الرئيسيةحقوق الإنساناللاجئونالمهاجرون في ليبيا بين الاعتقال والترحيل: أين تنتهي مسؤولية أوروبا؟

المهاجرون في ليبيا بين الاعتقال والترحيل: أين تنتهي مسؤولية أوروبا؟

تشهد ليبيا منذ أواخر مايو 2026 حملة اعتقال وترحيل واسعة تطال آلاف المهاجرين في شرق البلاد وغربها، وثّقتها منظمات حقوقية دولية بوصفها اعتقالات تعسفية وطرداً جماعياً يخالف القانون الدولي. وفي موازاة ذلك، يواصل الاتحاد الأوروبي تمويل الأجهزة الليبية المسؤولة عن ضبط الحدود، في وقت ترفض فيه المفوضية الأوروبية أي دعوة لتعليق هذا التعاون.

للمرة الأولى منذ سنوات، اتفقت السلطتان المتنازعتان في طرابلس وبنغازي على ملف واحد: تكثيف حملات اعتقال المهاجرين وترحيلهم. ووفق بيانات صادرة عن جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية في الشرق، تجاوز عدد المهاجرين المحتجزين تمهيداً للترحيل 7500 شخص بحلول منتصف يونيو 2026، فيما أعلنت السلطات ذاتها طرد أكثر من 10 آلاف مهاجر خلال الأشهر السابقة، بحسب ما نقلته منظمة “فريدوم يونايتد” في تقرير نشرته في الثاني من يوليو 2026.

حملة موحدة بين طرابلس وبنغازي لم تشهد ليبيا مثلها منذ سنوات

في طرابلس، أعلن جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية التابع لحكومة الوحدة الوطنية تنفيذ عملية إخلاء وتوقيف قسري طالت عشرات المهاجرين، من بينهم أطفال، في منطقة السراج يوم 18 مايو 2026، بحسب ما وثّقته منظمة العفو الدولية في بيان صدر في يونيو 2026. كما أعلن الفرع الشرقي للجهاز نفسه طرد أكثر من 800 مهاجر عبر مطار معيتيقة منذ بداية مايو، دون أن تُتاح لهم فرصة الطعن في قرار الترحيل أو طلب اللجوء.

وفي الشرق، حيث تسيطر القوات المسلحة العربية الليبية الموالية لخليفة حفتر، أعلنت مديرية مكافحة الهجرة غير الشرعية في 11 يونيو 2026 تصعيد عملياتها بأوامر من القيادة العسكرية، مع احتجاز ما بين 7000 و8000 مهاجر بينهم نحو 4500 من الرعايا الأجانب، غالبيتهم من السودانيين، وفق منظمة العفو الدولية. وفي المقابل، تنشر الصفحات الرسمية للجهاز بشكل شبه يومي بيانات عن عمليات ترحيل محدودة العدد، من عشرات إلى مئات المهاجرين، عبر منافذ برية وجوية في مدن مثل البطنان وأجدابيا والقبة، واصفة إياها بأنها تندرج ضمن “خطة أمنية” لتنظيم أوضاع الوافدين.

الأمر اللافت أن هاتين السلطتين المتنازعتين على كل ملف تقريباً، من الشرعية السياسية إلى عائدات النفط، توحدتا هذا العام لأول مرة منذ سنوات في حملة واحدة ضد المهاجرين، بينما يواصل الاتحاد الأوروبي التعامل مع الطرفين معاً في ملف الهجرة.

مراكز احتجاز وصفتها الأمم المتحدة بـ”نموذج العمل العنيف”

في فبراير 2026، نشر مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان بالتعاون مع بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا تقريراً يغطي الفترة من يناير 2024 إلى ديسمبر 2025، خلص إلى أن ما يتعرض له المهاجرون في ليبيا يشكل “نموذج عمل عنيفاً وممنهجاً”، على حد تعبير الممثلة الخاصة للأمين العام في ليبيا هانا تيتيه. ويوثّق التقرير اعتقال المهاجرين ونقلهم إلى مراكز احتجاز دون أي مراجعة قضائية، غالباً تحت تهديد السلاح، إلى جانب ممارسات تشمل العمل القسري والابتزاز المالي ومصادرة الوثائق الثابتة الهوية.

كما خلصت منظمة هيومن رايتس ووتش، في تقرير نشرته في الثاني من يوليو 2026، إلى أن السلطات الليبية أعلنت في مارس 2025 عزمها ترحيل 100 ألف مهاجر ولاجئ وطالب لجوء كل أربعة أشهر، وأنها أعادت قسراً في يناير 2025 نحو 150 امرأة وطفلاً نيجيرياً و613 مواطناً نيجرياً إلى بلدانهم. وقالت الباحثة في المنظمة حنان صلاح إن استمرار التعاون الأوروبي مع هذه الأجهزة يجعل من الاتحاد الأوروبي “شريكاً” فيما يجري.

هذه الاتهامات تبقى، حتى الآن، غير مقترنة برد رسمي مفصّل من السلطات الليبية على التقارير الأممية والحقوقية تحديداً، وإن كانت بياناتها الدورية تصف عمليات الترحيل بأنها تتم “وفق الإجراءات القانونية” و”بما يحفظ الكرامة الإنسانية”.

مليارات اليوروهات الأوروبية مقابل انتهاكات موثقة

يستند التعاون الأوروبي مع ليبيا في ملف الهجرة إلى أداة الجوار والتنمية والتعاون الدولي (NDICI-Global Europe)، التي خصصت لليبيا نحو 224 مليون يورو للفترة الممتدة بين 2021 و2027، بحسب بيانات المفوضية الأوروبية نفسها. ومن هذا المبلغ، ذهب نحو ثلثي التمويل المخصص للهجرة بين 2021 و2024، والبالغ 220 مليون يورو، إلى برامج الحماية والعودة الطوعية، فيما يبقى الجزء المتبقي موجهاً إلى دعم إدارة الحدود. وسبق ذلك تمويل بلغ 465 مليون يورو بين 2015 و2021 عبر الصندوق الاستئماني الأوروبي لأفريقيا.

غير أن تقارير استقصائية كشفت عن توسع هذا التعاون ليشمل، لأول مرة، القوات الشرقية الموالية لحفتر. فقد كشف موقع “ستייتووتش” في مايو 2026 عن وثيقة مسربة مؤرخة في 20 مايو 2026، تُظهر اتفاقاً تقنياً بين عملية “إيريني” البحرية الأوروبية ومؤسسات إنفاذ القانون الليبية الشرقية، يشمل تدريباً وتجهيزاً لإنشاء مركز تنسيق إنقاذ بحري في بنغازي، بتمويل أولي بلغ 3 ملايين يورو وفق مركز ستيمسون. وتأتي هذه الخطوة بعد أن كان الاتحاد الأوروبي قد امتنع لسنوات عن التعامل الرسمي مع حفتر.

ما يكشفه هذا التوسع، ليس مجرد استمرار سياسة قديمة، بل انتقالها من التعامل الحصري مع طرابلس إلى اعتماد صيغة تعاون مزدوجة تمول طرفي النزاع الليبي في آن واحد، بصرف النظر عن التقارير الحقوقية المتراكمة ضد كليهما.

بروكسل بين رفض قطع التمويل والدفاع عن “منع هجمات أخرى”

في سبتمبر 2025، وقّعت 42 منظمة مجتمع مدني، من بينها منظمة العفو الدولية وأطباء بلا حدود ومنظمة “إس أو إس ميديتيراني”، رسالة مفتوحة تطالب المفوضية الأوروبية بتعليق التعاون مع خفر السواحل الليبي في مجال البحث والإنقاذ. وردّ المتحدث باسم المفوضية غيوم ميرسييه بأن المؤسسة الأوروبية ستواصل التزامها بالعمل مع ليبيا، رافضاً بذلك الطلب صراحة. وسبق ذلك أن خلص أمين المظالم الأوروبي إلى إدانة المفوضية بسوء الإدارة لرفضها الكشف عن تقييماتها الخاصة بمشاريعها في ليبيا.

وجاء هذا الموقف بعد أشهر من حادثة إطلاق نار استهدفت سفينة الإنقاذ “أوشن فايكينغ” في أغسطس 2025، حين أطلق زورق تابع لخفر السواحل الليبي، منقول إليه من إيطاليا ضمن برنامج ممول أوروبياً، مئات الطلقات باتجاه السفينة في مياه دولية تبعد 40 ميلاً بحرياً عن الساحل الليبي. ووصفت المفوضية الحادثة حينها بأنها “تطور مقلق”، لكنها لم توقف التعاون. وفي مايو 2026، وبعد استهداف سفينة إنقاذ ألمانية أخرى، قالت المتحدثة باسم المفوضية باولا بينهو إن التعاون المستمر مع السلطات الليبية ساهم في منع وقوع هجمات إضافية، دون أن تقدّم أرقاماً تدعم هذا التقييم.

ما الذي ينتظر ملف الهجرة في الأشهر المقبلة

على الصعيد الليبي، أعلن جهاز مكافحة الهجرة في مارس 2026 تشكيل لجنة متخصصة لدراسة حلول عملية لملفات الترحيل، خصوصاً للجنسيات التي تواجه صعوبات في إعادة التوطين مثل السودانيين، على أن ترفع اللجنة توصياتها إلى رئاسة الحكومة لاعتمادها. وفي المقابل، دعا تقرير الأمم المتحدة الصادر في فبراير 2026 المجتمع الدولي، بما فيه الاتحاد الأوروبي، إلى فرض وقف مؤقت لعمليات الاعتراض والإعادة إلى ليبيا، ريثما تُضمن ضمانات كافية لحقوق الإنسان، وهو طلب لم تستجب له المفوضية الأوروبية حتى منتصف يوليو 2026.

وتبقى مهمة عملية “إيريني” البحرية الأوروبية، الممددة حتى مارس 2027، محوراً رئيسياً لمراقبة تطور هذا التعاون، في وقت تستمر فيه المفوضية الأوروبية بدراسة توسيع صلاحياتها لتشمل مهام تنسيقية إضافية مع القوات الشرقية، وفق ما كشفته وثائق مسربة اطلعت عليها منظمات متخصصة في رصد سياسات الهجرة الأوروبية.


المصادر

  1. Human Rights Watch — “Libya: Anti-Migrant Rhetoric Fuels Abuses”
    https://www.hrw.org/news/2026/07/02/libya-anti-migrant-rhetoric-fuels-abuses — تاريخ الاطلاع: 15 يوليو 2026
  2. Amnesty International — “Libya/EU: Rival authorities intensify xenophobic and racist crackdown on refugees and migrants in Libya as EU seeks to deepen ties”
    https://www.amnesty.org/en/latest/news/2026/06/libya-eu-rival-authorities-intensify-xenophobic-and-racist-crackdown-on-refugees-and-migrants-in-libya-as-eu-seeks-to-deepen-ties/ — تاريخ الاطلاع: 15 يوليو 2026
  3. OHCHR — “Migrants in Libya victims of ‘violent business model’ of systemic violations and abuses”
    https://www.ohchr.org/en/press-releases/2026/02/migrants-libya-victims-violent-business-model-systemic-violations-and-abuses — تاريخ الاطلاع: 15 يوليو 2026
  4. European Commission — “Libya – Middle East, North Africa and the Gulf” (بيانات التمويل الرسمية)
    https://north-africa-middle-east-gulf.ec.europa.eu/countries/libya_en — تاريخ الاطلاع: 15 يوليو 2026
  5. Euronews — “European Commission dismisses NGOs’ call to stop financing of Libyan Coast Guard”
    https://www.euronews.com/my-europe/2025/09/24/european-commission-dismisses-ngos-call-to-stop-financing-of-libyan-coast-guard — تاريخ الاطلاع: 15 يوليو 2026
  6. Statewatch — “Revealed: EU agreement to expand deadly migration cooperation with Libya’s eastern forces”
    https://www.statewatch.org/news/2026/may/revealed-eu-agreement-to-expand-deadly-migration-cooperation-with-libya-s-eastern-forces/ — تاريخ الاطلاع: 15 يوليو 2026

ليلى منصور

شكرًا على قراءة المقال. اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية لتتلقى ملخصًا يوميًا لأحدث الأخبار.

ليلى منصور
ليلى منصورhttps://alahrar.net/
ليلى منصور صحفية عربية تهتم بقضايا المجتمع وحقوق الإنسان والمرأة والهجرة والتحولات الاجتماعية في المنطقة العربية. تركز في عملها على القصص الإنسانية والموضوعات التي تعكس أثر السياسات العامة في الحياة اليومية للمواطنين. تكتب بأسلوب يجمع بين الدقة الصحفية والاهتمام بالشهادات الميدانية، وتسعى إلى تقديم القضايا الاجتماعية بعيداً عن الأحكام المسبقة والتناول السطحي
مقالات ذات صلة
spot_img

ملفات الأحرار

الأكثر شهرة