الرئيسيةالأخبارالشرق الأوسطمن يحكم غزة بعد الحرب؟ الإدارة الانتقالية والقوة الدولية المرتقبة

من يحكم غزة بعد الحرب؟ الإدارة الانتقالية والقوة الدولية المرتقبة

أعلنت حركة حماس في 6 تموز/يوليو 2026 حل لجنة متابعة العمل الحكومي في غزة تمهيدا لتسليم صلاحياتها إلى اللجنة الوطنية لإدارة القطاع، فيما وافق مجلس الوزراء المصغر الإسرائيلي بعد ثلاثة أسابيع على دخول أولى وحدات القوة الدولية للاستقرار. غير أن هذا الانتقال المتسارع يطرح أسئلة أعمق من مسألة نزع السلاح وحدها: من يملك السلطة الفعلية على الأرض، ومن يمول إعادة الإعمار، وهل تبقى غزة تحت وصاية خارجية بعيدا عن أي سيادة فلسطينية حقيقية.

عشرة أشهر بعد دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في تشرين الأول/أكتوبر 2025، لا يزال قطاع غزة بلا حكومة بالمعنى المتعارف عليه. اللجنة الوطنية لإدارة غزة، وهي هيئة تكنوقراطية من خمسة عشر عضوا يرأسها المهندس علي شعث، تنتظر منذ أشهر لحظة تسلم مهامها فعليا، بينما تواصل الأجهزة الشرطية ووزارة الداخلية التابعة لحكومة حماس السابقة إدارة الشؤون اليومية للحفاظ على النظام العام. في المقابل، بدأت قوة الاستقرار الدولية، وهي الذراع الأمنية للمخطط الأمريكي، خطواتها الأولى نحو الدخول إلى القطاع بعد موافقة إسرائيلية مشروطة.

حماس تسلّم الملف المدني للجنة تكنوقراطية من 15 عضوا

أعلن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة في 6 يوليو 2026 حل لجنة متابعة العمل الحكومي واستقالة رئيسها بالإنابة محمد عبد الخالق الفرا، تمهيدا لنقل صلاحياتها إلى اللجنة الوطنية لإدارة غزة برئاسة الدكتور علي شعث. وبحسب ورقة تحليلية صادرة عن مركز فلسطيني متخصص، اعتمدت الجهات الحكومية ترتيبات انتقالية تقضي باستمرار رؤساء المؤسسات الحكومية كهيئة مؤقتة، مع مواصلة الموظفين الفنيين والمهنيين أداء مهامهم إلى حين استكمال انتقال الصلاحيات. من جهته، شدد علي شعث على أن نجاح المرحلة الانتقالية يتطلب “سلطة واحدة وقانون واحد وسلاح يخضع لتلك السلطة”، في صياغة رأى فيها محللون قربا لافتا من المفردات التي استخدمها المستشار الأمريكي جاريد كوشنر في مخططاته لنزع سلاح غزة.

اللجنة، التي لا تضم أي ممثل عن حركة حماس ولا عن السلطة الفلسطينية في رام الله، أعلنت في يناير 2026 وتقودها شخصية تكنوقراطية مستقلة عن الفصائل. وهنا يكمن أول تحول جوهري في طبيعة الحكم بغزة: الانتقال من سلطة سياسية مسلحة إلى هيئة إدارية معينة من خارج المنظومة الحزبية الفلسطينية التقليدية، من دون أن يعني ذلك بالضرورة انتقال القرار الفعلي إلى الفلسطينيين أنفسهم.

من القرار الأممي 2803 إلى ميلاد “مجلس السلام”

هذا الترتيب لا ينبع من توافق فلسطيني داخلي، بل من بنية دولية أرستها الأمم المتحدة قبل ثمانية أشهر. تبنى مجلس الأمن الدولي في 17 نوفمبر 2025 القرار 2803 بأغلبية 13 صوتا مقابل صفر وامتناع روسيا والصين عن التصويت، مقرا بذلك الخطة الأمريكية الشاملة لإنهاء الحرب على غزة. القرار أنشأ هيكلين متوازيين: “مجلس السلام” بصفته سلطة انتقالية مؤقتة، و”قوة الاستقرار الدولية” المخولة بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة استخدام “كل الوسائل اللازمة” لتنفيذ مهمتها في نزع سلاح الجماعات المسلحة غير الحكومية والتنسيق مع إسرائيل ومصر على الحدود.

وقّع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ميثاق مجلس السلام في 22 يناير 2026 على هامش منتدى دافوس، متوليا رئاسته بنفسه. انضمت إلى المجلس نحو 35 دولة، من دون أن تحسم أي دولة أخرى من مجموعة السبع الكبار موقفها بشكل رسمي. وفي اجتماعه الافتتاحي بواشنطن في 19 فبراير 2026، أعلن ترامب التزام الولايات المتحدة بتقديم عشرة مليارات دولار للمجلس، فيما تعهدت قطر والسعودية والإمارات بمليار دولار على الأقل لكل منها، علما أن ميثاق المجلس يفرض على الدول الراغبة في مقعد دائم دفع مليار دولار.

القوة الدولية وشرطة غزة الجديدة: من يوفر الرجال ومن يدربهم

على الصعيد الأمني، يقود قوة الاستقرار الدولية الجنرال الأمريكي جاسبر جيفرز، فيما لا يزال منصب نائب القائد المخصص لإندونيسيا شاغرا. التزمت خمس دول رسميا بإرسال قوات هي إندونيسيا والمغرب وكازاخستان وكوسوفو وألبانيا، فيما التزمت مصر والأردن بتدريب الشرطة الفلسطينية. غير أن الفارق بين الالتزام السياسي والتنفيذ الفعلي بقي واسعا: أفاد مسؤول في مجلس السلام بأن المجلس حصل على تعهدات بخمسة آلاف جندي من دول مختلفة، لكن عددا محدودا فقط من ممثلي المغرب وكوسوفو وألبانيا وكازاخستان وصل فعليا إلى إسرائيل استعدادا للانتشار.

في 26 يوليو 2026، وافق مجلس الوزراء المصغر الإسرائيلي على دخول قوات القوة الدولية إلى غزة بانتشار أولي لا يتجاوز مئتي عنصر، بموافقة رئيس الوزراء ووزيري الدفاع والخارجية، فيما صوّت وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير ضد القرار بحجة أن حماس لم تفِ بالتزامها بنزع السلاح. وقّع المغرب اتفاقية المشاركة قبل ذلك بعشرة أيام، وأعلن مجلس السلام أن القوات المغربية ستساعد في تدريب الشرطة الفلسطينية الجديدة، إلى جانب مشاركة أوغندية محتملة. أما جيل الشرطة نفسه، فقد أنهى نحو خمسة آلاف مرشح فلسطيني عملية الفرز الأمني تمهيدا لتدريب مكثف خارج القطاع، من أصل أكثر من مئتي ألف طلب تقدم بها فلسطينيون منذ فتح باب التسجيل.

سبعون مليار دولار مطلوبة ولا شيء يصل: أزمة تمويل الإعمار

فالانتقال من حكم حركة مسلحة إلى لجنة تكنوقراطية معينة من الخارج لا يعني تلقائيا انتقال السلطة إلى الفلسطينيين أنفسهم، بل قد يكرس نمطا جديدا من الوصاية بأدوات إدارية بدل الأدوات العسكرية. يقدّر تقييم مشترك بين الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة صدر في أبريل 2026 أن إعادة إعمار غزة تتطلب أكثر من 71 مليار دولار على مدى عقد كامل، بينما يصف برنامج الأغذية العالمي وضع نحو 77 في المئة من سكان القطاع بأنهم يعانون انعداما حادا في الأمن الغذائي خلال عام 2026. ومع ذلك، أقر مجلس السلام في تقرير نصف سنوي رفعه إلى مجلس الأمن في مايو 2026 بأنه لا يزال ينتظر جزءا كبيرا من 17 مليار دولار وعدت بها الولايات المتحدة ودول خليجية.

الأدهى أن آلية إدارة هذه الأموال نفسها مثار تساؤل: كشفت صحيفة فايننشال تايمز أن التبرعات كانت تودع مباشرة في حساب لدى بنك جي بي مورغان تابع للمجلس، من دون أي متطلبات شفافية مستقلة. وبحسب تحليل صادر عن مركز أبحاث دولي معترف به، لا يحدد ميثاق مجلس السلام آليات رقابة أو تدقيق واضحة، ولا قواعد بشأن تضارب المصالح، فيما يملك رئيس المجلس سلطة نهائية على ميزانيته.

إدارة بلا سيادة: السؤال الذي يتجاوز نزع السلاح

الغياب الأبرز في هذه المنظومة كلها يتعلق بموقع السلطة الفلسطينية والفلسطينيين أنفسهم من صناعة القرار. خلال مداولات مجلس الأمن، لاحظ ممثل باكستان أن عدة اقتراحات مهمة لم تظهر في نص القرار، من بينها مسار سياسي واضح نحو الدولة الفلسطينية وتأكيد الدور المحوري للسلطة الفلسطينية في الحكم وإعادة الإعمار. مراكز أبحاث فلسطينية، من بينها مؤسسة الشبكة، ترى أن المخطط الأمريكي يخلو من أي نقاش حول السيادة الفلسطينية، وأن الفلسطينيين استبعدوا من أي دور فعلي في صناعة القرار المتعلق بمستقبل قطاعهم.

في السياق ذاته، حذر محللون فلسطينيون من أن اللجنة التكنوقراطية قد تتحول إلى نموذج وصاية دولية يمتد أثره إلى بقية الأراضي الفلسطينية، لا سيما أن أعضاء مجلس السلام أنفسهم غير مقبولين لدى شرائح واسعة من الممثلين السياسيين الفلسطينيين. وفي تحليل نشرته صحيفة عربية بارزة، جرى التذكير بأن إدارة تكنوقراطية تدير المدارس والمستشفيات وملفات الإعمار من دون سلطة فعلية على الحدود أو الأمن أو الحياة السياسية تبقى إدارة منزوعة الصلاحيات الحقيقية أمام قوة احتلال لا تزال تسيطر ميدانيا على أجزاء واسعة من القطاع.

الانسحاب الإسرائيلي شرط لتفعيل السلطة الفلسطينية الجديدة

لا تزال إسرائيل تحتفظ بالسيطرة على أكثر من 60 في المئة من مساحة قطاع غزة، بما في ذلك جميع المعابر الحدودية، فيما تشير تقديرات أخرى إلى نسبة تقترب من 70 في المئة. وقد وضعت اللجنة الوطنية لإدارة غزة نفسها شرطا صريحا لتفعيل صلاحياتها: أعلنت في أواخر يوليو 2026 أنها لن تتولى السلطة الفعلية إلا بعد انسحاب القوات الإسرائيلية، في تناقض ظاهر مع تصريحات مسؤولين إسرائيليين اعتبروا أن المرحلة الأولى من الخطة لا تستلزم انسحابا كاملا.

يضاف إلى ذلك استحقاق سياسي داخلي إسرائيلي، إذ من المقرر إجراء انتخابات تشريعية في تشرين الأول/أكتوبر 2026، وهو ما قد يبطئ أي قرار حكومي حاسم بشأن الانسحاب أو توسيع صلاحيات القوة الدولية. ملف نزع سلاح حماس، الذي رفضته الحركة صراحة عند تبني القرار الأممي، لا يزال بدوره معلقا من دون جدول زمني واضح، بينما تتوقف عليه، بحسب بنود القرار نفسه، خطوات لاحقة في مسار الانسحاب وإعادة الإعمار.

المصادر

  1. الأمم المتحدة – مجلس الأمن – بيان اعتماد القرار 2803 بشأن قوة الاستقرار الدولية في غزة
    https://press.un.org/en/2025/sc16225.doc.htm – تاريخ الاطلاع: 2 أغسطس 2026
  2. رويترز (عبر AOL) – التزام خمس دول بإرسال قوات لقوة غزة الدولية للاستقرار
    https://www.aol.com/articles/five-countries-commit-troops-gaza-160932191.html – تاريخ الاطلاع: 2 أغسطس 2026
  3. مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي – تحليل تمويل مجلس السلام وإعادة إعمار غزة
    https://carnegieendowment.org/research/2026/03/the-board-of-peace-and-funding-for-gaza-reconstruction-on-whose-account – تاريخ الاطلاع: 2 أغسطس 2026
  4. مكتبة مجلس العموم البريطاني – تقرير غزة 2026: مجلس السلام واللجنة الانتقالية الوطنية
    https://commonslibrary.parliament.uk/research-briefings/cbp-10492/ – تاريخ الاطلاع: 2 أغسطس 2026
  5. FDD’s Long War Journal – موافقة إسرائيل على دخول قوة الاستقرار الدولية إلى غزة
    https://www.longwarjournal.org/archives/2026/07/israel-approves-entry-of-international-stabilization-force-into-gaza.php – تاريخ الاطلاع: 2 أغسطس 2026
  6. اللجنة الوطنية لإدارة غزة https://www.ncag.ps
  7. الجزيرة – أسباب أزمة تمويل مجلس السلام لإعادة إعمار غزة
    https://www.aljazeera.com/economy/2026/5/20/why-is-trumps-gaza-board-of-peace-facing-a-funding-shortfall – تاريخ الاطلاع: 2 أغسطس 2026

أحمد ناصر

شكرًا على قراءة المقال. اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية لتتلقى ملخصًا يوميًا لأحدث الأخبار.

أحمد ناصر
أحمد ناصرhttps://alahrar.net/
أحمد ناصر صحفي يهتم بالشؤون السياسية والعلاقات الدولية والتحولات الجيوسياسية في العالم العربي والشرق الأوسط. يتابع الملفات الدبلوماسية والأمنية والانتخابات والحياة الحزبية، ويعمل على تقديم قراءة هادئة للأحداث تربط بين الخبر وسياقه السياسي والتاريخي. يركز في مقالاته على تحليل مواقف الفاعلين الرئيسيين وتوضيح انعكاسات القرارات الدولية على المنطقة.
مقالات ذات صلة
spot_imgspot_imgspot_img

ملفات الأحرار

الأكثر شهرة