الرئيسيةالعلوم والتكنولوجياالابتكارلماذا يتحول انقطاع الشبكة إلى مسألة حياة أو موت وقت الكوارث والحروب؟

لماذا يتحول انقطاع الشبكة إلى مسألة حياة أو موت وقت الكوارث والحروب؟

حين تسقط أبراج الاتصالات في غزة أو ليبيا أو جنوب شرق تركيا، لا تتوقف المكالمات الهاتفية فحسب، بل ينقطع الخيط الذي يربط الجرحى بسيارات الإسعاف والعائلات المشتتة ببعضها بعضاً. تقنيات كانت تُعد احتياطية، من الأقمار الصناعية إلى الشبكات المتنقلة، تحولت اليوم إلى الخط الفاصل الوحيد بين النجاة والفقدان في مناطق النزاع والكوارث الطبيعية.

منذ عام 2023، تكرر السيناريو نفسه في أكثر من ساحة عربية وإقليمية متتالية. زلزال يضرب جنوب شرق تركيا وشمال سوريا، فيضان يجتاح مدينة درنة الليبية، هزة أرضية تدمر قرى الأطلس الكبير في المغرب، وحرب تعصف بغزة ثم بالسودان. في كل مرة، كانت أبراج الاتصالات من أوائل ما ينهار، وكان انقطاعها هو ما يحول الكارثة الأولى إلى أزمة إنسانية مضاعفة. وبحسب تقرير ميداني أعده مركز دراسات المخاطر الطبيعية في جامعة كولورادو عن زلزال كهرمان مرعش، لم تعمل وسائل الاتصال الاعتيادية إطلاقاً خلال اليوم الأول بعد الهزة، ولم تُستأنف جزئياً إلا في اليوم الثاني والثالث في بعض المدن، بعدما تهاوت معظم محطات إرسال الهواتف المحمولة مع انهيار المباني التي كانت مثبتة عليها.

أبراج الاتصالات: البنية الأولى التي تسقط تحت الركام والقصف

في قطاع غزة، تكشف بيانات شركة “بالتل” حجم الهشاشة البنيوية لشبكات الاتصال في مناطق النزاع. فالشركة، التي تدير أكثر من 500 برج اتصالات في القطاع، أعلن مسؤول عملياتها الأساسية أن نحو 80 في المئة منها دُمر خلال الحرب، وفق ما أورده مسؤول العمليات الأساسية في الشركة. النتيجة مباشرة: عمال إصلاح يخاطرون بحياتهم للوصول إلى مواقع معطلة وسط قصف مستمر، وشبكة ألياف ضوئية تمر تحت شوارع مجرفة بالكامل.

الأمر نفسه تكرر في تركيا، وإن بأسباب مختلفة. فبعد زلزال 6 فبراير 2023، سارعت شركة “تركسيل” إلى إرسال محطات إرسال متنقلة ومولدات كهربائية ومركبات مزودة بخدمة الأقمار الصناعية إلى المناطق المنكوبة، في وقت سجلت فيه حركة الإنترنت في مدينة كهرمان مرعش تراجعاً بلغ 94 في المئة مقارنة بالأسبوع السابق، بحسب بيانات شركة “كلاود فلير” لمراقبة حركة الشبكة. الفارق بين شبكة تعمل وأخرى صامتة لم يعد فارقاً تقنياً في هذه اللحظات، بل أصبح الخط الفاصل بين من يصل إليه الإنقاذ ومن يبقى بلا صوت تحت الأنقاض.

الأقمار الصناعية كخط دفاع أخير: من كهرمان مرعش إلى الخرطوم

حين تنهار الشبكات الأرضية بالكامل، تصبح الأقمار الصناعية الملاذ الوحيد المتبقي. في السودان، بعدما أمرت قوات الدعم السريع في فبراير 2024 المشغلين الرئيسيين بوقف الخدمة عن نحو 36 مليون مشترك، لجأ آلاف السودانيين إلى أجهزة “ستارلينك” لإعادة الاتصال بالعالم الخارجي. غير أن هذا الحل ينطوي على مفارقة خطيرة: الصحافيون الذين يعتمدون على الخدمة الفضائية لتغطية الانتهاكات يصبحون أنفسهم عرضة للتتبع والاستهداف من الأطراف المسلحة القادرة على تحديد موقع أي جهاز متصل، بحسب ما أكدته لجنة حماية الصحافيين.

في المقابل، أظهرت تجارب أخرى الوجه العملي لهذه التقنية. فبعد زلزال المغرب وتركيا، استُخدمت المركبات المزودة بالأقمار الصناعية لتأمين خط اتصال طارئ لفرق الإنقاذ حين تعطلت كل القنوات الأرضية. وقّعت وزارة الخارجية الأميركية في يونيو 2026 مذكرة تفاهم مع “ستارلينك” لتوسيع هذا الدور رسمياً ضمن جهود الاستجابة الإنسانية الدولية، بما يتيح توفير اتصال سريع لفرق الطوارئ والمنظمات الإنسانية بعد الكوارث. ومع ذلك، يبقى الاعتماد شبه الكامل على شركة خاصة واحدة، في غياب بديل عربي أو إقليمي مستقل، أحد أوجه الهشاشة التي لم تُحل بعد.

الرسائل النصية ونظام “البث الخلوي”: حين يفشل الإنذار المبكر رغم توفره

لا يقتصر دور الاتصالات على مرحلة ما بعد الكارثة، بل يمتد إلى الإنذار المبكر الذي قد يوفر ثواني ثمينة تنقذ أرواحاً. في تركيا، كان نظام الإنذار الزلزالي التابع لشركة “غوغل” مفعّلاً وقت الزلزال، لكن تحقيقاً لهيئة الإذاعة البريطانية كشف أن عدداً محدوداً فقط، لا يتجاوز بضع مئات من الأشخاص، تلقى التنبيه فعلياً، بعدما قلل النظام الخوارزمي بشكل كبير من قوة الموجات الزلزالية القادمة. هذا الإخفاق أعاد فتح النقاش حول حدود الاعتماد على أنظمة إنذار تديرها شركات تقنية كبرى بمعزل عن السياق المحلي.

في المقابل، يراهن الاتحاد الدولي للاتصالات على تقنية أبسط وأوسع انتشاراً: “البث الخلوي” الذي يرسل تنبيهات جغرافية مباشرة إلى الهواتف دون الحاجة إلى تطبيق أو اتصال بالإنترنت. وبما أن 99 في المئة من سكان العالم يعيشون اليوم ضمن نطاق تغطية شبكة محمولة، يعتبر الاتحاد هذه التقنية استثماراً استراتيجياً لحماية الأرواح، ضمن مبادرة أممية تهدف إلى ضمان وصول نظام إنذار مبكر إلى كل فرد في العالم بحلول عام 2027.

الشبكات المؤقتة وقوافل الاتصال المتنقلة: سباق مع الزمن على طرق مقطوعة

حتى حين تتوفر معدات الاتصال الاحتياطية، يبقى الوصول إليها تحدياً بحد ذاته. ففي تركيا، احتاجت شاحنات الاتصال المتنقلة التابعة لمشغلي الهاتف المحمول ما بين ثلاثة وأربعة أيام للوصول إلى المناطق المنكوبة، بسبب الأضرار التي لحقت بالطرق، وهو ما اضطر فرق الإنقاذ إلى الاعتماد على هواتف الأقمار الصناعية المحدودة العدد خلال الساعات الحرجة الأولى. لهذا السبب، يحتفظ الاتحاد الدولي للاتصالات بمستودعات معدات جاهزة للنشر السريع، من بينها مستودع تابع لتجمع الاتصالات في حالات الطوارئ في دبي، مخصص لدعم منطقتي الشرق الأوسط وآسيا والمحيط الهادئ.

في السودان، سلك التجمع الأممي نفسه مساراً مختلفاً بعد أشهر من الانقطاع شبه الكامل، إذ أنشأ في أغسطس 2024 خدمة إنترنت عبر كابل بحري احتياطي لتعويض جزء من الفجوة التي خلّفها استهداف مراكز بيانات مزودي الخدمة الرئيسيين. هذه الحلول، رغم أهميتها، تبقى استجابات لاحقة لأزمة قائمة، لا بدائل جاهزة مسبقاً.

الطاقة الاحتياطية: حين ينقطع الكهرباء تصمت الشبكة معه

كثيراً ما يُنسى أن أبراج الاتصالات لا تعمل من دون كهرباء مستقرة، وأن انقطاع التيار وحده كافٍ لإسكات شبكة كاملة دون أي ضرر مباشر بمعداتها. ففي قرى إقليم الحوز المغربي النائية، ظلت خدمات الكهرباء والاتصالات مقطوعة لعدة أيام بعد زلزال 8 سبتمبر 2023، في وقت منعت فيه الانهيارات الأرضية وصول فرق الإنقاذ إلى القرى المتضررة لأيام. النتيجة كانت عزلة مزدوجة: طرق مقطوعة وشبكة صامتة في آن واحد.

الأمر ذاته تكرر في السودان، حيث أرجع مسؤولون في شركات الاتصال جزءاً كبيراً من الانقطاعات المتكررة قبل الحصار الكامل في فبراير 2024 إلى تدمير أبراج محمولة وانقطاعات كهرباء متكررة ونقص في الوقود اللازم لتشغيل المولدات الاحتياطية. وفي غزة، وثّقت منظمة “أكسس ناو” الحقوقية أن الانقطاعات المتكررة نتجت عن مزيج من الاستهداف المباشر للبنية التحتية وتقييد الوصول إلى الكهرباء وأعطال تقنية مركبة.

غزة، السودان، ليبيا، والمغرب: نمط واحد يتكرر عبر المنطقة

عبر هذه الحالات الأربع، يظهر نمط متكرر: انقطاع الاتصالات ليس مجرد عرض جانبي للكارثة، بل عامل يُضاعف حجم الخسائر البشرية بذاته. فقد وصفت منظمة “أكسس ناو” انقطاعاً استمر أسبوعاً كاملاً في غزة مطلع عام 2024 بأنه بلغ حد « مسألة حياة أو موت »، مطالبة بوقف فوري لاستخدام قطع الاتصالات كسلاح حرب. وفي السودان، استخدم كل من الجيش وقوات الدعم السريع الانقطاعات أداة سيطرة على مناطق نفوذهما المتغيرة، ما حوّل الشبكة نفسها إلى ورقة ضغط بين طرفي النزاع بدل أن تبقى خدمة مدنية محايدة.

في ليبيا، عطّل انقطاع الألياف الضوئية في مدينة درنة، غداة احتجاجات شعبية غاضبة، عمل فرق البحث عن الجثث تحت الركام والبحر، فيما فتحت السلطات تحقيقاً لمعرفة ما إذا كان القطع ناتجاً عن أعمال حفر أو تخريباً متعمداً. وفي المغرب، أعاقت عزلة القرى الجبلية عمليات الإنقاذ في الساعات الأولى الأكثر حرجاً، حين كانت فرص إنقاذ الناجين من تحت الأنقاض في أعلى مستوياتها. هذا التكرار عبر سياقات مختلفة، حرب واحتلال وفيضان وزلزال، يكشف أن هشاشة البنية التحتية للاتصالات في المنطقة ليست حادثاً عابراً، بل عرضاً بنيوياً لعقود من ضعف الاستثمار في شبكات احتياطية مستقلة عن الكهرباء المركزية والمسارات الفردية للألياف الضوئية.

تبقى مبادرة “إنذارات مبكرة للجميع” التي يقودها الاتحاد الدولي للاتصالات، وموعدها المحدد لعام 2027، المحطة القادمة التي ستقيس ما إذا كانت الدروس المستخلصة من غزة وتركيا وليبيا والمغرب والسودان قد تحولت فعلاً إلى شبكات أكثر صموداً، أم بقيت مجرد تقارير تنتظر الكارثة التالية لتُفتح من جديد.


المصادر

  1. NPR — تقرير عن انهيار شبكة الاتصالات في غزة وتدمير 80 في المئة من أبراج شركة “بالتل”
    https://www.npr.org/2024/03/03/1229402063/gaza-communications-cell-phone-internet-service-blackouts-paltel — تاريخ الاطلاع: 16 يوليو 2026
  2. الجزيرة — تصريحات منظمة “أكسس ناو” حول انقطاع الاتصالات في غزة ووصفه بـ«مسألة حياة أو موت»
    https://www.aljazeera.com/news/2024/1/18/blackouts-in-gaza-must-not-be-used-as-weapons-of-war-rights-group — تاريخ الاطلاع: 16 يوليو 2026
  3. مركز دراسات المخاطر الطبيعية، جامعة كولورادو — تقرير ميداني عن شبكات الاتصال والتنسيق خلال زلزال كهرمان مرعش 2023
    https://hazards.colorado.edu/quick-response-report/communication-and-coordination-networks-in-the-2023-kahramanmaras-earthquakes — تاريخ الاطلاع: 16 يوليو 2026
  4. الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU) — صفحة نظام الإنذار المبكر عبر “البث الخلوي” ومبادرة “إنذارات مبكرة للجميع”
    https://www.itu.int/en/ITU-D/Emergency-Telecommunications/Pages/EW4ALL/cell-broadcast.aspx — تاريخ الاطلاع: 16 يوليو 2026
  5. معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط (TIMEP) — تقرير عن حرب الاتصالات في السودان واستخدام الانقطاع كأداة سيطرة
    https://timep.org/2024/09/19/internet-in-conflict-sudans-battle-for-connection/ — تاريخ الاطلاع: 16 يوليو 2026
  6. صحيفة “واشنطن تايمز” (وكالة أسوشيتد برس) — تقرير عن قطع الألياف الضوئية في مدينة درنة الليبية بعد الفيضانات
    https://www.washingtontimes.com/news/2023/sep/20/communication-outage-hits-flood-stricken-city-in-l/ — تاريخ الاطلاع: 16 يوليو 2026

سارة خليل

شكرًا على قراءة المقال. اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية لتتلقى ملخصًا يوميًا لأحدث الأخبار.

سارة خليل
سارة خليلhttps://alahrar.net/
سارة خليل صحفية متخصصة في العلوم والتكنولوجيا والصحة العامة. تهتم بتبسيط القضايا العلمية المعقدة وشرح أثر الابتكار والذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية في حياة الأفراد والمجتمعات. تتابع كذلك موضوعات الأبحاث الطبية والصحة النفسية والأمن السيبراني، مع الحرص على الاستناد إلى المصادر الموثوقة وتقديم المعلومات بلغة واضحة ومفهومة لغير المتخصصين.
مقالات ذات صلة
spot_img

ملفات الأحرار

الأكثر شهرة