كشف أحدث مؤشر للرأي العام العربي أن ستة من كل عشرة مواطنين عرب لا يثقون بالأحزاب السياسية، في حين لا تتجاوز نسبة المنتسبين إليها ستة بالمئة في الدول التي تسمح بوجودها أصلا. في المقابل، تحوّلت النقابات والجمعيات والمنصات الرقمية إلى ساحات بديلة يعبّر من خلالها جزء متزايد من الشارع العربي عن مطالبه، وسط مخاوف متصاعدة من التفكك والمراقبة والتضليل.
من تونس إلى المغرب، مرورا بعدد من الدول العربية الأخرى، تتكرر المشاهد ذاتها منذ أواخر 2025: نقابات تتصدر واجهة المعارضة بدل الأحزاب، وحشود شبابية تنظّم نفسها عبر خوادم رقمية مغلقة بدل المقرات الحزبية، وجمعيات حقوقية تتحمل عبء المساءلة الذي عجزت عنه المؤسسات التمثيلية التقليدية. هذا التحول ليس شعورا عابرا يلتقطه المراقبون، بل تؤكده بيانات ميدانية واسعة جمعتها مؤسسات بحثية مستقلة على مدى الأشهر الأخيرة.
الأرقام التي تختصر الأزمة
بحسب مؤشر الرأي العام العربي 2025 الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ومؤسسة الدوحة، والذي استند إلى أكثر من 40 ألف مقابلة ميدانية في 15 دولة عربية بين نوفمبر 2024 وأغسطس 2025، لا يثق 60 بالمئة من المستجوبين بالأحزاب السياسية، مقابل 23 بالمئة فقط أبدوا ثقتهم بها. أما نسبة المنتسبين فعليا إلى حزب سياسي، في الدول التي تسمح تشريعاتها بوجود أحزاب، فلم تتجاوز ستة بالمئة، فيما أفاد 55 بالمئة من المستجوبين بأنهم لا ينتمون إلى أي تنظيم حزبي ولا يشعرون بأن أي كتلة سياسية قائمة تمثّل آراءهم.
لا تختلف الصورة كثيرا حين يتعلق الأمر بالجمعيات والهيئات التطوعية، إذ لا تتجاوز نسبة المنتسبين إليها 11 بالمئة في أي من الدول المشمولة بالمسح. وتراجعت نية المشاركة في الانتخابات المقبلة من 61 بالمئة عام 2011 إلى 45 بالمئة فقط في نسخة 2025، وهو ما يعكس، بحسب المسح ذاته، انسحابا تدريجيا من أدوات المشاركة السياسية الرسمية رغم أن أغلبية المستجوبين ما زالوا يفضلون النظام الديمقراطي على أي بديل آخر.
لم يعد السؤال المطروح لماذا يبتعد المواطن العربي عن الحزب السياسي، بل أين يعيد بناء فعله السياسي بعدما فقد هذا الإطار قدرته على التمثيل. فحين تراجعت الثقة بالمؤسسة الحزبية، لم يتراجع معها الاهتمام بالشأن العام: ارتفعت نسبة من يتابعون الأخبار السياسية عبر الإنترنت إلى 38 بالمئة، أي أكثر من سبعة أضعاف ما كانت عليه عام 2011، فيما يعتمد 80 بالمئة من المستجوبين على مزيج من التلفزيون والإنترنت لمتابعة الشأن العام.
من الأحزاب إلى النقابة: الحالة التونسية
توفر تونس نموذجا مباشرا لهذا الانتقال. فبعدما أفرغ الرئيس قيس سعيّد المشهد الحزبي من فاعليته منذ إجراءاته الاستثنائية في يوليو 2021، أصبحت المعارضة التونسية، بحسب موقع “جون أفريك”، مجسّدة بشكل أوضح في النقابات والهيئات المهنية، وعلى رأسها الاتحاد العام التونسي للشغل واتحاد الصناعة والتجارة، وفي منظمات المجتمع المدني مثل هيئة المحامين والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، أكثر من تجسيدها في الأحزاب السياسية المتناحرة والمنهكة.
الوقائع الميدانية تؤكد هذا التوصيف. ففي أغسطس 2025، تعرض مقر الاتحاد العام التونسي للشغل في تونس العاصمة لمحاولة اقتحام على يد مجموعات موالية للسلطة، عقب إضراب عام في قطاع النقل استمر ثلاثة أيام، وفق ما وثّقته مبادرة الإصلاح العربي. رد الاتحاد بتنظيم تظاهرة حاشدة شارك فيها عدد من الجمعيات الحقوقية والنقابات الأخرى تضامنا معه، قبل أن يعقد مؤتمره الاستثنائي في مارس 2026 بمدينة المنستير وسط غياب لافت لممثلي الأحزاب السياسية عن قاعة الافتتاح.
هذا الفراغ الحزبي لم يُلغِ الصراع السياسي، بل نقله فقط إلى ساحة أخرى، حيث بات النقاش حول مستقبل البلاد يدور بين السلطة التنفيذية ومنظمة نقابية عريقة تأسست عام 1946 وشاركت في معركة الاستقلال، أكثر مما يدور بين مكونات المشهد الحزبي الرسمي.
من الشارع إلى الخادم الرقمي: تجربة “جيل زد 212”
في المغرب، أخذ الانتقال شكلا مختلفا تماما. فمنذ منتصف سبتمبر 2025، نظّمت مجموعة شبابية مجهولة الهوية، أطلقت على نفسها اسم “جيل زد 212” نسبة إلى الرمز الهاتفي الدولي للمملكة، سلسلة احتجاجات طالبت فيها بإصلاح قطاعي الصحة والتعليم، بعد وفاة عدة نساء حوامل إثر عمليات قيصرية فاشلة في مستشفى بأكادير.
ما ميّز هذه الحركة، بحسب موقع “ميدل إيست آي”، هو اعتمادها الكامل على منصة “ديسكورد”، وهي أداة تواصل صُممت أصلا لمجتمعات ألعاب الفيديو، لتنظيم نفسها بعيدا عن الأحزاب والنقابات التي قادت حركة 20 فبراير عام 2011. نما الخادم الرقمي للحركة من أقل من ألف عضو عند إطلاقه إلى ما يزيد على 280 ألف عضو بحلول أواخر أكتوبر 2025، وفق ما رصده معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، في تنظيم أفقي ولامركزي يصعب على السلطات احتواؤه أو التفاوض معه بالطرق التقليدية.
أعلنت الحركة صراحة أنها لا تحمل أي انتماء حزبي أو نقابي، وهو ما فرّقها عن حركة 2011 التي تحالفت مع أحزاب ونقابات قائمة. غير أن هذا النمط اللامركزي كان له ثمن مباشر: واجهت السلطات المغربية أكثر من 2400 شخص بمتابعات قضائية عقب الاحتجاجات، بحسب ما نقلته صحيفة “لوموند”، فيما أسفرت المواجهات الأولى عن سقوط ثلاثة قتلى برصاص الشرطة قرب مدينة أكادير.
فضاء مدني يضيق في معظم الدول العربية
يصطدم هذا الانتقال نحو فضاءات بديلة بواقع إقليمي أكثر تقييدا. فبحسب تقرير “الاستنتاجات العالمية 2025” الصادر عن منظمة “سيفيكوس” العالمية، يُصنَّف الفضاء المدني في عشر دول من أصل 19 دولة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بأنه “مغلق”، وفي سبع دول أخرى بأنه “مقموع”، فيما لا تحمل أي دولة في المنطقة تصنيف “مفتوح” أو “ضيّق نسبيا”.
على المستوى العالمي، وثّق التقرير احتجاز محتجين في 82 دولة على الأقل خلال عام 2025، وهو الانتهاك الأكثر شيوعا لهذا العام، إلى جانب اعتماد أو اقتراح قوانين مقيّدة للحريات المدنية في 66 دولة على الأقل. أكثر من عُشر هذه الانتهاكات، بحسب المنظمة ذاتها، تضمّن بعدا رقميا مباشرا، مثل قطع خدمة الإنترنت أو حجب منصات التواصل أو أشكال أخرى من الرقابة الإلكترونية.
هكذا يتحرك النقابيون والناشطون الرقميون في مساحة تضيق من جانبين في آن واحد: من جهة الأحزاب التي فقدت قدرتها على استيعاب الغضب الشعبي، ومن جهة السلطات التي تنظر بريبة متزايدة إلى أي تنظيم بديل، حزبيا كان أم نقابيا أم رقميا.
المراقبة الرقمية والتضليل: الثمن الخفي للبديل
الانتقال نحو الفضاء الرقمي لا يخلو من مخاطره الخاصة. فوفق مؤشر الرأي العام العربي 2025، يعتقد 37 بالمئة من مستخدمي منصات التواصل الاجتماعي في العالم العربي أن نشاطهم الرقمي مراقَب من جهات معينة، فيما يرى 44 بالمئة أن المنصات نفسها هي التي تراقبهم. في الوقت ذاته، لا يتجاوز 41 بالمئة نسبة من يثقون بالمعلومات والأخبار المتداولة على هذه المنصات، مقابل 59 بالمئة لا يثقون بها، وهي نسبة تراجعت مقارنة بالنسختين السابقتين من المسح ذاته.
أشار المسح أيضا إلى أن 15 بالمئة فقط من المستجوبين على دراية بوجود ما يُعرف بـ”الجيوش الإلكترونية”، وهي حسابات منظّمة تُستخدم للتأثير في النقاش العام أو تضخيم روايات بعينها، بينما يجهل 76 بالمئة وجودها أصلا. هذه الفجوة في الوعي تجعل المستخدم العادي عرضة لحملات تضليل منظمة دون أن يدرك مصدرها، في وقت باتت فيه هذه المنصات الفضاء الأول الذي يعبّر من خلاله جزء كبير من الشباب العربي عن مواقفه السياسية.
تجربة “جيل زد 212” المغربية توضح هذا التوتر بجلاء: فبينما وفّرت منصة “ديسكورد” حماية نسبية عبر الأسماء المستعارة، اضطر منظمو الحركة إلى الاعتماد على مستخدمين موثوقين بعد أن تسللت جهات أمنية إلى الخادم الرقمي، بحسب ما نقلته “ويكيبيديا” استنادا إلى تقارير صحفية متعددة. هذا النمط من “الشد والجذب الرقمي”، كما وصفه باحثون مختصون، يعني أن الانتقال من الحزب إلى المنصة لا يُخرج الفعل السياسي من دائرة المراقبة، بل ينقله فقط إلى ساحة مواجهة جديدة.
في تونس أيضا، لم تسلم النقابة من هذا الصراع الرقمي، إذ تداول ناشطون في أواخر 2025 مقطع فيديو غير موثّق، يُرجَّح أنه مولّد بتقنيات الذكاء الاصطناعي، حول مصير الاتحاد العام التونسي للشغل، دون أن تصدر السلطات أي توضيح رسمي بشأنه، وفق ما رصده موقع “كابيتاليس” التونسي.
تتعدد أمام المتتبع أمثلة أخرى على هذا التحول عبر المنطقة، من لجان المقاومة المحلية في السودان إلى شبكات التضامن الأهلي التي برزت في أكثر من بلد عربي خلال أزمات متتالية، وهي جميعها تشترك في سمة واحدة: ملء الفراغ الذي تركته أحزاب فقدت الثقة، دون أن تتحول بالضرورة إلى بديل مؤسسي مستقر أو معترف به قانونيا.
في المحصلة، تبقى المحاكمات المستمرة لأكثر من 2400 شخص في المغرب، والمفاوضات الاجتماعية التي يقودها الأمين العام الجديد للاتحاد التونسي صلاح الدين السلمي منذ انتخابه في مارس 2026، مؤشرين مباشرين على ما إذا كانت هذه الفضاءات البديلة قادرة على تحويل زخمها الاحتجاجي إلى مكاسب سياسية ملموسة، أم أنها ستبقى حبيسة دورة القمع والتفاوض المؤقت التي عرفتها حركات مماثلة في المنطقة خلال العقد الماضي.
المصادر
- المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات / مؤسسة الدوحة – “مؤشر الرأي العام العربي 2025”
https://arabcenterdc.org/resource/arab-opinion-index-2025/ – نُشر في 13 فبراير 2026، استُشهد به بتاريخ 15 يوليو 2026 - سيفيكوس (CIVICUS) – “الاستنتاجات العالمية 2025: الشرق الأوسط وشمال أفريقيا”
https://monitor.civicus.org/globalfindings_2025/middleeastandnorthafrica/ – استُشهد به بتاريخ 15 يوليو 2026 - ميدل إيست آي – “Morocco: How GenZ 212 turned Discord into the ‘backbone’ of its protest action”
https://www.middleeasteye.net/news/how-genz-moroccans-turned-discord-backbone-their-protest-action – نُشر في 10 أكتوبر 2025 - جون أفريك – صفحة موضوعية عن الاتحاد العام التونسي للشغل
https://www.jeuneafrique.com/institutions/ugtt/ – نُشر في 22 أكتوبر 2025 - مبادرة الإصلاح العربي – “بين المقاومة والتفكك: الاتحاد التونسي عند مفترق الطرق”
https://www.arab-reform.net/fr/publication/entre-resistance-et-fragmentation-lugtt-a-la-croisee-des-chemins/ – نُشر في 6 يناير 2026 - معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى – “The Arab Spring’s Digital Heirs in Morocco”
https://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/arab-springs-digital-heirs-morocco – نُشر في 3 نوفمبر 2025
أحمد ناصر



