تراجعت حركة العبور عبر مضيق هرمز، الممر الذي كان يحمل يوميا نحو 20% من صادرات النفط العالمية وثلث شحنات الغاز الطبيعي المسال، إلى أقل من 2% من معدلها المعتاد بحلول منتصف يوليو 2026، وفق بيانات جمعتها مؤسسة “Lloyd’s List Intelligence” المتخصصة في رصد الملاحة البحرية. لم يعد الأمر يقتصر على حظر عسكري صريح، بل تحول إلى دوامة من الانفتاح الجزئي والانغلاق المتكرر أنهكت ثقة الأسواق أكثر مما فعله إغلاق كامل ومعلن. فبعد مذكرة تفاهم أمريكية إيرانية وقعت في 17 يونيو أعادت جزءا من الحركة إلى الممر، أطاحت هجمات 7 و14 يوليو على ناقلتين إماراتيتين وناقلة غاز قطرية بأي أمل في عودة قريبة إلى الوضع الطبيعي.
من 178 سفينة يوميا إلى سبع فقط: انهيار حركة الملاحة في هرمز
قبل اندلاع الحرب، كان معدل 178 سفينة يعبر مضيق هرمز يوميا، بحسب تقدير نشره المنتدى الاقتصادي العالمي. أما اليوم فلم يتجاوز عدد الناقلات الكبرى التي عبرت الممر يوم الأربعاء 15 يوليو سبع سفن فقط، مقابل 13 سفينة في اليوم السابق، وفق رصد لحركة الملاحة عبر الأقمار الصناعية استعرضته الجزيرة. ارتفعت أسعار خام برنت في المقابل إلى نحو 86 دولارا للبرميل يوم 17 يوليو، بزيادة تفوق 24% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
منظمة الملاحة البحرية الدولية التابعة للأمم المتحدة (IMO) أكدت من جهتها أن نحو 6000 بحار ما زالوا عالقين على متن مئات السفن الراسية قرب المضيق في حالة تأهب قصوى، بحسب بيان لمكتب أخبار الأمم المتحدة في 9 يوليو. منذ بداية الأزمة أواخر فبراير، سجلت حصيلة الأضرار غرق قاطرة واحدة وتضرر ما لا يقل عن 17 سفينة تجارية، هُجرت سبع منها بالكامل، إضافة إلى مقتل أو فقدان 12 بحارا.
خمسة بالمئة من قيمة الناقلة: قفزة غير مسبوقة في تأمين مخاطر الحرب
الأثر المباشر لهذا التصعيد يظهر أولا في سوق التأمين البحري، حيث تحولت أقساط تغطية مخاطر الحرب إلى المؤشر الأسبق على أي تصعيد ميداني. وبحسب نيل روبرتس، رئيس قسم الشحن البحري والطيران في رابطة لويدز للتأمين البحري، «معدلات التأمين ضد الحرب تتحرك بقدر تحرك المخاطر نفسها». وأوضح روبرتس أن الأقساط كانت قد تراجعت عقب توقيع مذكرة التفاهم في يونيو، قبل أن ترتفع مجددا إثر استهداف ثلاث سفن الأسبوع الماضي.
تشير تقديرات السوق إلى أن أصحاب السفن يدفعون اليوم نحو 5% من قيمة الناقلة كقسط تأمين لعبور واحد فقط عبر هرمز، مقابل معدل عادي وقت السلم لا يتجاوز 0.15%. وبلغة الأرقام، فإن ناقلة نفط عملاقة تقدر قيمتها بين 100 و150 مليون دولار كانت تدفع نحو 150 إلى 225 ألف دولار لتأمين رحلة واحدة، بات عليها اليوم دفع ما بين 5 و7.5 مليون دولار للرحلة نفسها. هذه الكلفة الإضافية تنتقل حتما إلى سعر الشحن النهائي، ومنه إلى سعر البرميل أو طن الحبوب في الأسواق العربية المستوردة.
طهران توجه حلفاءها الحوثيين نحو الجبهة الثانية في باب المندب
ما يكشفه هذا التوسع في التهديد ليس فقط رغبة إيرانية في مضاعفة أوراق الضغط، بل إدراك بأن إغلاق ممر واحد لم يعد كافيا لفرض معادلة تفاوضية جديدة. فقد نقلت وكالة رويترز عن ثلاثة مصادر أن طهران طلبت من حركة الحوثي في اليمن الاستعداد لإغلاق باب المندب إذا استهدفت الولايات المتحدة شبكة الكهرباء الإيرانية، وأن الرسالة وصلت بالفعل إلى الحلفاء اليمنيين. مصدر مقرب من الجماعة أضاف أنها أتمت نشر صواريخ وطائرات مسيرة قرب المضيق وتنتظر أمر التنفيذ.
يكتسب هذا التهديد خطورة إضافية لأن باب المندب تحول تدريجيا، منذ إغلاق هرمز، إلى المتنفس البديل لصادرات الخليج. فقد ارتفع حجم النفط الخام والمكثفات العابرة للمضيق من 3.7 مليون برميل يوميا في الربع الأول من 2025 إلى 5.4 مليون برميل يوميا في الربع الأول من 2026، بحسب بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية التي استعرضتها مجلة “تايم”. وحوّلت السعودية جزءا من صادراتها عبر خط أنابيب بري نحو ميناء ينبع على البحر الأحمر لتفادي هرمز كليا. أي إغلاق فعلي لباب المندب سيقفل بذلك المخرجين الرئيسيين لنفط الخليج في آن واحد، وهو سيناريو لم تختبره الأسواق العالمية من قبل.
من ناقلات الخليج إلى موائد المستهلك العربي: كلفة الغذاء تتسلل عبر الطاقة
الدول العربية المستوردة للغذاء والطاقة تتحمل الجزء الأكبر من كلفة هذا الاختناق المزدوج. فبحسب تقرير لمركز أورف للشرق الأوسط، تستورد دول مجلس التعاون الخليجي ما بين 72% و89% من احتياجاتها الغذائية، وتصل نسبة تعرضها الكامل لمخاطر انقطاع سلاسل الإمداد إلى 100% في جميع دول المجلس باستثناء السعودية التي خفضت اعتمادها إلى 59% بفضل منافذها على البحر الأحمر.
على صعيد الأسمدة، يمر عبر هرمز وحده ما يصل إلى 30% من التجارة العالمية للأسمدة النيتروجينية والفوسفاتية والكبريتية، بما يعادل 16 مليون طن سنويا، بحسب تقرير مشترك لمنظمة الأغذية والزراعة الأممية. وتوفر منطقة الخليج وحدها ما بين 30% و35% من صادرات اليوريا العالمية، إذ تنتج شركة “قافكو” القطرية وحدها 14% من التجارة العالمية لليوريا. وحذّرت المنظمة نفسها من أن استمرار الأزمة قد يدفع نحو 45 مليون شخص إضافي إلى الجوع الحاد بحلول منتصف 2026، فيما ارتفعت أسعار اليوريا العالمية بنسبة تقارب 46% بين فبراير ومارس وحدهما.
قناة السويس ومصر تدفعان ثمن أزمة صنعتها جبهات أخرى
مصر، التي لا تشارك مباشرة في المواجهة العسكرية، تجد نفسها من أكبر المتضررين اقتصاديا. فقد أعلن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن الاضطرابات المتلاحقة في باب المندب كلّفت خزينة قناة السويس نحو 10 مليارات دولار من العائدات المتراكمة منذ بداية العقد، مقارنة بذروة بلغت 9.4 مليارات دولار في السنة المالية 2022-2023. وسجّل يناير 2026 أضعف حركة عبور يشهدها الشهر ذاته منذ عقد كامل، بواقع 150 عبورا لسفن الحاويات فقط، بانخفاض 16.7% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
هذا التراجع لا يمس مصر وحدها؛ فهو يضرب حلقة الوصل التقليدية بين موانئ الخليج وأسواق أوروبا وشمال أفريقيا، ويرفع تكلفة الشحن على كل بضاعة تمر عبر هذا الممر باتجاه الموانئ العربية على المتوسط.
ما الذي يجب مراقبته في الأسابيع المقبلة
يبقى مصير باب المندب مرهونا بمسار المواجهة بين واشنطن وطهران حول شبكة الكهرباء الإيرانية، وهو الخط الأحمر الذي حددته إيران لتفعيل تهديدها. في المقابل، تدرس دول مجلس التعاون الخليجي، وفي مقدمتها قطر وعُمان، توسيع مخزوناتها الاستراتيجية من الحبوب بعد التجربة التي راكمتها منذ الحصار الإقليمي لعام 2017. أما في مصر، فتراهن هيئة قناة السويس على عودة تدريجية لخطوط الملاحة الكبرى إلى النصف الثاني من 2026 إذا استقرت الأوضاع الأمنية في البحر الأحمر، وهو رهان ما زال معلقا بقرار لم يُتخذ بعد في طهران.
المصادر
- الجزيرة (Al Jazeera) – “Strait of Hormuz traffic plunges as US, Iran resume fighting”
https://www.aljazeera.com/economy/2026/7/10/strait-of-hormuz-shipping-grinds-to-halt-as-us-iran-resume-fighting – اطُلع عليه في 17 يوليو 2026 - أخبار الأمم المتحدة (UN News) – “US-Iran war leaves shipping at near-standstill in Hormuz again”
https://news.un.org/en/story/2026/07/1167905 – اطُلع عليه في 17 يوليو 2026 - مجلة تايم (TIME) – “Will Iran Target Another Maritime Chokepoint? The Bab El-Mandeb Strait Is Under Threat”
https://time.com/article/2026/07/15/iran-war-bab-el-mandeb-strait-trade-route-houthis-threat/ – اطُلع عليه في 17 يوليو 2026 - منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO) – “Global Agrifood Implications of the 2026 Conflict in the Middle East”
https://openknowledge.fao.org/server/api/core/bitstreams/1aafb5d8-39d1-481a-b1f8-25facaec3051/content – اطُلع عليه في 17 يوليو 2026 - المنتدى الاقتصادي العالمي (World Economic Forum) – “What stopping war-risk insurance in the Strait of Hormuz tells us”
https://www.weforum.org/stories/2026/04/how-middle-east-war-turning-governments-into-insurers-last-resort/ – اطُلع عليه في 17 يوليو 2026 - وكالة أنباء شينخوا الصينية (وكالة رسمية صينية) عبر GlobalSecurity.org – “War-risk insurance rates for Strait of Hormuz vessels rise amid renewed tensions”
https://www.globalsecurity.org/wmd/library/news/iran/2026/07/iran-260711-pdo02.htm – اطُلع عليه في 17 يوليو 2026 - مجلة AGBI – “Suez Canal revenue down $10bn due to regional conflicts”
https://www.agbi.com/transport/2026/03/suez-canal-revenue-down-10bn-in-regional-conflict/ – اطُلع عليه في 17 يوليو 2026 - مركز أورف للشرق الأوسط (ORF Middle East) – “The Impacts of the Middle East Crisis on Food, Water, and Economic Security”
https://orfme.org/expert-speak/the-impacts-of-the-middle-east-crisis-on-food-water-and-economic-security/ – اطُلع عليه في 17 يوليو 2026
يوسف عبد الله



