الرئيسيةالأخبارالوطنالسياحة في الجزائر: لماذا لا تكفي المناظر الطبيعية لصناعة وجهة ناجحة؟

السياحة في الجزائر: لماذا لا تكفي المناظر الطبيعية لصناعة وجهة ناجحة؟

كلّف رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، خلال اجتماع لمجلس الوزراء عقد يوم الأحد 12 جويلية 2026، وزيرة السياحة والصناعة التقليدية حورية مداحي بإعداد مخطط عمل كامل وفعال لتطوير السياحة الوطنية وتشجيع السياحة الداخلية. القرار يعيد إلى الواجهة سؤالا اقتصاديا أعمق من مجرد الإعلان الرسمي: هل تكفي المؤهلات الطبيعية والثقافية التي تزخر بها الجزائر لصناعة وجهة سياحية تنافسية، أم أن النجاح يتوقف على حلقات أخرى أقل بريقا، من أسعار النقل إلى حماية المواقع الطبيعية؟

وبحسب بيان لرئاسة الجمهورية نقلته عدة وسائل إعلام جزائرية، وجّه رئيس الجمهورية بضرورة التركيز على السياحة الساحلية والجبلية والصحراوية معا، مع تكثيف التكوين والتخصص في كل نمط منها، مستفيدا من التسهيلات المعتمدة في السنوات الأخيرة، وعلى رأسها إمكانية الحصول على التأشيرة مباشرة عند الوصول إلى مطارات الجنوب. الاجتماع نفسه شهد قرارا آخر ذا صلة مباشرة بالقطاع: اعتماد البطاقة البنكية بصفة مؤقتة كوسيلة وحيدة لصرف منحة السفر السياحية، بدل تسليمها نقدا، للحد من التجاوزات التي كانت تتسبب في نزيف للعملة الصعبة دون أن يستفيد منها المعنيون فعليا.

توجيه رئاسي وسط استراتيجية ممتدة إلى 2029

هذا التوجيه لا يأتي من فراغ، بل يندرج ضمن مخطط عمل قطاعي أوسع للفترة 2026-2028 كانت الوزيرة قد كشفت ملامحه في يونيو الماضي، ويستهدف استقطاب أكثر من 8 ملايين سائح آفاق 2029، عبر تطوير السياحة الداخلية والاستقبالية ورفع جودة العرض السياحي. وأوضحت مداحي، خلال لقاء تقييمي سنوي مع مديري القطاع بالولايات، أن الطاقة الفندقية الوطنية مرشحة للوصول إلى نحو 230 ألف سرير مع مطلع 2029، مقابل 151 ألف سرير مسجلة في نهاية 2023 وفق إحصائيات الوزارة نفسها.

وما تكشفه هذه العودة المتكررة إلى ملف السياحة خلال أقل من عام واحد هو أن المشكلة لم تعد تتعلق برسم الاستراتيجيات، بل بترجمتها إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع. فالوزارة أعلنت خلال النصف الأول من 2026 عن استلام 129 مشروعا سياحيا وبرمجة 196 مشروعا جديدا لهذا العام، فيما يُتوقع تسليم 148 مشروعا بطاقة تفوق 15 ألف سرير موزعة عبر 14 ولاية ساحلية و17 ولاية بالهضاب العليا. الرقم يبدو كبيرا على الورق، لكنه يظل بعيدا عن الهدف الفعلي إذا احتُسبت وتيرة الإنجاز الفعلية للمشاريع السياحية في السنوات السابقة.

من نحو 3,5 ملايين سائح إلى هدف 8 ملايين: أين تقف الجزائر فعليا؟

في تقييمها لسنة 2025، أشارت وزيرة السياحة إلى أن عدد السياح الوافدين إلى الجزائر ارتفع إلى أكثر من 3,5 مليون سائح، وهو رقم يظل بعيدا عن سقف 8 ملايين المستهدف خلال أربع سنوات فقط. غير أن الصورة الدولية أكثر دلالة: فقد أدرجت الجزائر لأول مرة، سنة 2025، ضمن مؤشر تنافسية السفر والسياحة الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2024، محتلة المرتبة 98 عالميا من أصل 119 اقتصادا والمرتبة 14 أفريقيا، بمعدل 3,42 من سبع نقاط. هذا الترتيب المتأخر، رغم تنوع طبيعي وثقافي نادرا ما تجمعه دولة واحدة بين شواطئ متوسطية وجبال وصحراء تعد ثاني أكبر صحراء في العالم، يلخص جوهر الإشكالية: المؤهلات وحدها لا تُترجم آليا إلى تدفقات سياحية أو استثمارات.

هذا التفاوت بين الغنى الطبيعي وضعف الأداء التنافسي ليس جديدا، إذ أشارت دراسات أكاديمية متعددة، منذ سنوات، إلى أن عدم استغلال المقومات السياحية الجزائرية بشكل كامل هو ما يفسر تراجع القطاع مقارنة بجارتيه المغرب وتونس في التصنيفات الدولية ذاتها. والرهان الحالي هو معرفة ما إذا كان المخطط الجديد قادرا على كسر هذه المعادلة، أم أنه سيضاف إلى سلسلة الإعلانات السابقة دون أثر يُذكر على الترتيب الدولي.

وزارة تقود المخطط… واستثمار خاص لا يزال في انتظار الترجمة الميدانية

يقع تنفيذ المخطط الجديد على عاتق وزارة السياحة والصناعة التقليدية بالتنسيق مع قطاعات أخرى معنية بالنقل والتكوين المهني والداخلية، فيما يبقى القطاع الخاص، من مستثمرين فندقيين ووكالات أسفار وحرفيين، الحلقة الأكثر تأثرا بسرعة أو بطء تجسيد المشاريع المعلنة. الوزارة تراهن على أن رفع الطاقة الفندقية وفتح المجال أمام مستثمرين جدد سيسمحان بكسر ما وصفته بالاحتكار القائم حاليا على العرض الفندقي، وهو ما ينعكس مباشرة على الأسعار المرتفعة التي يشتكي منها المصطافون الجزائريون كل موسم.

في المقابل، يبقى المواطن والمغترب الجزائري في قلب هذه المعادلة باعتبارهما الزبون الأول للسياحة الداخلية. فالجالية المقيمة في أوروبا، التي تفضل غالبا النقل البحري خلال موسم الاصطياف، عبّرت في الأشهر الأخيرة عن قلقها من ارتفاع أسعار تذاكر السفر، ما دفع بعض الفاعلين الاقتصاديين إلى اقتراح منصة رقمية مخصصة للجالية تتيح أسعارا مدعمة اعتمادا على وثائق السفر الجزائرية. قرار ربط منحة السفر السياحية بالبطاقة البنكية، المتخذ في الاجتماع الوزاري نفسه، يندرج ضمن المحاولات ذاتها لضبط هذا الملف الحساس ماليا.

النقل والأسعار والحجز الرقمي: العقبات التي يواجهها السائح يوميا

خارج الخطاب الرسمي، تبقى ثلاث عقبات ملموسة تحدد تجربة أي زائر للجزائر، سواء كان مواطنا أو أجنبيا. أولها النقل، حيث لا يزال الربط بين الولايات الداخلية والمطارات ومحطات السكك الحديدية غير كاف لتغطية الوجهات السياحية الصاعدة، رغم إدماج طائرات جديدة ضمن أسطول النقل الجوي الوطني وإطلاق شركة طيران محلية تابعة للخطوط الجوية الجزائرية في أوت 2025. ثانيها الأسعار، التي تتفاوت بشكل كبير بين موسم وآخر، إذ تصل تخفيضات موسم الشتاء في بعض محطات الاستشفاء بالمياه المعدنية إلى 30 بالمئة، بينما تبقى أسعار الفنادق المصنفة مرتفعة نسبيا مقارنة بالقدرة الشرائية لغالبية العائلات الجزائرية.

أما العقبة الثالثة فهي الحجز الرقمي، الذي وضعته الوزارة في صلب استراتيجيتها الجديدة لإعادة بعث القطاع. فالمؤسسات الفندقية أصبحت مطالبة رسميا بتوفير خدمات الحجز والدفع عن بعد، وقد نظمت الوزارة دورات تكوينية لمسيري الفنادق تناولت رقمنة التسيير والحجز الإلكتروني والدفع الرقمي وحماية المعطيات الشخصية والأمن السيبراني. غير أن تعميم هذه الخدمات على كامل الحظيرة الفندقية، بما فيها المؤسسات الصغيرة في الولايات الداخلية، لا يزال في مراحله الأولى.

التكوين والاستثمار وحماية المواقع الطبيعية: الرهان الأصعب على المدى الطويل

على مستوى الموارد البشرية، أعلنت الوزارة عن تكوين أكثر من 4000 مرشد سياحي و1200 حرفي وما يزيد عن 900 مسير لمؤسسات فندقية ووكالات سفر خلال النصف الأول من 2026 وحده، في إطار خمسة محاور تشمل أيضا تشجيع الاستثمار وعصرنة الهياكل الفندقية وترسيخ التنسيق بين مختلف الفاعلين. الوزيرة نفسها ربطت صراحة بين نجاح هدف 8 ملايين سائح وتوفر موارد بشرية مؤهلة، معتبرة أن التكوين المتخصص أصبح ضرورة استراتيجية لبناء صناعة سياحية قوية ومستدامة.

يبقى ملف حماية المواقع الطبيعية الأكثر حساسية على المدى الطويل، خصوصا في الجنوب الصحراوي الذي يضم خمس حظائر ثقافية مصنفة، هي الطاسيلي بولاية إليزي والهقار بتمنراست ووادي مزاب بغرداية والحظيرة الثقافية للأطلس الصحراوي، إضافة إلى 11 حديقة وطنية معترف بها من الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة واليونسكو، يُمنع فيها التعدين واستخراج المحروقات والصيد. ورغم هذا الإطار القانوني، يشير مختصون في السياحة البيئية إلى أن الخطاب الترويجي الحالي لا يعكس بعد الخصوصية البيئية للجزائر، داعين إلى تطوير نزل بيئية ومسالك سياحية منظمة في مناطق جبلية كجرجرة والأوراس، بالتوازي مع تنمية السياحة الصحراوية التي استقطبت وحدها نحو 470 ألف سائح خلال موسم 2025-2026.

ما الذي سيحدد نجاح المخطط الجديد؟

لم تحدد رئاسة الجمهورية أجلا زمنيا معلنا لتسليم مخطط تطوير السياحة، خلافا لملف آخر نوقش في الاجتماع الوزاري ذاته وحُدد له أجل شهر واحد. غير أن هذا المخطط سيندرج فعليا ضمن الأفق الزمني الأوسع لاستراتيجية 2026-2028 التي تضع خط النهاية عند 2029، موعد استهداف 8 ملايين سائح و230 ألف سرير فندقي. نجاح هذا الرهان لن يُقاس بعدد المشاريع المعلنة أو الحملات الترويجية في الصالونات الدولية، بل بقدرة الحكومة على معالجة العقبات اليومية السبع التي يصطدم بها كل زائر: من ثمن تذكرة الطائرة إلى جودة غرفة الفندق، مرورا بسهولة الحجز الرقمي وحماية موقع أثري لا يمكن تعويضه إذا تدهور.


Sources

  1. رئاسة الجمهورية الجزائرية (عبر وكالة الأنباء الجزائرية) – “أهم مخرجات اجتماع مجلس الوزراء” ليوم 12 جويلية 2026
    https://www.ennaharonline.com/أهم-مخرجات-اجتماع-مجلس-الوزراء-20 – اطلع عليه في 16 جويلية 2026
  2. الشروق أونلاين – “وزارة السياحة تضع مخططا لاستقطاب 8 ملايين سائح”
    https://www.echoroukonline.com/وزارة-السياحة-تضع-مخططا-لاستقطاب-8-ملاي – اطلع عليه في 16 جويلية 2026
  3. يومية الشعب الجزائرية – “الجزائر الجديدة.. وجهة سياحية بنقرة زرّ”
    https://www.ech-chaab.com/new/2026/04/22/الجزائر-الجديدة-وجهة-سياحية-بنقرة-زرّ – اطلع عليه في 16 جويلية 2026
  4. وكالة أوراس الإخبارية – “استقطاب 8 ملايين سائح.. الجزائر تكشف إستراتيجية سياحية طموحة”
    https://www.awras.com/استقطاب-8-ملايين-سائح-الجزائر-تكشف-إست – اطلع عليه في 16 جويلية 2026
  5. تادامسا نيوز، نقلا عن تقرير Travel & Tourism Development Index 2024 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي – “أين تقف الجزائر في مؤشر السياحة العالمي 2024؟”
    https://tadamsanews.dz/أين-تقف-الجزائر-في-مؤشر-السياحة-العالم – اطلع عليه في 16 جويلية 2026
  6. وزارة الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج – صفحة “اكتشف الجزائر: السياحة”
    https://www.mfa.gov.dz/ar/discover-algeria/tourism – اطلع عليه في 16 جويلية 2026

يوسف عبد الله

شكرًا على قراءة المقال. اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية لتتلقى ملخصًا يوميًا لأحدث الأخبار.

يوسف عبد الله
يوسف عبد اللهhttps://alahrar.net/
يوسف عبد الله صحفي اقتصادي يتابع قضايا الأسواق والطاقة والاستثمار وريادة الأعمال والتنمية المستدامة. يهتم بتحليل المؤشرات الاقتصادية وشرح أثر القرارات المالية في الشركات والأسر والمجتمعات، كما يتابع التحولات المرتبطة بالطاقة النظيفة والأمن الغذائي والمياه. يحرص في كتاباته على تقديم الأرقام في سياق واضح، بعيداً عن المصطلحات المعقدة والمبالغة.
مقالات ذات صلة
spot_img

ملفات الأحرار

الأكثر شهرة