الرئيسيةالأخبارالوطنالجزائر وألمانيا بعد قمة برلين: هل يتحول الهيدروجين إلى شراكة تتجاوز الغاز؟

الجزائر وألمانيا بعد قمة برلين: هل يتحول الهيدروجين إلى شراكة تتجاوز الغاز؟

استقبلت برلين الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون يومي 16 و17 يوليو 2026 في زيارة رسمية تُوّجت بتوقيع أكثر من ثلاثين اتفاقية وإعلان مشترك حول الغاز والهيدروجين الأخضر. لكن خلف لغة "الشراكة الاستراتيجية"، يبقى سؤال اقتصادي معلقاً: هل يمنح ممر الهيدروجين الجزائر موطئ قدم داخل سلسلة القيمة الصناعية الأوروبية، أم يكرّس نموذجاً قديماً يقتصر فيه دورها على تصدير المادة الأولية؟

استقبل الرئيس الألماني فرانك-فالتر شتاينماير نظيره الجزائري في زيارة استمرت يومين، قبل أن يعقد لقاءً مع المستشار فريدريش ميرتس في المستشارية الاتحادية يوم الخميس 16 يوليو 2026. جاءت الزيارة بعد 14 يوماً فقط من وصول أول شحنة غاز طبيعي مسال جزائري مباشرة إلى محطة فيلهلمسهافن، وهو ما دفع ميرتس إلى وصف الجزائر بأنها باتت ثاني أكبر مورّد غاز للاتحاد الأوروبي منذ عام 2025. وخلال المؤتمر الصحفي المشترك، أكد تبون أن ألمانيا تنظر للمرة الأولى إلى الجزائر كمصدر لتأمين إمداداتها من الغاز، واصفاً بلاده بأنها شريك “لا يتخلى عن التزاماته” تجاه أوروبا.

ثلاثون اتفاقية وشحنة غاز مباشرة إلى فيلهلمسهافن

أفادت مصادر صحفية جزائرية بأن الزيارة أسفرت عن توقيع أكثر من ثلاثين اتفاقية تغطي الطاقة والاستثمار والصناعة، من بينها اتفاقيات متعلقة بالغاز والهيليوم والهيدروجين الأخضر وصناعة السيارات. وبحسب صحيفة “لوجون إندبندنت” الجزائرية، تدرس شركات ألمانية استثمارات تقارب 900 مليون دولار في السوق الجزائرية، في مؤشر على ثقة متنامية لدى أوساط الأعمال بالإصلاحات الجارية. كما حظي الرئيس الجزائري باستقبال رسمي في قصر فيلا بورسيغ، أحد مقار الضيافة الرسمية للدولة الألمانية. وذكّر تبون في تصريحاته بأن العلاقات بين البلدين لم تنقطع منذ استقلال الجزائر عام 1962، ووصفها بأنها متينة وخالية من الخلافات.

3300 كيلومتر من الأنابيب وسباق على أسواق الطلب الأوروبية

يحمل المشروع الأبرز الذي تناولته المباحثات اسم “ممر الجنوب للهيدروجين” (SoutH2 Corridor)، خط أنابيب مخصص بطول 3300 كيلومتر يربط الجزائر وتونس بإيطاليا والنمسا وصولاً إلى ألمانيا. وبحسب الموقع الرسمي للمشروع، يهدف الممر إلى نقل نحو 4 ملايين طن من الهيدروجين الأخضر سنوياً، منها حصة جزائرية تُقدَّر بنحو 1.2 مليون طن. ويعتمد المخطط على إعادة تأهيل ما بين 60% و70% من شبكة أنابيب الغاز القائمة أصلاً، وهو ما يقلّص كلفة الإنشاء مقارنة بمد شبكة جديدة بالكامل. وحصل المشروع في ديسمبر 2025 على صفة “مشروع ذي مصلحة مشتركة” ضمن لائحة الاتحاد الأوروبي للطاقة العابرة للحدود، ما يفتح له إمكانية تمويل أوروبي جزئي. وتقود التنفيذ أربع شركات نقل: “سنام” الإيطالية، و”تاغ” و”غاز كونكت أوستريا” في النمسا، و”باييرنتس” في ألمانيا. أعلنت “سنام” استثماراً بقيمة 200 مليون يورو ابتداءً من 2026 لتطويع 1920 كيلومتراً من شبكتها الإيطالية، ضمن خطتها للفترة 2026-2030، ودخل في ألمانيا أول قطاع من الأنبوب بطول 15 كيلومتراً حيز الخدمة في المثلث الكيميائي البافاري. ويندرج هذا الاهتمام الأوروبي ضمن برنامج “ريباور أوروبا” الذي يسعى لتنويع واردات الهيدروجين، غير أن الجزائر ليست الفاعل الوحيد المرشح لملء الممر: تتفاوض السعودية حالياً مع إيطاليا حول توجيه جزء من هيدروجينها عبر البنية نفسها، ما يضعها في منافسة مباشرة على حصة السوق الأوروبية.

الكهرباء والمياه: الشرطان الخفيّان لنجاح المشروع

لا يكتمل مشروع الهيدروجين الأخضر من دون شرطين نادراً ما يظهران في الخطاب الرسمي: الكهرباء المتجددة والمياه. فإنتاج الهيدروجين عبر التحليل الكهربائي للماء يستهلك كميات كبيرة من الطاقة النظيفة والمياه العذبة أو المحلاة. وتراهن الجزائر في هذا الجانب على مخطط “سونلغاز” الذي يستهدف 15 ألف ميغاواط من الطاقات المتجددة، بحسب الخبير بوخلفة يعيشي، مدير عام “غرين إنرجي كلاستر الجزائر”، الذي يرى أن البلاد قادرة على أن تصبح مركزاً إقليمياً يصدّر الكهرباء أيضاً، وأن إيطاليا تُعد أول وجهة مستهدَفة لهذا التصدير. وعلى الجانب المائي، أطلقت الشركة الجزائرية لتحلية المياه خلال عام 2026 دراسة جدوى لاستكشاف إمكانية دمج إنتاج الهيدروجين ضمن نشاطها، مع بحث سبل الاستفادة من المحلول الملحي الناتج عن عمليات التحلية. وما تزال هذه الخطوة في طور الدراسة، ولم تتحول بعد إلى مشروع تشغيلي محدد بجدول زمني.

من يملك التكنولوجيا؟ سؤال نقل المعرفة والكفاءات

تملك الجزائر معطيات طبيعية لافتة: إشعاعاً شمسياً يتجاوز 2000 ساعة سنوياً في أغلب مناطقها، ويصل إلى نحو 3900 ساعة في الهضاب العليا والصحراء، إضافة إلى إمكانات ريحية تُوصف بأنها الأكبر برياً في أفريقيا. غير أن هذه المعطيات لا تكفي وحدها. فبحسب تحليل نشره موقع “أبيليكا” المتخصص، يبقى نجاح القطاع مرهوناً بتأمين التمويل، وتوضيح الإطار التنظيمي، وإنجاز عمليات فعلية لنقل التكنولوجيا، إلى جانب مواكبة تطور كلفة أجهزة التحليل الكهربائي والطاقات المتجددة ووسائل النقل. وفي هذا السياق بالذات، خصّصت الزيارة الرئاسية حيّزاً للقاء الجالية الجزائرية المقيمة في ألمانيا، حيث وجّه تبون تعليمات لمرافقة الكفاءات الوطنية وإدماجها في دينامية التنمية، وهو ما يفتح نظرياً قناة إضافية لنقل الخبرة الهندسية بين البلدين إذا تُرجم إلى برامج ملموسة.

الجزائر مورّدة أم شريكة صناعية؟ الرهان الحقيقي لبرلين

يكمن الفارق الحاسم بين اتفاقية الغاز واتفاقية الهيدروجين لا في نوع الطاقة المصدَّرة، بل في موقع الجزائر داخل سلسلة القيمة: هل تظل مورّدة لمادة أولية يُعاد تحويلها في أوروبا، أم تتحول إلى شريك يستضيف جزءاً من هذا التصنيع على أراضيها؟ حتى الآن، تشير المعطيات المتاحة إلى أن استثمارات “سنام” الإيطالية موجّهة بالكامل لتطويع الشبكة داخل إيطاليا، فيما لا تتوفر بيانات معلنة موازية عن استثمار مماثل في الشطر الجزائري من الممر، سواء في محطات الإنتاج أو في تصنيع أجهزة التحليل الكهربائي محلياً. ويرى مراقبون أن مفهوم “وادي الهيدروجين” الذي تطوره الجزائر بدعم من الوكالة الهولندية للمشاريع يمثل محاولة لتفادي هذا السيناريو، عبر ربط الإنتاج بالتكوين الجامعي وبمشاركة “سوناطراك” و”سونلغاز” في تنويع نشاطهما. لكن المسافة بين هذا الطموح المعلن ومشروع صناعي متكامل قائم بذاته لا تزال بحاجة إلى ترجمة عملية بعقود استثمار محددة المعالم وجدول زمني ملزم.

تبقى المحطة المقبلة في هذا الملف اجتماعاً تنسيقياً يجمع ممثلي الدول الخمس المعنية بالممر، الجزائر وتونس وإيطاليا والنمسا وألمانيا، من المرتقب عقده في الجزائر خلال الأشهر المقبلة لتحديد الطرائق العملية لتطوير المشروع. وإلى حين انعقاد هذا اللقاء، تظل الاتفاقيات الموقعة في برلين إطاراً سياسياً يفتقر بعد إلى تفاصيل مالية وتقنية منشورة بخصوص الشطر الجزائري من البنية التحتية.


المصادر

  1. لوجون إندبندنت (Le Jeune Indépendant) — الجزائر-ألمانيا: الغاز والهيدروجين و900 مليون دولار من الاستثمارات
    https://www.jeune-independant.net/algerie-allemagne-gaz-hydrogene-et-900-millions-de-dollars-dinvestissements/ – تاريخ الاطلاع: 18 يوليو 2026
  2. مغرب إيمرجون (Maghreb Émergent) — في برلين، تبون وميرتس يتفقان على الغاز
    https://maghrebemergent.news/fr/a-berlin-tebboune-et-merz-sentendent-sur-le-gaz-la-question-gleizes-eludee/ – تاريخ الاطلاع: 18 يوليو 2026
  3. الموقع الرسمي لممر الجنوب للهيدروجين (SoutH2 Corridor)
    https://www.south2corridor.net/ – تاريخ الاطلاع: 18 يوليو 2026
  4. الجزائر اليوم (L’Algérie Aujourd’hui) — SoutH2: الإيطالية سنام تنتقل إلى الفعل
    https://lalgerieaujourdhui.dz/south2-litalienne-snam-passe-a-laction/ – تاريخ الاطلاع: 18 يوليو 2026
  5. بورتاي دو لا إنتليجانس إيكونوميك (Portail de l’IE) — ممر SoutH2: هل الجزائر حجر الزاوية في التحول الطاقوي الأوروبي؟
    https://www.portail-ie.fr/univers/2025/south2-corridor/ – تاريخ الاطلاع: 18 يوليو 2026
  6. مغرب إيمرجون (Maghreb Émergent) — تحلية المياه: سوناطراك تستكشف الهيدروجين الأخضر وتثمين المحلول الملحي
    https://maghrebemergent.news/fr/dessalement-sonatrach-explore-lhydrogene-vert-et-la-valorisation-de-la-saumure/ – تاريخ الاطلاع: 18 يوليو 2026

يوسف عبد الله

شكرًا على قراءة المقال. اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية لتتلقى ملخصًا يوميًا لأحدث الأخبار.

يوسف عبد الله
يوسف عبد اللهhttps://alahrar.net/
يوسف عبد الله صحفي اقتصادي يتابع قضايا الأسواق والطاقة والاستثمار وريادة الأعمال والتنمية المستدامة. يهتم بتحليل المؤشرات الاقتصادية وشرح أثر القرارات المالية في الشركات والأسر والمجتمعات، كما يتابع التحولات المرتبطة بالطاقة النظيفة والأمن الغذائي والمياه. يحرص في كتاباته على تقديم الأرقام في سياق واضح، بعيداً عن المصطلحات المعقدة والمبالغة.
مقالات ذات صلة
spot_img

ملفات الأحرار

الأكثر شهرة