قفزت حملات التصيد الإلكتروني المعتمدة على الذكاء الاصطناعي من أقل من 5% إلى 56% من مجمل الهجمات المرصودة خلال شهر واحد فقط في أواخر 2025، وفق شركة Hoxhunt المتخصصة في التدريب الأمني. هذا التحول السريع يضع المؤسسات الحيوية والمواطنين في المنطقة العربية أمام جيل جديد من التهديدات يصعب تمييزه بالعين المجردة، في وقت لا تزال فيه منظومات الدفاع الرقمي تُبنى بوتيرة أبطأ من تطور أدوات الهجوم.
لم يعد الذكاء الاصطناعي التوليدي أداة مساعدة هامشية في يد القراصنة، بل تحوّل إلى محرك تشغيلي كامل لصناعة الجريمة الرقمية. رسائل التصيد التي كانت تُكتب بلغة ركيكة وأخطاء إملائية واضحة، أصبحت اليوم تُنتج في دقائق بنص سليم ومخصص لكل ضحية على حدة، اعتمادا على بيانات علنية يجمعها البرنامج من الشبكات الاجتماعية والملفات المهنية. وبحسب شركة Cofense، تخترق رسالة تصيد واحدة مدعومة بالذكاء الاصطناعي بوابات البريد الآمنة كل تسعة عشر ثانية تقريبا خلال 2025. هذا التسارع يشمل التصيد الصوتي وانتحال الأصوات وتوليد رسائل مصممة خصيصا لكل هدف، وهي الظواهر الثلاث التي تعيد تعريف مفهوم الأمن الرقمي للمؤسسات والأفراد على حد سواء.
من البريد المخترق إلى الرسائل التي لا تُكتشف
يعتمد التصيد الجديد على قدرة النماذج اللغوية على تحليل أسلوب الكتابة الخاص بشخص أو مؤسسة، ثم صياغة رسالة تحاكي هذا الأسلوب بدقة تجعل أدوات الكشف التقليدية عاجزة عن التمييز. أظهرت تجربة ميدانية موثقة أن الرسائل المُولّدة بالكامل بالذكاء الاصطناعي حققت معدل نقر بلغ 54%، وهو رقم مطابق تقريبا لمعدل الرسائل التي يكتبها خبراء بشريون، مقابل 12% فقط للتصيد التقليدي القديم. في المقابل، رصدت شركة كاسبرسكي أكثر من 92 ألف هجوم سيبراني بين يناير ومطلع مايو 2026 اعتمد على إخفاء برمجيات خبيثة داخل تطبيقات مزيفة تحمل أسماء منصات ذكاء اصطناعي شهيرة مثل ChatGPT وClaude وGemini، في محاولة لاستغلال ثقة المستخدمين بهذه الأدوات نفسها.
ما يتغيّر هنا ليس فقط حجم الهجمات، بل طبيعة الثقة الرقمية ذاتها: حين يصبح النص والصوت والصورة قابلين للتزييف بالكامل وبتكلفة شبه معدومة، يفقد المستخدم آخر الإشارات التي كان يعتمد عليها تقليديا للتمييز بين الرسالة الحقيقية والمزيفة. كشف تقرير حديث لشركة Huntress، بعنوان “EvilTokens”، عن منصة إجرامية جمعت الذكاء الاصطناعي مع بنية تحتية سحابية شرعية ونظام مصادقة حقيقي تابع لمايكروسوفت، ما أدى إلى ارتفاع بنسبة 1380% في هجمات “device code phishing” بين النصف الثاني من 2025 والأشهر الأربعة الأولى من 2026. هذه الهجمات تسمح للمخترق بالحصول على صلاحيات كاملة على حساب الضحية حتى بعد اجتيازه للتحقق بخطوتين، ما يجعل وسائل الحماية التقليدية غير كافية وحدها.
صوتك لم يعد دليلا كافيا على هويتك
الجبهة الثانية للتهديد تتعلق بانتحال الصوت والصورة عبر تقنيات التزييف العميق. تكفي ثوانٍ معدودة من تسجيل صوتي، غالبا مأخوذ من مقطع فيديو منشور على منصة تواصل اجتماعي، لإنتاج نسخة اصطناعية قادرة على محاكاة نبرة الشخص وسرعة كلامه وحتى توقفات تنفسه الطبيعية. الحالة الأكثر توثيقا عالميا سُجلت في شركة هندسية بهونغ كونغ، حيث حوّل موظف في القسم المالي 25 مليون دولار بعد مشاركته في مكالمة فيديو جماعية بدت وكأنها تضم المدير المالي وعدة مسؤولين تنفيذيين، في حين كانت كل الوجوه والأصوات مولّدة بالكامل بالذكاء الاصطناعي.
في المنطقة العربية، بدأت حالات مشابهة تظهر في القطاع المصرفي، حيث استخدمت شبكات احتيال تقنيات استنساخ الصوت لتقليد موظفي بنوك بهدف كسب ثقة العملاء وانتزاع معلومات حساسة منهم. وبحسب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي، تجاوزت خسائر المواطنين الأمريكيين وحدهم 893 مليون دولار خلال عام واحد بسبب عمليات احتيال مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، من بينها استنساخ الأصوات ورسائل البريد المولدة آليا وخدع عاطفية متنوعة. الأسلوب المتكرر في هذه الحالات هو إيهام الضحية بأن أحد أفراد عائلته يمر بمحنة طارئة، كالاختطاف أو الاعتقال، ثم المطالبة بفدية فورية قبل أن يتمكن الضحية من التحقق من الأمر.
منطقة تُدرك الخطر لكن تنقصها الكفاءات
تُظهر البيانات أن الوعي بخطورة الذكاء الاصطناعي التوليدي في الفضاء السيبراني آخذ في الارتفاع إقليميا، لكنه لا يزال أسرع من تطور القدرات الفعلية على المواجهة. أفادت دراسات استعرضتها الجزيرة نت بأن 73% من المؤسسات في الشرق الأوسط تعتبر الأمن السيبراني أصلا استراتيجيا، مقابل 57% فقط على المستوى العالمي، فيما تُصنَّف المنطقة من بين الأعلى عالميا من حيث كلفة الاختراقات الواحدة. هذا التناقض بين إدراك الخطر وضعف الجاهزية التقنية يعكس فجوة هيكلية أعمق: نقص حاد في الكفاءات البشرية المتخصصة في الأمن السيبراني، وهي مشكلة تتشاركها معظم دول المنطقة دون استثناء.
هذه الفجوة ليست تقنية بحتة، بل تتحول تدريجيا إلى مسألة سيادة رقمية بالنسبة للحكومات التي تسرّع من وتيرة رقمنة إدارتها ومرافقها الحيوية دون أن يواكب ذلك بناء متكافئ للدفاعات. في هذا السياق، يبرز التمييز بين دول بدأت بترجمة هذا الإدراك إلى أطر تنظيمية ملزمة، ودول أخرى لا تزال تتعامل مع الملف عبر مبادرات متفرقة غير مؤطرة قانونيا.
الجزائر تُقنن أمنها السيبراني عبر مرسومين رئاسيين
على عكس الاتجاه الإقليمي العام القائم على مبادرات متفرقة، اختارت الجزائر مقاربة تشريعية مباشرة. صادق رئيس الجمهورية، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة ووزير الدفاع الوطني، على المرسوم الرئاسي رقم 25-321 بتاريخ 30 ديسمبر 2025، الذي يعتمد رسميا الاستراتيجية الوطنية لأمن الأنظمة المعلوماتية للفترة 2025-2029. أعقبه المرسوم 26-07، المنشور في الجريدة الرسمية بتاريخ 21 يناير 2026، والذي يُلزم كل مؤسسة عمومية، من وزارات ووكالات ومؤسسات حكومية، بإنشاء وحدة أمن سيبراني مستقلة عن مصلحة تسيير الأنظمة المعلوماتية، تتبع مباشرة لرئيس المؤسسة وتتولى رسم سياسة الحماية ومراقبة الأنظمة باستمرار.
يقوم الإطار المؤسسي الجزائري على ثلاث هيئات متمايزة: وكالة أمن الأنظمة المعلوماتية التابعة لوزارة الدفاع الوطني، والمكلفة بتنفيذ السياسات الوطنية والدفاع عن البنية التحتية الحرجة للدولة، والوكالة الوطنية لأمن نظم المعلومات المكلفة بالتنفيذ التقني للإطار الوطني، إضافة إلى الفريق الوطني للاستجابة للطوارئ الحاسوبية DZ-CERT العامل تحت مظلة مركز البحث في الإعلام العلمي والتقني. وبحسب تصريحات العميد بلغول عبد السلام، المدير العام لوكالة أمن الأنظمة المعلوماتية، فإن حجم الخسائر العالمية الناجمة عن الهجمات السيبرانية بلغ ما يقارب عشرة آلاف مليار دولار خلال 2025، وهو الرقم الذي دفع الجزائر إلى التعامل مع الملف باعتباره ركيزة للسيادة الرقمية لا مجرد شأن تقني. غير أن الاستراتيجية نفسها تعترف بندرة الموارد البشرية المؤهلة كتحدٍ مركزي، ما دفع الحكومة إلى فتح 285 ألف مقعد تكوين مهني جديد خلال 2026 يتضمن برامج شهادات متخصصة في الأمن السيبراني.
الدفاع المؤتمت: السباق الآخر الذي لم يُحسم بعد
في المقابل، لا يقتصر استخدام الذكاء الاصطناعي على جانب الهجوم. تستثمر مراكز العمليات الأمنية في المؤسسات الكبرى بشكل متزايد في منصات كشف مؤتمتة قادرة على تحليل كميات هائلة من البيانات وترتيب أولويات التنبيهات بسرعة تفوق قدرة المحلل البشري، خصوصا في ظل نقص عالمي في الكفاءات المتخصصة. أظهرت دراسة لمؤسسة ISC2 أن 95% من المؤسسات حول العالم تعاني من فجوة في مهارات الأمن السيبراني، وأن 59% منها تواجه نقصا حرجا في العناصر المؤهلة، وهو ما يدفع نحو الاعتماد على أنظمة قادرة على التعلم الذاتي لتعويض هذا النقص. بلغ حجم الاستثمار العالمي في شركات ناشئة متخصصة في الأمن السيبراني أكثر من 13 مليار دولار خلال 2025 وحدها، وهو مؤشر على أن سباق التسلح الرقمي بين الهجوم والدفاع لم يحسم بعد لصالح أي طرف.
الفارق الجوهري أن أدوات الهجوم متاحة اليوم بتكلفة شبه معدومة عبر خدمات “التصيد كخدمة” التي تُباع في الأسواق الموازية، بينما تبقى منصات الدفاع المؤتمت مكلفة وتتطلب بنية تحتية وكفاءات لا تزال المؤسسات العربية الصغيرة والمتوسطة تفتقر إليها في الغالب. هذا التفاوت في الكلفة والوصول يجعل المواطن العادي والمؤسسات الصغيرة الحلقة الأضعف في المنظومة، بينما تتركز جهود الحماية المتقدمة في القطاعات الكبرى كالبنوك والاتصالات والطاقة.
ما الذي يعنيه هذا للمواطن والمؤسسات الحيوية؟
بالنسبة للمواطن العادي، يعني هذا التحول أن التحقق من هوية المتصل عبر الصوت وحده لم يعد كافيا، خصوصا في حالات الطوارئ العاطفية التي يستغلها المحتالون لدفع الضحية إلى قرارات متسرعة. أما بالنسبة للمؤسسات المصنفة كمشغلة لبنية تحتية حرجة، من بنوك واتصالات وطاقة وصحة، فإن الإطار الجزائري الجديد يفرض عليها منذ الآن التزامات مباشرة تشمل تعيين وحدات أمن سيبراني مخصصة والخضوع لتدقيقات إلزامية دورية، بينما تواجه المؤسسات الخاصة العاملة كموردة للقطاع العام التزامات غير مباشرة عبر شروط الصفقات العمومية والمتطلبات التنظيمية القطاعية.
المرحلة المقبلة ستحدد مدى جدية تطبيق هذا الإطار على أرض الواقع. فمشغلو البنية التحتية الحرجة في الجزائر مطالبون بموجب المرسوم 26-07 بإرساء وحدات أمن سيبراني مخصصة والاستعداد لعمليات تدقيق إلزامية ستكون المحك الفعلي لقدرة الدولة على تحويل النص القانوني إلى حماية ميدانية، في وقت لا تتوقف فيه أدوات الذكاء الاصطناعي الهجومية عن التطور.
المصادر
- وزارة الدفاع الوطني الجزائرية – “وكالة أمن الأنظمة المعلوماتية تنشر الاستراتيجية الوطنية لأمن الأنظمة المعلوماتية 2025-2029”
https://www.mdn.dz/site_principal/sommaire/actualites/ar/2026/mars/nsiss03032026ar.php – تاريخ النشر 3 مارس 2026، تاريخ الاطلاع 16 يوليو 2026 - algeriatech.news – تحليل المرسوم الرئاسي 26-07 والإطار المؤسسي للأمن السيبراني في الجزائر
https://algeriatech.news/ar/algeria-cybersecurity-strategy-enterprise-compliance-readiness-2026-ar/ – تاريخ النشر 21 أبريل 2026، تاريخ الاطلاع 16 يوليو 2026 - الجزيرة نت – “حروب الخوارزميات 2026: كيف أعاد الذكاء الاصطناعي تسليح الجريمة الرقمية؟”
https://www.aljazeera.net/blogs/2026/5/11/ – تاريخ النشر 12 مايو 2026، تاريخ الاطلاع 16 يوليو 2026 - CNN بالعربية – “الذكاء الاصطناعي سهّل الاحتيال بتقليد الأصوات.. كيف تتفادى الوقوع في الفخ؟”
https://arabic.cnn.com/miscellaneous/article/2026/05/31/ai-voice-cloning-scams-are-on-the-rise-heres-how-to-protect-yourself – تاريخ النشر 31 مايو 2026، تاريخ الاطلاع 16 يوليو 2026 - بوابة الأهرام بيزنس (نقلا عن تقرير كاسبرسكي) – “تطبيقات الذكاء الاصطناعي المزيفة تتصدر التهديدات السيبرانية لعام 2026”
https://business.ahram.org.eg/News/88696.aspx – تاريخ النشر 21 مايو 2026، تاريخ الاطلاع 16 يوليو 2026 - IT Security Guru (نقلا عن تقرير Huntress “EvilTokens”) – “AI-Powered Phishing Attacks Surge 1,380% as Criminal Platforms Render MFA Obsolete”
https://www.itsecurityguru.org/2026/06/24/ai-powered-phishing-attacks-surge-1380-as-criminal-platforms-render-mfa-obsolete/ – تاريخ النشر 24 يونيو 2026، تاريخ الاطلاع 16 يوليو 2026
سارة خليل



