في إحدى النوادر، يدفن جحا دراهمه في الصحراء، ويختار سحابة تظلل المكان علامةً يهتدي بها إليه. وحين يعود، تكون السحابة قد رحلت. يورد عباس محمود العقاد الحكاية، نقلاً عن الميداني، ضمن أخبار الرجل الذي أضحك الناس بسوء تقديره. لكن العقاد نفسه يجمع تحت اسم جحا شخصيات متباينة: ساذجاً يُخدع، وذكياً يسخر، ورجلاً يتظاهر بالبلاهة كي يحرج من يدّعون المعرفة. هذا التباين هو أول ما ينبغي الانتباه إليه عند البحث عن جحا التاريخي. فالاسم الذي وصل إلينا حمل أخبار أشخاص، وحكايات انتقلت بين اللغات، وإضافات صنعها الرواة. وقد يصبح بطل النادرة في بلد ما معلماً وقوراً، ثم يظهر في رواية أخرى عاجزاً عن فهم أبسط الأمور.
أبو الغصن وراوي الحديث: هوية مختلف عليها
تربط مصادر عربية جحا بأبي الغصن دُجين بن ثابت الفزاري، وتضعه في الكوفة خلال القرنين الأول والثاني للهجرة. غير أن اسمه ونسبه وتاريخ وفاته ليست محل اتفاق. وتعرض الموسوعة الإسلامية التركية اختلاف الروايات، ومنها ما يفصل بين صاحب النوادر وراوٍ للحديث يحمل اسماً وكنية متشابهين عاش في البصرة.
ويظهر هذا الاضطراب في المصادر القديمة نفسها. فالذهبي يذكر في «سير أعلام النبلاء» دُجين بن ثابت اليربوعي البصري، ويستدرك بعبارة «وقيل هذا آخر». ثم ينقل أقوالاً تربط بين الراوي وجحا، وأخرى تعترض على هذا الربط، إلى جانب أخبار تصفه بالعقل والظرف وتتهم الناس بالمبالغة في نسبة النوادر إليه. لذلك لا يصح تقديم هوية جحا بوصفه راوياً للحديث على أنها حقيقة محسومة، أو اعتبار كل حكاية شعبية تحريفاً متعمداً لسيرة رجل ثبتت هويته. الثابت هنا وجود تقاليد مختلفة في التعريف به، أما مطابقة أصحاب الأسماء المتشابهة فتحتاج إلى احتراز. ويذكر ابن النديم في «الفهرست»، في القرن العاشر الميلادي، كتاباً بعنوان «نوادر جحا» لم يصل إلينا، وفق الموسوعة التركية. وهذه إشارة إلى تداول مادة حكائية باسمه؛ وليست دليلاً على أن ابن النديم ألّف تلك النوادر أو جمعها بنفسه.
الحماقة والحكمة تتجاوران في الحكاية الواحدة
في كتابه الصادر سنة 1956، رفض العقاد حصر النوادر في صاحب واحد، مستنداً إلى اختلاف الأزمنة والبيئات والطباع. فبعض الأخبار يضع جحا في صدر الإسلام، وبعضها في العصر العباسي، وأخرى تقرّبه من تيمورلنك بعد قرون. وللتمييز بين الغفلة والتغافل أهمية في قراءة هذه الحكايات. من يتخذ سحابة علامة على كنز مدفون يخطئ فعلاً. أما من يتعمد جواباً ساذجاً لفضح سؤال متعجرف، فيستخدم الغفلة أداة للسخرية. وقد ضم العقاد إلى دراسته نوادر للحكمة وأخرى للحماقة وثالثة للتحامق، محافظاً على هذا الاختلاف بدلاً من تنقية الشخصية حتى تصبح حكيماً مثالياً. .
ومن هنا تأتي متعة الرواية: لا يعرف المستمع دائماً، منذ البداية، هل سيضحك من جحا أم سيضحك معه على الآخرين.
نصر الدين خوجة: الجذور الأناضولية ومشكلة تيمورلنك
في تركيا، تتجمع حكايات كثيرة حول نصر الدين خوجة. وتضع الرواية الشائعة مولده في قرية هورتو سنة 1208 ووفاته في آق شهر سنة 1284. لكن الموسوعة الإسلامية التركية تبدأ ترجمته بالتنبيه إلى الخلاف حول عصره وأسرته وتواريخ حياته، رغم وجود ضريح وآثار ووثائق مرتبطة باسمه. وتزداد صعوبة تحويل النوادر إلى سيرة حين يظهر خوجة في مجالس تيمورلنك. فهذه اللقاءات لا تستقيم مع التأريخ الذي يضع حياته في القرن الثالث عشر. وهي مثال على إلحاق الحكاية بشخصية مشهورة، ثم نقلها إلى زمن آخر يناسب موضوعها.
يتخذ خوجة في الروايات التركية أدواراً متعددة؛ يعمل في الحقل ويحتطب، وقد يكون قاضياً أو معلماً. وتتسع صورته للوقار والسخرية من الذات معاً. وانتشرت نوادره أيضاً في بلدان البلقان، حيث دخلت في تقاليد محلية تأثرت بالتاريخ العثماني. وقد لاحظ العقاد أن بعض نوادره يقوم على تلاعب بالألفاظ التركية يفقد معناه في لغة أخرى. وهو دليل على أن التداول لم يقتصر على الترجمة؛ فقد أضافت البيئات المحلية حكايات من صنعها..
أسماء محلية وقراءات مختلفة
لا تملك كل منطقة نسخة موحدة من جحا، ولا تتوقف الحكايات عند الحدود الحالية. لكن بعض الأسماء والاستعمالات يوضح اتساع هذه العائلة الحكائية:
| المنطقة | الاسم أو الصيغة المتداولة | جانب من حضوره |
|---|---|---|
| المغرب والجزائر | جحا، ويُنقل محلياً إلى اللاتينية بصيغ مثل Djeha وJha | شخصية مألوفة في الرواية الشعبية؛ انتقلت في الجزائر إلى المسرح بالدارجة. |
| مصر | جحا، ويُنقل نطقه إلى اللاتينية «Goha» | التقت تحت اسمه في الكتب المطبوعة نوادر عربية وأخرى مرتبطة بخوجة. |
| تركيا | نصر الدين خوجة | شخصية مرتبطة بمدن الأناضول، تتراوح أدوارها بين الرجل العادي والمعلم والقاضي. |
| إيران وأذربيجان وأفغانستان | ملا نصر الدين | حضور في الفكاهة والأدب؛ واكتسب الاسم استعمالاً سياسياً بارزاً في الصحافة الأذرية. |
| آسيا الوسطى والمجتمعات الأويغورية | أفندي، وأبندي، وصيغ أخرى لنصر الدين | تقاليد رواية محلية؛ ويُعرف لدى الأويغور أيضاً باسم «أفانتي». |
| صقلية | جيوفا، أو Giufà | تغلب في حكايات جمعها جوزيبي بيترِه شخصية الساذج الذي يأخذ الكلام على ظاهره. |
تستند هذه المقارنة إلى هذا المقال و موسوعة إيرانيكا، والمراجع المتخصصة الواردة في النص.
وتبرز الحالة الصقلية حدود وصف جميع النسخ بـ«الأحمق الحكيم». ففي قراءته لمجموعة بيترِه، يصف الباحث جاك زيبس «جيوفا» بأنه لا يدرك عواقب أفعاله، وقد يقوده الفهم الحرفي إلى تصرفات قاسية. وتظهر من خلال حماقته تناقضات المجتمع وخرافاته ومظالمه، حتى عندما لا يكون هو واعياً بنقدها.
المطبعة جمعت جحا العربي بخوجة التركي
ساهمت الطباعة في تثبيت الخلط بين الاسمين. ويرصد حسن جوادي في «إيرانيكا» طبعة مصرية من سنوات 1859–1860 تحمل عنواناً يجمع نصر الدين وجحا الرومي، ثم مجموعات وترجمات لاحقة ضمت مواد عربية وتركية وفارسية. وفي الأدب الفارسي، وردت حكايات باسم جحا لدى جلال الدين الرومي وعبيد زاكاني وغيرهما. وهنا تتغير وظيفة النادرة بحسب العمل الذي يستوعبها: قد تُستخدم في التأمل الأخلاقي أو السخرية الأدبية، ثم تعود في كتاب شعبي خفيف.
ويرجح جوادي أن التقليد المتداول تشكل من امتزاج مجموعتين حكائيتين مرتبطتين بجحا ونصر الدين، مع استمرار الإضافات. وهذا أدق من رسم رحلة مستقيمة تبدأ برجل واحد وتفسر كل النسخ اللاحقة بوصفها صوراً منقولة عنه.
في الجزائر، حمل جحا لغة الجمهور إلى الخشبة
اكتسبت الشخصية وظيفة جديدة مع مسرحية «جحا» التي قدمها علالو سنة 1926. فقد ساعد استعمال دارجة القصبة والكوميديا على الوصول إلى جمهور يجد لغته اليومية فوق الخشبة، في مرحلة كان اختيار لغة المسرح فيها موضع نزاع ثقافي. وبحسب دراسة إبراهيم واردي عن اللغة والممارسة المسرحية في الجزائر، تناولت المسرحية الزواج القسري، وأسهم نجاحها في ترسيخ مسرح قريب من الحياة الاجتماعية. وكان الجمهور يتعرف إلى الكلام والمواقف، بعدما ظل جانب من العروض بالفصحى موجهاً إلى فئات أضيق.
هكذا أضافت التجربة الجزائرية إلى تاريخ جحا سؤالاً يخص زمن الاستعمار: بأي لغة يستطيع المسرح مخاطبة الناس؟ لقد دخل البطل الشعبي في تأسيس علاقة بين الخشبة وجمهورها، وأصبح اسمه مرتبطاً بمحطة من تاريخ المسرح الجزائري.
حين صار «ملا نصر الدين» اسماً لصحافة معارضة
في تبليسي سنة 1906، بدأت مجلة «ملا نصر الدين» الساخرة في توظيف الشخصية ضمن مشروع صحافي إصلاحي. وحملت المقالات والرسوم نقداً للاستبداد والاستعمار، ولعلاقات اجتماعية تحرم النساء والفئات الضعيفة من حقوقها. تشرح جانيت أفاري وكامران أفاري أن كتّاب المجلة وفنانيها أعادوا بناء البطل الشعبي ليتدخل في سجالات عصرهم، وسط التحولات التي شهدتها روسيا وإيران والدولة العثمانية. وقد أتاحت له الصحافة موقفاً سياسياً أكثر تحديداً مما تحمله النادرة المتنقلة بين الرواة.
ولا يجعل ذلك جحا ثائراً في كل رواية. فالسخرية قد تفضح سلطة أو تمنح الناس متنفساً عابراً، وقد ترتد على صاحبها. يتحدد معناها بمن يروي الحكاية، وبالشخص الذي يقع عليه الضحك.
تراث مشترك لا شهادة ميلاد
في عام 2022، أُدرج تقليد رواية نوادر نصر الدين على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية، بملف مشترك شاركت فيه أذربيجان وكازاخستان وقيرغيزستان وطاجيكستان وتركيا وتركمانستان وأوزبكستان. يتعلق الإدراج بممارسة حية: رواة ومجالس ومهرجانات، وحكايات تنتقل شفوياً وبالكتب ووسائل الإعلام. ولا يحسم هوية رجل عاش قبل قرون، ولا يمنح دولة ملكية حصرية للشخصية.
تتيح هذه الرحلة قراءة أكثر إنصافاً لجحا: نبحث في المصادر عن أشخاص محتملين، وفي الحكايات عن المجتمعات التي أعادت روايتهم. أما جمع كل النوادر في سيرة واحدة، فيضع صاحب السحابة في المشكلة نفسها التي صنعها لنفسه؛ إذ نحاول تثبيت شيء ظل يتحرك طوال الوقت.
هيئة التحرير – جريدة الأحرار



