل التحالف العسكري مع روسيا في لحظة كانت فيها باماكو في أمسّ الحاجة إلى تهدئة جبهاتها الخارجية.
من فاغنر إلى الفيلق الإفريقي: الحسابات الروسية على الحدود الجزائرية
عارضت الجزائر مرارا وجود مرتزقة فاغنر في مالي، معتبرة أن مشاركتهم في محاربة الحركات الأزوادية شكلت أحد أسباب توتر الحدود. وبحسب محللين أمنيين، فإن الجزائر وقّعت في 22 يناير 2025 اتفاقا عسكريا مع القيادة الأميركية لأفريقيا خلال زيارة قائدها الجنرال مايكل لانغلي إلى الجزائر، في خطوة قرأها مراقبون كرسالة موجهة إلى موسكو بشأن الوجود الروسي عند حدودها الجنوبية. وفي يونيو 2025، أعلنت فاغنر إنهاء مهامها ومغادرة مالي بعد هزائم متتالية في كيدال، لكن الانسحاب لم يعنِ خروج روسيا من المعادلة، إذ حل محلها “الفيلق الإفريقي” الرسمي، بقوام يقارب ألفي عنصر ودبابات من طراز تي-72 وناقلات جند مدرعة، متمركزة في باماكو ومناطق الوسط والجنوب.
نفوذ جزائري متراجع في الساحل ومنافسة مغربية متصاعدة
تشير دراسة نشرها معهد الدراسات الأمنية في مارس 2026 إلى تراجع واضح في النفوذ الجزائري بمنطقة الساحل منذ انقلاب 2020 في مالي، بعدما اقتربت باماكو من موسكو وأعلنت إنهاء العمل باتفاق الجزائر. وفي السياق ذاته، سحبت مالي اعترافها بـ”الجمهورية الصحراوية” في أبريل 2026 وأبدت انسجاما متزايدا مع مبادرة المغرب بشأن الحكم الذاتي في الصحراء الغربية، وهو ما يعقّد حسابات الجزائر الإقليمية. وبحسب تحليل نشره موقع “هسبريس” المغربي، فإن عودة العلاقات بين الجزائر وباماكو تعكس “منطق المصالح والبراغماتية” أكثر مما تعكس توافقا في المواقف. في المقابل، كثّفت الجزائر منذ بداية 2026 تحركاتها لإعادة فتح قنوات مع النيجر وبوركينا فاسو، حيث زار رئيس المجلس العسكري النيجري الجزائر في فبراير الماضي، بالتوازي مع برنامج استثماري بقيمة 88 مليون دولار في قطاعي التعدين والطاقة ببوركينا فاسو.
ما الذي تغيّر فعليا في العاشر من يوليو
عمليا، اقتصرت خطوات العاشر من يوليو على استئناف تمثيل دبلوماسي كامل وإعادة فتح مجالين جويين ظلا مغلقين لأكثر من عام. ولم تتضمن البيانات الرسمية الصادرة عن الجانبين أي إشارة إلى استئناف التنسيق الأمني على الحدود بشكل رسمي، ولا إلى موقف موحد بشأن مصير اتفاق 2015 أو الوضع في كيدال. وقد وصفت الخارجية الجزائرية القرار بأنه يندرج في إطار إعادة العلاقات إلى “مسارها التاريخي والطبيعي”، بينما اكتفت باماكو بالحديث عن “إعادة الدينامية” لعلاقات التعاون والصداقة، دون أن يتطرق أي من البيانين إلى تفاصيل الخلافات التي أدت إلى القطيعة أصلا.
ما الذي بقي معلقا رغم عودة السفراء
يبقى السؤال الأهم مؤجلا: هل تتفق الجزائر ومالي على إطار سياسي جديد لمعالجة الملف الأزوادي بعد فشل اتفاق 2015 عمليا، أم تكتفيان بإدارة الملف من أزمة إلى أخرى؟ فالمجلس العسكري في باماكو يخرج من أسبوع دام أفقد فيه أحد أعمدته الأساسية، ويحتاج إلى تهدئة جبهته الشمالية أكثر من أي وقت مضى، بينما تسعى الجزائر إلى استعادة موقعها كوسيط إقليمي في ظل تنافس مغربي متصاعد على النفوذ في الساحل. المرحلة المقبلة ستحدد ما إذا كانت عودة السفراء بداية مسار تفاوضي أوسع، أم مجرد وقف مؤقت لنزيف دبلوماسي بلغت كلفته حدا لم يعد يخدم أيا من الطرفين.
المصادر
- الجزيرة نت – “الجزائر ومالي تنهيان قطيعة استمرت 14 شهرا.. ما القصة وما خلفياتها؟”
https://www.aljazeera.net/news/2026/7/11/الجزائر-ومالي-تنهيان-قطيعة-استمرت-14 – تاريخ الاطلاع: 16 يوليو 2026 - فرانس 24 عربي – “الجزائر تعلن إعادة فتح مجالها الجوي أمام طيران مالي وعودة سفيرها إلى باماكو”
https://www.france24.com/ar/الأخبار-المغاربية/20260711 – تاريخ الاطلاع: 16 يوليو 2026 - الجزيرة نت – “بعد مقتل وزير الدفاع وإعلان الحداد.. ما مصير قيادات مالي؟”
https://www.aljazeera.net/amp/news/2026/4/27/بعد-مقتل-وزير-الدفاع-وإعلان-الحداد-ما – تاريخ الاطلاع: 16 يوليو 2026 - هسبريس – “عودة العلاقات مع مالي تكشف تآكل أوراق ضغط الجزائر بمنطقة الساحل” (مصدر مغربي، يُعرض رأيه في الملف مع الإشارة إلى خطه التحريري)
https://www.hespress.com/عودة-العلاقات-مع-مالي-تكشف-تآكل-أوراق-ض-1775788.html – تاريخ الاطلاع: 16 يوليو 2026 - المجلس الأوروبي الأورومتوسطي للشؤون الخارجية – “الجزائر ومالي على المحك: أزمة الحدود تهدّد مستقبل العلاقات”
https://mecouncil.org/ar/publication/الجزائر-ومالي-على-المحك-أزمة-الحدود-ته/ – تاريخ الاطلاع: 16 يوليو 2026 - أقلام – “اتهامات مالي للجزائر وموريتانيا.. شماعة سياسية أم واقع جيوسياسي؟”
https://www.aqlame.com/node/42598 – تاريخ الاطلاع: 16 يوليو 2026
أحمد ناصر



