الرئيسيةالسياسةالأحزاب والحياة السياسيةالجزائر بعد التشريعيات: هل تتغير الحياة الحزبية أم تستمر القواعد القديمة؟

الجزائر بعد التشريعيات: هل تتغير الحياة الحزبية أم تستمر القواعد القديمة؟

أفرزت انتخابات 2 يوليو 2026 برلمانا جديدا تتحكم فيه الأحزاب الموالية للسلطة التنفيذية بأكثر من ثلثي المقاعد، وسط أدنى نسبة مشاركة تشهدها الجزائر منذ الاستقلال. وبين تجدد الوجوه وارتفاع عدد الشباب والجامعيين تحت القبة، تُطرح الأسئلة نفسها التي رافقت المجالس السابقة: هل يملك هذا البرلمان أدوات صنع القرار الحقيقية، أم يستنسخ موازين القوة القديمة بواجهة جديدة؟

توجه الجزائريون، يوم الخميس 2 يوليو، إلى صناديق الاقتراع لانتخاب 407 نواب في المجلس الشعبي الوطني لعهدة خمس سنوات، في أول استحقاق تشريعي يجري بعد التعديل الدستوري الذي أقره البرلمان في 25 مارس 2026. وأعلنت السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، عبر رئيسها بالنيابة كريم خلفان، النتائج الأولية يوم الاثنين 6 يوليو، لتؤكد تصدر جبهة التحرير الوطني الترتيب بـ90 مقعدا، يليها التجمع الوطني الديمقراطي بـ73 مقعدا، ثم جبهة المستقبل بـ59 مقعدا. غير أن الرقم الذي استقطب الاهتمام الأكبر بقي نسبة المشاركة، التي لم تتجاوز 21.24 بالمئة داخل الوطن و10.75 بالمئة لدى الجالية بالخارج.

نسبة مشاركة تاريخية تعيد فتح ملف الشرعية

من أصل 23.878.756 ناخبا مسجلا داخل الوطن، لم يتوجه إلى صناديق الاقتراع سوى 5.071.020 شخص، بينما اقتصرت المشاركة في الخارج على 91.810 ناخب من أصل 854.285 مسجل، بحسب الأرقام التي عرضها كريم خلفان في مؤتمره الصحفي بالمركز الدولي للمؤتمرات بالجزائر العاصمة. ولوحظ أيضا تسجيل نحو 910 آلاف ورقة باطلة، وهو رقم يقترب من عُشر مجموع المسجلين داخل الوطن. وتأتي هذه النسبة أدنى من تلك المسجلة في تشريعيات 2021، التي بلغت حينها 23 بالمئة عقب الحراك الشعبي، ما يجعل استحقاق 2026 الأضعف إقبالا في تاريخ الانتخابات النيابية بالبلاد. ويربط باحثون جزائريون هذا العزوف بتراجع الثقة في جدوى العملية الانتخابية أكثر من ارتباطه بمقاطعة سياسية منظمة.

حملة انتخابية بلا مواجهة برامجية

خلافا للمواعيد الانتخابية السابقة، لم تشهد حملة 2026 نقاشات معمقة حول الملفات الاجتماعية والاقتصادية التي تشغل الرأي العام، من ارتفاع الأسعار إلى تدهور قيمة الدينار. ورصدت وسائل إعلام جزائرية أجواء حملة هادئة بشكل غير معتاد، خالية من المواجهات والجدل السياسي الذي اعتاده الناخبون في استحقاقات سابقة. وارتبط هذا الفتور، بحسب متابعين، بتشديد القانون العضوي للأحزاب وقانون الانتخابات المعدَّلين مطلع 2026، اللذين رفعا سقف شروط المشاركة: فلم يعد بإمكان التقدم بقوائم إلا للأحزاب التي حصلت على أكثر من 4 بالمئة من الأصوات في دائرتها خلال الاستحقاق السابق أو التي تملك عشرة منتخبين على الأقل، وإلا وجب جمع 150 توقيعا لكل مقعد داخل الوطن و100 توقيع بالخارج. وقد أقصت السلطة الانتخابية، في أبريل 2026، أربعة عشر حزبا بالكامل من السباق، بحجة عدم تجديد هياكلها القيادية في الآجال القانونية، بحسب ما نقلته مجلة جون أفريك.

الأغلبية الرئاسية توسّع حضورها رغم تراجع “الحزب الأم”

على الرغم من تراجع جبهة التحرير الوطني من 98 مقعدا في 2021 إلى 90 مقعدا هذه المرة، فإن التحالف الرئاسي في مجمله خرج معززا من الاستحقاق. فبجمع مقاعد جبهة التحرير والتجمع الوطني الديمقراطي وجبهة المستقبل وحركة البناء الوطني وحزب صوت الشعب، تصل حصيلة الأحزاب الموالية للسلطة التنفيذية إلى 277 مقعدا من أصل 407، أي أكثر من ثلثي المجلس. في المقابل، سجّلت حركة مجتمع السلم أكبر خسارة في هذا الاستحقاق، إذ تراجعت من 65 مقعدا إلى 43 فقط، فيما حقق التجمع الوطني الديمقراطي أكبر قفزة نسبية بانتقاله من المرتبة الرابعة إلى الثانية.

128 نائبا شابا مقابل 23 امرأة فقط: مفارقة “الدماء الجديدة”

أبرزت الأرقام الرسمية دخول 128 نائبا من فئة الشباب إلى المجلس الشعبي الوطني، إلى جانب 312 نائبا من حملة الشهادات الجامعية من أصل 407، أي ما يعادل ثلاثة أرباع المجلس تقريبا. غير أن هذا التجديد لم يشمل التمثيل النسوي، الذي لم يتجاوز 23 مقعدا فقط، أي أقل من 6 بالمئة من مجموع النواب. ويعود هذا التراجع جزئيا إلى الجدل الذي رافق تطبيق شرط الثلث من المترشحات في القوائم، بعدما منحت السلطة الانتخابية إعفاءات لبعض القوائم التي لم تستوفِ هذا الشرط، قبل أن توضح في أبريل 2026 أن الإعفاء لا يعني إسقاطا كاملا للتمثيل النسوي بل يقتصر على النسبة المحددة قانونا. وتقرّ النائبة فاطمة الزهراء بن صافي، الفائزة عن قائمة التجمع الوطني الديمقراطي بالعاصمة، بأن هذه الحصيلة تفتح بابا مشروعا للتساؤل حول واقع مشاركة المرأة في الحياة السياسية، داعية إلى وقفة تقييم لهذا الملف بعيدا عن منطق الأرقام وحدها.

المستقلون بين الحضور العددي وضعف النفوذ

حصد المرشحون المستقلون 32 مقعدا، وهو رقم يضعهم في مرتبة متقدمة مقارنة بأحزاب عريقة مثل جبهة القوى الاشتراكية التي اكتفت بـ12 مقعدا، أو التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية الذي عاد إلى المجلس بأربعة مقاعد فقط بعد غياب طويل. بيد أن حضور المستقلين العددي لا يعكس، بحسب محللين جزائريين، وزنا سياسيا مكافئا، إذ تبقى هذه القوائم غير المهيكلة عاجزة عن منافسة الأحزاب التي تملك امتدادا تنظيميا وخبرة انتخابية متراكمة. ويبقى السؤال مفتوحا حول قدرة هؤلاء النواب على التكتل داخل قبة البرلمان لتشكيل قوة اقتراح فعلية، بدل الذوبان في حسابات الأغلبية.

برلمان جديد أمام اختبار العلاقة بالسلطة التنفيذية

يأتي هذا التجديد بعد مجلس منته الولاية وُصف مرارا بأنه خاضع بالكامل للسلطة التنفيذية، في وقت يفترض أن يعيد التعديل الدستوري لمارس 2026 رسم العلاقة بين السلطات ويعزز ضمانات نزاهة العملية الانتخابية. واعتبرت صحيفة “الخبر” أن نجاح المجلس المقبل لن يقاس بتركيبته السياسية بقدر ما سيقاس بقدرته على التحول من فضاء تقليدي للمواجهة إلى مكان فعلي لإنتاج تشريع نوعي ورقابة فعالة على عمل الحكومة. لكن امتلاك التحالف الرئاسي أكثر من ثلثي المقاعد يعيد إنتاج موازين القوة نفسها التي ميّزت المجلس السابق، بصرف النظر عن حجم تجديد الوجوه داخله، وهو ما يجعل اختبار استقلالية الأداء التشريعي، لا تركيبة القوائم الفائزة، المعيار الحقيقي للحكم على ما إذا كانت الحياة الحزبية الجزائرية تتغير فعلا.

وتبقى هذه النتائج، في صيغتها الحالية، مؤقتة إلى حين بت المحكمة الدستورية في الطعون التي يحق لكل قائمة أو مترشح تقديمها خلال 48 ساعة من الإعلان عنها، باعتبارها الجهة الوحيدة المخولة قانونا بالإعلان عن النتائج النهائية للاقتراع. وعلى ضوء هذا الحسم، ستنعقد الجلسة الافتتاحية للعهدة العاشرة للمجلس الشعبي الوطني، لتبدأ عمليا مرحلة اختبار الوعود التي رافقت الإصلاحات المؤسساتية للسنوات الأخيرة.


المصادر

  1. الإذاعة الجزائرية – “تشريعيات 2 جويلية: توزيع المقاعد حسب الانتماء الحزبي”
    https://news.radioalgerie.dz/fr/node/89796 – اطُلع عليه في 14 يوليو 2026
  2. TSA (Tout Sur l’Algérie) – “Législatives en Algérie: le FLN en tête, percée du RND, le MSP recule”
    https://www.tsa-algerie.com/legislatives-en-algerie-le-fln-et-le-msp-reculent-percee-du-rnd/ – اطُلع عليه في 14 يوليو 2026
  3. Horizons – “Résultats provisoires des législatives 2026”
    https://www.horizons.dz/2026/07/resultats-provisoires-des-legislatives-2026-le-fln-le-rnd-et-le-front-el-moustakbal-raflent-la-mise/ – اطُلع عليه في 14 يوليو 2026
  4. France 24 – “Algérie: des législatives marquées par une faible participation”
    https://www.france24.com/fr/afrique/20260702-en-algérie-jour-de-vote-pour-les-législatives-et-crainte-d-une-abstention-massive – اطُلع عليه في 14 يوليو 2026
  5. Ultra Algeria – “البرلمان الجزائري الجديد: استمرار هيمنة أحزاب الموالاة وسط أضعف مشاركة في تاريخ البلاد”
    https://ultraalgeria.ultrasawt.com/ – اطُلع عليه في 14 يوليو 2026
  6. جون أفريك (Jeune Afrique) – “Algérie: législatives 2026, mode d’emploi”
    https://www.jeuneafrique.com/1806585/politique/algerie-legislatives-2026-mode-demploi/ – اطُلع عليه في 14 يوليو 2026

ليلى منصور

شكرًا على قراءة المقال. اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية لتتلقى ملخصًا يوميًا لأحدث الأخبار.

ليلى منصور
ليلى منصورhttps://alahrar.net/
ليلى منصور صحفية عربية تهتم بقضايا المجتمع وحقوق الإنسان والمرأة والهجرة والتحولات الاجتماعية في المنطقة العربية. تركز في عملها على القصص الإنسانية والموضوعات التي تعكس أثر السياسات العامة في الحياة اليومية للمواطنين. تكتب بأسلوب يجمع بين الدقة الصحفية والاهتمام بالشهادات الميدانية، وتسعى إلى تقديم القضايا الاجتماعية بعيداً عن الأحكام المسبقة والتناول السطحي
مقالات ذات صلة
spot_img

ملفات الأحرار

الأكثر شهرة