تشير مؤشرات عام 2026 إلى أن المنطقة العربية لم تعد على هامش التحول العالمي نحو الذكاء الاصطناعي. فقد تصدرت الإمارات ترتيب الدول الأكثر تبنياً لهذه التقنية في العالم، إذ بلغت نسبة مستخدمي الذكاء الاصطناعي فيها 64% من السكان في سن العمل بنهاية عام 2025، وفق تقرير معهد مايكروسوفت لاقتصاد الذكاء الاصطناعي الصادر في يناير 2026. في المقابل، لا يزال هذا الزخم الاستثماري، في غالبية الدول العربية غير الخليجية، يتقدم على السياسات الكفيلة بتوزيع مكاسبه أو حماية من قد يخسر وظيفته بسببه.
الخليج يقود سباق التبني، والتدريب الحكومي يتوسع بالآلاف
اعتمدت الإمارات برنامجاً وطنياً لتدريب 80 ألف موظف في الحكومة الاتحادية على أدوات الذكاء الاصطناعي المساعد، من الوزراء إلى الموظفين الجدد، في إطار خطة تطمح إلى جعل الإمارات أول حكومة في العالم تطبق هذه التقنية في نصف خدماتها، بحسب ما أعلنه مجلس الوزراء الإماراتي في مايو 2026. وفي السعودية، درّبت أكاديمية سدايا أكثر من 334 ألف شخص على مهارات التعلم الآلي وحوكمة البيانات ضمن الاستراتيجية الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي، فيما لا تزال دول أخرى مثل الكويت في طور تصميم برنامج وطني مشابه، مستلهمة من التجربتين السعودية والإماراتية.
في الجزائر، حيث أُعلن عام 2023 سنة وطنية للذكاء الاصطناعي، تحول هذا الإعلان إلى مؤسسات فعلية: مجلس علمي وطني للذكاء الاصطناعي، ومدرسة وطنية عليا مخصصة له. الفارق الحاسم بين هذه التجارب ليس في وتيرة تبني التقنية نفسها، بل في السرعة التي تُحيَّن بها الأطر القانونية للحماية الاجتماعية كي تلحق بها.
ما تقوله المنظمات الدولية عن حجم المخاطر الفعلية على الوظائف
خلص تقرير أصدرته منظمة العمل الدولية في سبتمبر 2025 حول أسواق العمل العربية إلى أن خطر فقدان الوظائف على نطاق واسع بسبب الذكاء الاصطناعي التوليدي يبقى محدوداً، مقابل فرص هائلة لتحسين نوعية الوظائف القائمة. غير أن التقرير نفسه حذر من أن التحول قد يُعمّق الفوارق القائمة، خصوصاً بالنسبة للنساء والعاملين الأكبر سناً، ودعا الحكومات إلى تبني سياسات استباقية وشاملة تضمن انتقالاً عادلاً. وفي الاتجاه ذاته، أشار صندوق النقد الدولي في مدونة نشرها في يناير 2026 إلى أن نحو 40% من الوظائف حول العالم باتت متأثرة بالتغيرات الناتجة عن الذكاء الاصطناعي، مؤكداً أن سياسات إعادة التأهيل ودعم تنقل العمال بين الفرص لم تعد خياراً بل ضرورة.
على المستوى الإقليمي، قدّرت تحليلات نقلتها تقارير اقتصادية أن نحو 21% من الوظائف في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ستشهد تغييراً كبيراً خلال السنوات الخمس المقبلة، بينما توصل تحليل لست دول خليجية وعربية هي البحرين ومصر والكويت وعُمان والسعودية والإمارات إلى أن نحو 45% من أنشطة العمل الحالية فيها قابلة للأتمتة بحلول عام 2030.
الخريجون الجدد وعمال المنصات في مقدمة الفئات المعرضة
تتفق تحليلات متعلقة بالمغرب والدول العربية على أن المهام الروتينية والقابلة للقياس هي أول ما يتعرض للأتمتة: الإدخال اليدوي للبيانات، المحاسبة البسيطة، الترجمة الأولية، وإنتاج المحتوى السريع. هذه المهام لن تختفي كلياً، لكنها ستحتاج عدداً أقل من الأشخاص، بحسب ما أوضحه استشاري التسويق الرقمي حسن خرجوج في مقابلة مع الجزيرة نت. وأشار المحلل ذاته إلى أن سوق العمل كان يعتمد سابقاً على هذه المهام البسيطة كمدخل أول لاكتساب الخبرة لدى الشباب وخريجي الجامعات، وهو ما قد يجعل دخولهم إلى سوق الشغل أكثر صعوبة مستقبلاً.
في المقابل، يواجه عمال الاقتصاد غير الرسمي واقعاً مختلفاً لكن لا يقل هشاشة. ففي تونس، حيث يضم الاقتصاد غير النظامي أكثر من نصف اليد العاملة، لم تعرف هذه الفئة يوماً تغطية نقابية شاملة، وباتت تطبيقات التوصيل والعمل “بالقطعة” عبر المنصات تُنتج عمالاً بلا ضمانات اجتماعية ولا أفق للتنظيم الجماعي، وفق تحليل نشره الباحث فؤاد غربالي في موقع السفير العربي. ويضيف تقرير منظمة العمل الدولية فئتين أخريين إلى قائمة الأكثر عرضة: النساء والعاملون الأكبر سناً، الذين تقل حظوظهم في إعادة التأهيل السريع مقارنة بالفئات الشابة.
فجوة الجاهزية الرقمية تُعمّق الانقسام داخل المنطقة نفسها
لا تتوزع المخاطر بالتساوي بين الدول العربية. فبحسب مؤشر جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي الذي تصدره مؤسسة أكسفورد إنسايتس، تتصدر السعودية والإمارات ومصر وقطر وعُمان الترتيب الإقليمي، بينما تتراجع دول مثل اليمن وسوريا وليبيا والعراق ولبنان إلى ذيل القائمة. هذا التفاوت في البنية التحتية الرقمية ومستويات الاستثمار في البحث والتطوير يعني أن أثر الذكاء الاصطناعي على سوق العمل لن يكون واحداً، بل سيتوزع بحسب موقع كل بلد من خارطة الجاهزية هذه.
وقد حذرت الجزيرة نت، في تقرير نشرته في ديسمبر 2025، من أن الدول الغنية، رغم تعرضها هي الأخرى لمخاطر فقدان وظائف عالية المهارة بفعل الأتمتة، تمتلك شبكات حماية اجتماعية قوية وسياسات نشطة لإعادة تأهيل العمال، على غرار ألمانيا، بينما تفتقر اقتصادات أضعف إلى هذه الأدوات، ما قد يدفعها أكثر نحو هامش التحول الرقمي العالمي بدل الاستفادة منه.
معاهدة جنيف الأولى لعمال المنصات، واختبار قدرة الدول العربية على مواكبتها
اعتمدت الدول الأعضاء في منظمة العمل الدولية، خلال مؤتمرها السنوي في جنيف بمنتصف يونيو 2026، أول معاهدة عالمية لحماية العاملين في المنصات الرقمية، في خطوة وصفتها منظمات حقوقية بالتاريخية. وتنص المعاهدة على ضمان حصول هؤلاء العمال على أجور عادلة وحماية اجتماعية لا تقل تفضيلاً عن تلك الممنوحة لنظرائهم في العمل التقليدي، إضافة إلى إلزام الدول بتوفير معلومات واضحة ومحدثة حول شروط العمل والتعاقد.
يبقى التطبيق الفعلي لهذه المعاهدة في الدول العربية رهين مسار التصديق والتشريع الوطني الذي لم يتضح بعد. غير أن مصر بدأت خطوة في هذا الاتجاه، إذ أشار وزير العمل المصري، خلال مشاركته في الدورة 356 لمجلس إدارة منظمة العمل الدولية في مارس 2026، إلى أن القانون الجديد للعمل في بلاده وسّع مظلة الحماية القانونية لتشمل أنماط عمل جديدة مثل العمل عن بعد والعمل عبر المنصات الرقمية، إلى جانب إنشاء محاكم عمالية متخصصة للفصل السريع في النزاعات.
ماذا تفعل الحكومات والجامعات لسد الفجوة؟
تتقاطع توصيات صندوق النقد الدولي ومنظمة العمل الدولية عند نقاط مشتركة: إعادة تصميم أنظمة التعليم لتزويد الطلبة بمهارات معرفية وإبداعية مكملة للذكاء الاصطناعي بدل منافسته، وتوسيع برامج إعادة التأهيل المستمر للعمال المهددين بفقدان وظائفهم، وتحسين الحماية الاجتماعية لتقديم دعم أكبر لمن يواجهون تحولات وظيفية صعبة، وتسهيل تنقل العمال بين الفرص عبر سياسات سكن ميسور وترتيبات عمل مرنة.
بعض الدول بدأت فعلياً في هذا المسار، ولو بدرجات متفاوتة. فقد جدد وزير العمل الجزائري، خلال عرضه استراتيجية بلاده للذكاء الاصطناعي في جنيف مطلع يونيو 2026، التزام الجزائر بحماية حقوق العمال في موازاة توسع هذه التقنية. في المقابل، لا تزال دول أخرى، مثل الكويت، في طور التفكير ببرنامج وطني لمهارات الذكاء الاصطناعي، ما يكشف تبايناً واضحاً بين الدول العربية في سرعة تحويل الخطاب الرسمي إلى سياسات حماية ملموسة قابلة للتطبيق.
يبقى الاختبار الحقيقي لهذا التحول مؤجلاً إلى السنوات القليلة المقبلة، حين يتضح عدد الدول العربية التي ستصادق على معاهدة جنيف الخاصة بعمال المنصات وتترجمها إلى قوانين وطنية نافذة. وإلى أن يحدث ذلك، ستظل الفجوة بين وتيرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي ووتيرة بناء أنظمة الحماية الاجتماعية المؤشر الأدق على مدى استعداد المنطقة لعصر يعيد فيه هذا التحول تشكيل سوق العمل بأكمله.
Sources
- منظمة العمل الدولية – “مواكبة التحوّل الرقمي وثورة الذكاء الاصطناعي في أسواق العمل العربية: الاتجاهات والتحديات والفرص”، 22 سبتمبر 2025
https://www.ilo.org/ar/publications/مواكبة-التحوّل-الرقمي-وثورة-الذكاء-الإصطناعي-في-أسواق-العمل-العربية – استُشهد به بتاريخ 16 يوليو 2026 - صندوق النقد الدولي – “المهارات الجديدة والذكاء الاصطناعي يعيدان تشكيل مستقبل العمل”، 14 يناير 2026
https://www.imf.org/ar/blogs/articles/2026/01/14/new-skills-and-ai-are-reshaping-the-future-of-work – استُشهد به بتاريخ 16 يوليو 2026 - الجزيرة نت – “”العمل الدولية” تعتمد أول معاهدة لحماية عمال المنصات الرقمية”، 13 يونيو 2026
https://www.aljazeera.net/ebusiness/2026/6/13/العمل-الدولية-تعتمد-أول-معاهدة-لحماية – استُشهد به بتاريخ 16 يوليو 2026 - الجزيرة نت – “هل يدفع الذكاء الاصطناعي اقتصادات دول كاملة نحو الهامش؟”، 5 ديسمبر 2025
https://www.aljazeera.net/ebusiness/2025/12/5/الذكاء-الاصطناعي-الدول-الفقرة – استُشهد به بتاريخ 16 يوليو 2026 - موقع حركة التوحيد والإصلاح (نقلاً عن مقابلة مع الجزيرة نت) – “هل يؤثر الذكاء الاصطناعي على سوق العمل في الدول العربية؟”، 1 يوليو 2026
https://alislah.ma/هل-يؤثر-الذكاء-الاصطناعي-على-سوق-العمل/ – استُشهد به بتاريخ 16 يوليو 2026 - السفير العربي (فؤاد غربالي) – “الاتحاد العام التونسي للشغل في زمن الذكاء الاصطناعي: تحديات العمل والنضال النقابي”، 13 أغسطس 2025
https://assafirarabi.com/ar/66047/2025/08/08/الاتحاد-العام-التونسي-للشغل-في-زمن-الذ/ – استُشهد به بتاريخ 16 يوليو 2026 - شرشال نيوز الوطنية – “سايحي يستعرض بجنيف استراتيجية الجزائر في الذكاء الاصطناعي ويؤكد التزامها بحماية حقوق العمال”، 3 يونيو 2026
https://national.cherchellnews.dz/سايحي-يستعرض-بجنيف-استراتيجية-الجزائر/ – استُشهد به بتاريخ 16 يوليو 2026 - الهيئة الوطنية للإعلام (ماسبيرو) – “مشاركة مصر بمجلس إدارة منظمة العمل الدولية.. نحو تعزيز التعاون العربي والعالمي”، 27 مارس 2026
https://www.maspero.eg/reports-economy/2026/03/27/939943/ – استُشهد به بتاريخ 16 يوليو 2026 - البيان (الإمارات) – “الإمارات تعيد هندسة العمل الحكومي بالذكاء الاصطناعي”، 29 مايو 2026
https://www.albayan.ae/news/uae/1336324 – استُشهد به بتاريخ 16 يوليو 2026 - الجريدة الكويتية – “دراسة: الكويت وثورة الذكاء الاصطناعي… السياسات اللازمة”، 25 سبتمبر 2025
https://www.aljarida.com/article/110105 – استُشهد به بتاريخ 16 يوليو 2026 - القاهرة الإخبارية – “ما حدود تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل العربية؟”، 25 فبراير 2026
https://alqaheranews.net/news/158526/ما-حدود-تأثير-الذكاء-الاصطناعي-على-سوق – استُشهد به بتاريخ 16 يوليو 2026 - العربي الجديد – “استخدام الذكاء الاصطناعي: المشهد العربي في عام 2025″، 31 يناير 2026
https://www.alaraby.co.uk/infograph-media/استخدام-الذكاء-الاصطناعي-المشهد-العربي-في-عام-2025 – استُشهد به بتاريخ 16 يوليو 2026
سارة خليل



