الرئيسيةالأخبارالشرق الأوسطغزة بعد اتفاق نزع سلاح حماس: لماذا تتواصل الغارات الإسرائيلية؟

غزة بعد اتفاق نزع سلاح حماس: لماذا تتواصل الغارات الإسرائيلية؟

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الخميس 30 يوليو/تموز 2026، ما وصفه مسؤولو "مجلس السلام" الأميركي بـ"اختراق" يقضي بنزع سلاح حركة حماس بالكامل في قطاع غزة، بعد أن أكدت الحركة موافقتها المشروطة على الخطة يوم الجمعة. غير أن الجيش الإسرائيلي واصل غاراته على القطاع يوم السبت، إذ قتل سبعة فلسطينيين على الأقل ودمر مستودعي أدوية قرب أحد المستشفيات، ما يكشف المسافة الفاصلة بين لغة الإعلان الدبلوماسي والوقائع الميدانية.

يأتي إعلان مجلس السلام بعد أشهر من مفاوضات وصفها مسؤولون أميركيون بـ”الحساسة”، قادها وسطاء من مصر وقطر وتركيا، وذلك بعد نحو عشرة أشهر من دخول اتفاق وقف إطلاق النار الأول بين إسرائيل وحماس حيز التنفيذ في 11 أكتوبر/تشرين الأول 2025، عقب عامين من حرب اندلعت إثر هجوم الحركة على إسرائيل في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. وبحسب ما أورده مسؤولون أميركيون لوسائل إعلام، فإن الشروط التفصيلية لعملية نزع السلاح ستُنشر خلال أسبوعين، على أن ينتقل الطرفان من مرحلة إلى أخرى فقط بعد “تحقق موثق” تشرف عليه لجنة مختصة، فيما يُتوقع ظهور “تقدم ملموس” خلال شهر أو شهرين وفق مصدر أميركي.

نزع سلاح “كامل” مقابل انسحاب بلا موعد محدد

يقوم الإطار المُعلن على مبدأ التبادل التدريجي: تسلّم حماس أسلحتها، فينسحب الجيش الإسرائيلي تدريجيا، فيما تتولى قوة تحقيق استقرار دولية مهمة مساعدة جهاز شرطة فلسطيني جديد على ضبط الأمن في القطاع. وأكد المسؤول في حماس غازي حماد، الجمعة، أن الحركة وافقت على نزع سلاحها، لكنه ربط ذلك بشروط واضحة: وقف إسرائيل لإطلاق النار وإنهاء عمليات الاغتيال المستهدف في غزة، وانسحاب قواتها إلى ما يُعرف بـ”الخط الأصفر”، وفتح المجال أمام تدفق واسع للمساعدات الإنسانية بما يتسق مع اتفاق أكتوبر الأصلي. كما ربطت الحركة الموافقة بنشر فعلي لقوة تحقيق الاستقرار الدولية في القطاع.

في المقابل، اشترطت حماس أيضا أن يفضي المسار إلى دولة فلسطينية في نهاية المطاف، وهو بند لم يرد في إعلان ترامب وترفضه إسرائيل صراحة. هذا التباين بين ما أعلنته واشنطن وما تضعه الأطراف من شروط إضافية يفسر جزئيا سبب بقاء الاتفاق، بحسب وصف المسؤولين أنفسهم، “قائما على شروط” لا اتفاقا مكتملا.

غارات السبت: الفجوة بين خطاب الاختراق ووقائع الميدان

بعد أقل من 48 ساعة على إعلان ترامب، قتلت غارات إسرائيلية متفرقة سبعة فلسطينيين على الأقل عبر قطاع غزة يوم السبت 1 أغسطس/آب 2026، بحسب ما نقلته الجزيرة عن مصادر طبية. وأوقعت غارة بطائرة مسيّرة قتيلين في حي الشيخ رضوان بمدينة غزة، فيما قتل قصف آخر شخصين في حي الريس جنوب المدينة، وقُتل شخص إضافي وأصيب آخرون في قصف على شارع الثلاثيني، وفق ما أفادت به أجهزة الطوارئ المحلية. وفي موازاة ذلك، دمرت غارة ليلية مستودعي أدوية ملحقين بمستشفى الأقصى للشهداء في دير البلح وسط القطاع، إضافة إلى إلحاق أضرار بالعيادة الخارجية للمستشفى، بحسب وزارة الصحة الفلسطينية.

ووصف منير البرش، مدير عام الوزارة، الخسائر الناجمة عن تدمير المستودعات بـ”الجسيمة” في تصريحات لقناة الجزيرة. في المقابل، أعلن الجيش الإسرائيلي وجهاز الأمن الداخلي “الشاباك” أنهما دمرا خمسة مستودعات أسلحة تابعة لحماس ليلا، أحدها قرب مستشفى الأقصى، من دون تقديم تفاصيل إضافية حول هوية من استُهدفوا في الضربات الأخرى، بحسب ما نقلته رويترز عن متحدث عسكري إسرائيلي. وأشارت الوكالة إلى أن الجيش الإسرائيلي قتل 1,222 فلسطينيا في غزة خلال الأشهر التسعة الماضية منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، بحسب مسؤولين صحيين فلسطينيين الذين قالوا إن غالبية القتلى من النساء والأطفال. الفارق بين وتيرة القتلى اليومية في غزة ولغة “الاختراق التاريخي” الصادرة عن واشنطن يكشف أن وقف إطلاق النار الموقّع قبل عشرة أشهر لم يتحول بعد إلى وقف فعلي لإطلاق النار، بل بقي إطارا سياسيا تتعايش تحته الدبلوماسية والغارات العسكرية في آن واحد.

نتنياهو صامت علنا، واليمين المتطرف يرفض الاتفاق

لم يصدر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أي رد رسمي منذ إعلان ترامب، غير أن مكتبه أصدر بيانا قبل ساعات من الإعلان اشترط فيه “التجريد الكامل من السلاح” وإزالته من غزة كشرط مسبق لأي مسار، وفق ما أوردته صحيفة تايمز أوف إسرائيل. وأضاف مسؤول إسرائيلي، السبت، أنه لن يكون هناك “أي انسحاب على الإطلاق” من الخطوط الحالية للجيش ما لم تخضع حماس لعملية نزع سلاح “حقيقية”، في أول توضيح ملموس لموقف إسرائيل منذ رفض مكتب نتنياهو، الخميس، خطة مجلس السلام المؤلفة من 15 بندا لعدم استيفائها شرط التجريد الكامل.

وذهب داني دانون، مندوب إسرائيل الدائم لدى الأمم المتحدة، إلى أن على حماس أن تنزع سلاحها “فعليا” قبل أي تقدم، محذرا من أن ما وصفه بـ”حلول تجميلية” لن تكون مقبولة لدى تل أبيب. أما وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير فرفض الاتفاق كليا، معتبرا أن وقف عمليات الاغتيال المستهدفة ضد قيادات حماس يفتح الباب أمام إعادة تنظيم الحركة. وفي الجهة المقابلة من الخريطة السياسية، اتهم زعيم المعارضة غادي آيزنكوت، أبرز منافسي نتنياهو قبل انتخابات أكتوبر/تشرين الأول المقبلة، رئيس الوزراء بـ”الاستسلام” من دون تحقيق أهداف الحرب المعلنة. هذا التجاذب الداخلي، على أعتاب استحقاق انتخابي، يجعل من توقيت أي انسحاب فعلي رهينة الحسابات السياسية بقدر ما هو رهينة الملف الأمني.

السلاح تحت وصاية من؟ نقطة الخلاف التي لم تُحل بعد

يكمن جوهر الخلاف في مسألة تبدو تقنية لكنها حاسمة سياسيا: من يحتفظ بالسلاح خلال المرحلة الانتقالية؟ فبحسب مصدر إسرائيلي نقلته صحيفة جيروزاليم بوست، تقضي الخطة بوضع كل الأسلحة الثقيلة والخفيفة تحت سيطرة لجنة فلسطينية لإدارة غزة، بالتنسيق مع قوة تحقيق الاستقرار الدولية التي يقودها جنرال أميركي برتبة لواءين، لا تحت سيطرة إسرائيلية مباشرة. هذا يتعارض مع مطلب نتنياهو بـ”تجريد كامل” يفترض ضمنا إشرافا إسرائيليا أوثق. وذكر مصدر مقرب من حماس أن الحركة لا تزال تنتظر ردا إسرائيليا على تعديلات تقدمت بها بشأن بند السلاح في خارطة الطريق، من دون مزيد من التفاصيل.

الفجوة بين الطرفين ليست جديدة: فقد أوقفت مسألة نزع السلاح مفاوضات مماثلة لأشهر قبل إعلان الخميس، وتبقى إعادة صياغتها السياسية أكثر من كونها حلا فعليا للخلاف الجوهري، بحسب تحليل نشره المجلس الأطلسي. تصر حماس على ربط تسليم سلاحها بانسحاب إسرائيلي كامل من غزة، بينما يصر الجيش الإسرائيلي على البقاء في مواقعه الحالية إلى حين اكتمال نزع السلاح، في معادلة دائرية لم تجد بعد من يكسرها.

ما الذي يستحق المتابعة في الأسابيع المقبلة

تتواصل حاليا مباحثات في القاهرة بين وسطاء أميركيين وقطريين وأتراك لحل نقاط الخلاف حول الالتزام بالاتفاق، وسط ترقب لأي بيان إسرائيلي رسمي يبني على تصريحات مصدر حكومي مجهول الهوية أدلى بها السبت. وأشارت تايمز أوف إسرائيل إلى أن الوسطاء حددوا مهلة مبدئية مدتها 14 يوما لضبط جدول زمني للتنفيذ، وإن كان هذا التفصيل لم يرد بعد في مصادر أخرى مستقلة. وستراقب لجنة التحقق من التنفيذ، إذا تشكلت فعليا، مدى احترام كل طرف لالتزاماته قبل الانتقال إلى مراحل لاحقة تشمل الانسحاب وتشكيل الشرطة الفلسطينية الجديدة.

إلى أن تُحسم هذه المسائل، سيبقى معيار الحكم على “الاختراق” الأميركي هو عدد الغارات اليومية على غزة لا البيانات الصادرة من واشنطن. فحتى صدور موقف إسرائيلي رسمي واضح بشأن تسلسل نزع السلاح والانسحاب، تواصل الوقائع الميدانية، من مستودعات الأدوية المدمرة إلى حصيلة القتلى اليومية، اختبار الفارق بين لغة الاتفاق ومضمونه.


المصادر

  1. Reuters – “Israeli strikes kill two in Gaza, destroy medicine storage warehouses”
    https://www.al-monitor.com/originals/2026/08/israeli-strikes-kill-two-gaza-destroy-medicine-storage-warehouses – تاريخ الاطلاع: 2 أغسطس 2026
  2. Al Jazeera – “Israeli strikes kill seven across Gaza, destroy medical supply warehouse”
    https://www.aljazeera.com/news/2026/8/1/israeli-strikes-kill-four-across-gaza-destroy-medical-supply-warehouse – تاريخ الاطلاع: 2 أغسطس 2026
  3. CNN – “Trump announces a breakthrough in Gaza – but there are major caveats. Here’s what we know”
    https://www.cnn.com/2026/07/31/middleeast/trump-hamas-disarmament-announcement-intl – تاريخ الاطلاع: 2 أغسطس 2026
  4. The Times of Israel – “Trump claims Israel ‘very happy’ about Hamas disarmament deal, as Netanyahu indicates otherwise”
    https://www.timesofisrael.com/trump-claims-israel-very-happy-about-hamas-disarmament-deal-as-netanyahu-indicates-otherwise/ – تاريخ الاطلاع: 2 أغسطس 2026
  5. Atlantic Council – “10 questions (and expert answers) about the deal to disarm Hamas”
    https://www.atlanticcouncil.org/dispatches/questions-and-expert-answers-about-the-deal-to-disarm-hamas/ – تاريخ الاطلاع: 2 أغسطس 2026
  6. The Jerusalem Post – “Sources to ‘Post’: Israel rejects Hamas disarmament plan, no IDF pullout until Gaza demilitarized”
    https://www.jpost.com/middle-east/article-904113 – تاريخ الاطلاع: 2 أغسطس 2026

حمد ناصر

شكرًا على قراءة المقال. اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية لتتلقى ملخصًا يوميًا لأحدث الأخبار.

أحمد ناصر
أحمد ناصرhttps://alahrar.net/
أحمد ناصر صحفي يهتم بالشؤون السياسية والعلاقات الدولية والتحولات الجيوسياسية في العالم العربي والشرق الأوسط. يتابع الملفات الدبلوماسية والأمنية والانتخابات والحياة الحزبية، ويعمل على تقديم قراءة هادئة للأحداث تربط بين الخبر وسياقه السياسي والتاريخي. يركز في مقالاته على تحليل مواقف الفاعلين الرئيسيين وتوضيح انعكاسات القرارات الدولية على المنطقة.
مقالات ذات صلة
spot_imgspot_imgspot_img

ملفات الأحرار

الأكثر شهرة