مراجعة أكاديمية لكتاب: «الحريات في الدولة الحديثة»
✍️ تأليف: هارولد ج. لاسكي (Harold J. Laski) – فيلسوف سياسي بريطاني، وأحد أبرز منظّري الاشتراكية التعددية والنقابية في القرن العشرين، وأستاذ العلوم السياسية في كلية لندن للاقتصاد.
🌐 ترجمة وتحرير: د. صبحي عبد الحميد.
🏛️ الناشر: وكالة الصحافة العربية – ناشرون، الجيزة، مصر.
📅 تاريخ النشر الأصلي: 1930 (الطبعة الأولى)؛ صدرت طبعة منقحة عام 1937، وأضاف لها المؤلف مقدمة جديدة عام 1947 بعد الحرب العالمية الثانية.
📅 تاريخ الترجمة العربية: 2021 (الطبعة الأولى).
📄 عدد الصفحات: 183 صفحة.
📚عنوان الكتاب (Freedom in the Modern State)
🎓 التصنيف: فلسفة سياسية – نظرية الحرية – ديمقراطية – نقد الرأسمالية – دولة ومواطنة – اشتراكية تعددية.
🔹 تمهيد
يُعد كتاب “الحريات في الدولة الحديثة” للمفكر السياسي البريطاني هارولد ج. لاسكي واحداً من أهم الأعمال الفلسفية التي تناولت مفهوم الحرية في سياق الدولة الحديثة، وعلاقتها بالسلطة، والديمقراطية، والعدالة الاجتماعية. صدر الكتاب لأول مرة عام 1930، في مرحلة كانت أوروبا تعاني فيها من تداعيات الحرب العالمية الأولى، وتتصاعد فيها الأزمات الاقتصادية، وتظهر فيها الأنظمة الفاشية كتهديد خطير للحريات العامة. أعاد لاسكي النظر في كتابه عام 1937، ثم أضاف إليه مقدمة جديدة عام 1947، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، ليقيّم التحولات الكبرى التي شهدها العالم، من صعود الفاشية والنازية، إلى انتصار الحلفاء، إلى ظهور القنبلة الذرية، وإعادة تشكيل النظام الدولي. يعرض لاسكي في هذا الكتاب رؤيته الفلسفية للحرية، التي لا تقتصر على الجانب السياسي، بل تمتد لتشمل الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ويؤكد أن الحرية الحقيقية لا تتحقق دون مساواة اقتصادية، وأن الدولة الحديثة، مهما بلغت ديمقراطيتها، تظل عرضة للانزلاق إلى الاستبداد إذا ما تركت السلطة دون رقابة، وتُرك الاقتصاد تحت سيطرة الأقلية المالكة. الكتاب هو دفاع عن الحرية، لكنه أيضاً نقد عميق للرأسمالية، وللأنظمة التي تدّعي الديمقراطية وهي تعاني من تفاوت صارخ في توزيع الثروة والسلطة.
✅ الفكرة المركزية
ينطلق هارولد لاسكي من أطروحة جوهرية مفادها أن الحرية ليست مجرد انعدام القيود السياسية، بل هي حالة إيجابية تتطلب تهيئة الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي تمكن الفرد من تحقيق ذاته وسعادته. فالحرية، في نظره، تعني القدرة الفعلية على الاختيار، وليس فقط الحق القانوني في الاختيار. ومن هنا، فإن الحرية لا يمكن أن توجد في مجتمع يعاني من تفاوت اقتصادي فاحش، حيث تكون الأقلية المالكة هي التي تحدد مصير الأغلبية الفقيرة. يرى لاسكي أن السلطة المطلقة، أياً كان مصدرها، هي عدو الحرية، وأن التاريخ يعلمنا أن من يمتلكون سلطة غير محدودة يفسدون بها، ويسعون إلى تكريسها وتوسيع نطاقها، ويظنون أن بقاء المجتمع يعتمد على بقائهم في مواقعهم. ولذلك، فإن الديمقراطية ليست ضماناً كافياً للحرية، ما لم تقترن بتوزيع عادل للثروة، ورقابة فعالة على السلطة التنفيذية، وحماية للحقوق الأساسية، واستقلال للقضاء، وحرية للفكر والتعبير والتجمع. ويخلص لاسكي إلى أن الحرية والمساواة وجهان لعملة واحدة، وأن أي مجتمع يسمح بتركز الثروة والسلطة في أيدٍ قليلة، سيكون مجتمعاً غير حر، مهما تزين بديمقراطيته الشكلية.
📚 المحاور الأساسية
🔹 المحور الأول: الحرية – تعريفها وشروطها
يبدأ لاسكي بتعريف الحرية بأنها انعدام القيود المفروضة على الظروف الاجتماعية التي تضمن للفرد التمتع بالسعادة. لكنه يرفض الفهم السلبي للحرية (مجرد عدم وجود قيود) ويؤكد أنها تتطلب إيجابية الفعل، أي القدرة على اختيار طريق الحياة الذي يرتضيه الفرد، دون عوائق مجحفة. ويحدد لاسكي شروطاً أساسية لتحقيق الحرية:
تقييد السلطة السياسية: فلا حرية دون وجود سلطة محدودة خاضعة للمساءلة.
المساواة: ليست مساواة مطلقة في القدرات، بل مساواة في الفرص، وفي أن يكون لكل فرد اعتباره عندما تتخذ القرارات التي تؤثر عليه.
الأمن الاقتصادي: فالحرية لا قيمة لها لمن يعيش في خوف دائم من الجوع والبطالة.
التعليم والمعرفة: فالحرية الحقيقية تحتاج إلى عقل متفتح قادر على فهم الحقائق واتخاذ قرارات مستنيرة.
حرية الفكر والتعبير والتجمع: وهي جوهر الحرية، لأنها تسمح للفرد بتكوين رأيه، والتعبير عنه، والانضمام إلى الآخرين في السعي لتحقيق أهداف مشتركة
🔹 المحور الثاني: نقد السلطة المطلقة والدعوة لتقييدها
يقدّم لاسكي نقداً عميقاً للسلطة المطلقة، سواء كانت سلطة ملكية، أو أرستقراطية، أو ديكتاتورية، أو حتى سلطة برلمانية غير محدودة. يرى أن السلطة المطلقة تفسد أصحابها، وأنهم سرعان ما يظنون أن مصلحة المجتمع تتوقف على بقائهم في مناصبهم. ويستشهد بتجارب تاريخية عديدة، من الملكيات المطلقة إلى الأنظمة الفاشية، ليؤكد أن عدم وجود رقابة على السلطة هو الطريق الأقصر إلى فقدان الحرية. ويطالب لاسكي بـ فصل السلطات، واستقلال القضاء، ورقابة قضائية على الأعمال التنفيذية، وضمانات دستورية للحقوق الأساسية، ووجود نظام متعدد الأحزاب، ليكون رادعاً ضد أي محاولة لتوسيع نطاق السلطة على حساب الحريات.
🔹 المحور الثالث: حرية الفكر والتعبير – دفاع فلسفي ونقد للرقابة
يخصص لاسكي فصلاً كاملاً للدفاع عن حرية الفكر والتعبير، معتبراً إياها شرطاً أساسياً لوجود أي مجتمع حر. يرفض لاسكي كل أشكال الرقابة المسبقة، سواء كانت سياسية أو دينية أو أخلاقية، ويقدم حججاً عديدة:
الحقيقة تظهر من خلال التطاحن الحر للأفكار، وليس من خلال قمعها.
لا يوجد فرد أو هيئة مؤهلة لتحديد ما هو صواب وما هو خطأ، فالجميع معرض للخطأ.
الرقابة تحول دون اكتشاف الحقائق الجديدة، وتجمد المجتمع في قوالب فكرية بالية.
التاريخ يثبت أن الآراء التي قمعت بالأمس أصبحت حقائق مسلماً بها اليوم.
وينتقد لاسكي بشدة محاولات حظر الكتب أو المطبوعات بحجة “البذاءة” أو “الإلحاد”، مشيراً إلى أن هذه المحاولات غالباً ما تكون مدفوعة بتحيزات أخلاقية أو دينية لا تستند إلى أسس عقلانية. ويدافع عن حق النقابات والجمعيات في العمل السياسي، وعن حق العمال في الإضراب، معترفاً بوجود حالات قد تستدعي فيها الدولة التدخل لحماية المصلحة العامة، لكنه يشترط أن يكون هذا التدخل محدوداً ومحكوماً بضوابط قانونية.
🔹 المحور الرابع: الحرية والسلطة الاجتماعية – المساواة كشرط للحرية
يعتبر لاسكي أن المساواة الاقتصادية هي الشرط الأساسي للحرية الحقيقية. ففي مجتمع تسيطر فيه الأقلية المالكة على وسائل الإنتاج، تتحول الدولة إلى أداة في أيدي هذه الأقلية، وتصبح الحرية مجرد وهم يخفي واقع الاستغلال. يرى لاسكي أن تركز الثروة يؤدي إلى:
تركيز السلطة السياسية في يد الأقلية، التي تستخدمها لحماية مصالحها.
حرمان الأغلبية من فرص حقيقية للمشاركة في صنع القرار، لأن احتياجاتهم اليومية (الخوف من الجوع والبطالة) تجعلهم غير قادرين على ممارسة حرياتهم.
تزييف الوعي العام، من خلال سيطرة المال على وسائل الإعلام والتعليم، مما يشوه الحقائق ويخدم مصالح الأقلية.
ويخلص لاسكي إلى أن الديمقراطية الحقيقية لا يمكن أن تقوم على عدم المساواة الاقتصادية، وأن أي مجتمع يعاني من تفاوت صارخ في الثروة سيكون مجتمعاً يعاني من صراع طبقي دائم، وسيكون عرضة للانزلاق إلى الاستبداد أو الفوضى. ويدعو إلى إعادة توزيع الثروة، وتأميم وسائل الإنتاج الكبرى، وتخطيط الاقتصاد بما يخدم احتياجات المجتمع، لا أرباح الأقلية.
🔹 المحور الخامس: الدولة القومية والسيادة – نقد السيادة المطلقة ودعوة إلى مجتمع دولي
يختم لاسكي كتابه بنقد لمفهوم السيادة القومية المطلقة، معتبراً أنها أصبحت عائقاً أمام تحقيق السلام والحرية في العالم. يرى أن السيادة المطلقة للدولة تعني أنها تمتلك الحق في اتخاذ أي قرار دون رقابة خارجية، مما يؤدي إلى:
الحروب والنزاعات، لأن كل دولة تسعى لتحقيق مصالحها على حساب الدول الأخرى.
انتهاك حقوق الأقليات، لأن الدولة تستطيع أن تفرض إرادتها على جميع سكانها دون رادع.
إعاقة التعاون الدولي في مواجهة المشكلات المشتركة كالفقر، والمرض، والتسلح.
ويدعو لاسكي إلى تقييد السيادة القومية، وإقامة نظام دولي يقوم على التعاون والتفاهم، وإخضاع الدول لقوانين دولية عادلة، والاعتراف بأن مصالح البشرية جمعاء تعلو على مصالح أي دولة منفردة. ويشيد بجهود الأمم المتحدة، مع أنه يقر بضعفها وهشاشتها، ويؤكد أن الطريق إلى الحرية العالمية يمر عبر تجاوز الأنانية القومية، وبناء مجتمع دولي يقوم على العدالة والتعاون.
📝 الاستقبال النقدي والإرث الفكري
الإشادة:
اعتُبر كتاب “الحريات في الدولة الحديثة” عند صدوره نقلة نوعية في الفلسفة السياسية البريطانية، وأشاد النقاد بعدة جوانب:
العمق الفلسفي: قدرة لاسكي على تقديم تحليل فلسفي عميق للحرية، يتجاوز السطحية الليبرالية التقليدية.
الموقف الجريء: جرأة لاسكي في نقد الرأسمالية، والدعوة إلى المساواة الاقتصادية كشرط للحرية.
الشمولية: تغطية الكتاب للأبعاد السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية للحرية في عمل واحد.
الوضوح: رغم عمق الأفكار، يتميز أسلوب لاسكي بالوضوح والمنطقية، مما جعل الكتاب في متناول القارئ المتخصص.
النقد والتحفظات:
وُجّهت إلى الكتاب انتقادات عديدة، منها:
المثالية المفرطة: يرى البعض أن دعوة لاسكي إلى المساواة الاقتصادية الكاملة تعتبر مثالية وغير واقعية، وتتجاهل تعقيدات الطبيعة البشرية.
التناقض مع التجربة السوفييتية: يتهم البعض لاسكي بأنه نظر إلى التجربة السوفييتية بعين التفاؤل المفرط، متجاهلاً انتهاكاتها للحريات، وهو ما اعترف به هو نفسه في مقدمته الأخيرة، لكنه ظل يدافع عن المبادئ الاشتراكية.
الإفراط في التركيز على الاقتصاد: يرى بعض النقاد أن لاسكي يبالغ في الدور الذي تلعبه العوامل الاقتصادية في تحديد الحرية، ويقلل من أهمية العوامل الثقافية والسياسية.
الموقف من الدولة: يرى البعض أن دعوة لاسكي إلى تقييد الدولة، مع توسيع دورها في إعادة توزيع الثروة، تحمل تناقضاً داخلياً، لأن الدولة القوية التي يعارضها هي نفسها الدولة التي يحتاجها لتحقيق المساواة.
مع ذلك، يُعتبر الكتاب مرجعاً مهماً للباحثين في الفلسفة السياسية، ونظرية الديمقراطية، ونقد الرأسمالية، ولا يزال يُقرأ ويُدرس في الجامعات حول العالم.
👤 نبذة عن المؤلف والمترجم
هارولد جوزيف لاسكي (Harold Joseph Laski، 1893–1950) هو فيلسوف سياسي بريطاني، وأحد أبرز منظّري الاشتراكية التعددية والنقابية في القرن العشرين. وُلِدَ في مانشستر لعائلة يهودية، وتلقى تعليمه في أكسفورد. عمل أستاذاً للعلوم السياسية في كلية لندن للاقتصاد (LSE) منذ عام 1920 حتى وفاته، وأصبح أحد أشهر المفكرين اليساريين في بريطانيا. تأثر بأفكار كارل ماركس، وجون ستيوارت مل، وهربرت سبنسر، لكنه طور رؤيته الخاصة التي جمعت بين الليبرالية السياسية والاشتراكية الاقتصادية. كان عضواً بارزاً في حزب العمال البريطاني، ومستشاراً لعدد من رؤساء الوزراء، وكتب العديد من الكتب التي أثرت في الفكر السياسي الغربي، من بينها: “السلطة في الدولة الحديثة” (Authority in the Modern State)، و”الدولة: نظرياً وعملياً”، و”الاشتراكية والحريات”. تميز مشروعه الفكري بالنقد الجريء للرأسمالية، والدعوة إلى ديمقراطية اقتصادية، والدفاع عن التعددية السياسية، مع وعي عميق بمخاطر السلطة المطلقة، سواء كانت رأسمالية أو اشتراكية.
د. صبحي عبد الحميد هو أكاديمي ومترجم مصري، قام بترجمة وتحرير هذا الكتاب، وتقديمه للقارئ العربي بمقدمة توضح أهمية لاسكي وأفكاره في السياق المعاصر.
🔍 المغزى الفكري
يقدّم كتاب “الحريات في الدولة الحديثة” أكثر من مجرد دفاع عن الحرية؛ إنه يقدّم نقداً جذرياً للدولة الحديثة في صورتها الرأسمالية، ويكشف عن التناقض بين الخطاب الديمقراطي والواقع الاقتصادي. المغزى الأساسي للكتاب هو أن الحرية ليست مجرد حق، بل هي قدرة، وأن الدولة التي تدّعي الديمقراطية وهي تسمح بتركز الثروة والسلطة في يد الأقلية، هي دولة لا تتمتع أغلبية شعبها بالحرية الفعلية. كما يذكّرنا الكتاب بأن السلطة المطلقة هي عدو الحرية، مهما كانت دوافعها، وأن المساواة ليست بديلاً عن الحرية، بل شرطاً لها. في زمن تتصاعد فيه الأزمات الاقتصادية، وتتفاقم فيه الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وتتهدد فيه الحريات العامة في العديد من البلدان، تظل دعوة لاسكي إلى إعادة النظر في أسس الدولة الحديثة، وإلى إقامة نظام يقوم على العدالة الاجتماعية والرقابة الديمقراطية، أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
🔚 خلاصة نهائية
يُعد كتاب “الحريات في الدولة الحديثة” لهارولد ج. لاسكي واحداً من أهم الأعمال الفلسفية التي تناولت مفهوم الحرية في سياق الدولة الحديثة. يجمع الكتاب بين العمق الفلسفي والوضوح الأسلوبي، ويقدّم نقداً عميقاً للرأسمالية، ودفاعاً شاملاً عن الحريات السياسية، ودعوة إلى المساواة الاقتصادية كشرط للحرية الحقيقية. يرفض لاسكي التصور السلبي للحرية، ويؤكد أنها تتطلب إيجابية الفعل، وقدرة الفرد على اختيار طريقه في الحياة، والتمتع بالأمن الاقتصادي، والمعرفة، وحرية الفكر والتعبير. ينتقد لاسكي السلطة المطلقة، ويدعو إلى تقييدها، ويفضح تناقضات الدولة الرأسمالية، ويطالب بإعادة توزيع الثروة، وتأميم وسائل الإنتاج، وإقامة نظام دولي عادل. في عصر تعاني فيه الديمقراطيات من أزماتها، وتتصاعد فيه الدعوات إلى الاستبداد، يظل كتاب لاسكي دعوة مفتوحة إلى استعادة المبادئ الإنسانية في السياسة، وإلى إدراك أن الحرية والمساواة وجهان لعملة واحدة، وأن المجتمع الذي لا يحمي الفقراء من الجوع والجهل، لا يستحق أن يُدعى مجتمعاً حراً.



