منذ اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى في 28 فبراير 2026، تحوّل مضيق هرمز، الذي كان يشهد يومياً عبور ما بين 100 و140 سفينة تنقل نحو خمس التجارة البحرية العالمية للنفط، إلى ممر شبه مغلق. وبحسب بيانات منصة “IMF PortWatch” التي استشهدت بها شبكة “الجزيرة”، هبط متوسط العبور خلال الفترة الممتدة بين 18 يونيو و5 يوليو 2026 إلى نحو 28 سفينة يومياً فقط، أي أقل بكثير من المعدل السابق للحرب. وفي 21 يوليو الجاري، لم تتجاوز السفن العابرة عشر سفن، مقابل 16 سفينة في اليوم السابق، وفق بيانات شركة “S&P Global Commodities at Sea”.
من ثلاث سفن في اليوم إلى هدنة هشة: خط زمني للانهيار
بلغ الانهيار ذروته في مطلع مارس 2026، حين لم يعبر المضيق سوى ثلاث سفن في يوم 9 مارس، قبل أن يرتفع العدد إلى ثماني سفن في اليوم التالي، بحسب تقرير نشرته وكالة “S&P Global” استناداً إلى بيانات تتبع الملاحة. وذكرت “الجزيرة” أن حركة العبور انهارت في ذروة الحرب إلى ما لا يزيد عن سفينتين ناقلتين يومياً. فرضت الولايات المتحدة في 13 أبريل حصاراً بحرياً على السواحل الإيرانية، واعترضت القوات الأمريكية 85 سفينة، بينما تمكنت 26 سفينة من الالتفاف على الحصار وفق بيانات “لويدز ليست”. وبعد توقيع مذكرة تفاهم بين واشنطن وطهران في 17 يونيو، عادت الحركة تدريجياً، قبل أن تتجدد الهجمات مطلع يوليو، حين استُهدفت ثلاث سفن في يومي 6 و7 يوليو، من بينها ناقلة الغاز القطرية “الرقيات”، ما دفع واشنطن إلى سحب ترخيص كانت قد منحته لبيع النفط الإيراني. ومع منتصف يوليو، أصابت صواريخ كروز إيرانية ناقلتين تابعتين لشركة “أدنوك” اللوجستية، ما أسفر عن مقتل بحار واحد، بحسب صحيفة “ذا ناشيونال” الإماراتية.
خطوط أنابيب الرياض وأبوظبي: طوق نجاة محدود السعة
في مواجهة هذا الانكماش، لجأت السعودية إلى تشغيل خط أنابيبها “الشرق-الغرب” المعروف باسم “بترولاين”، الممتد على 1200 كيلومتر بين حقول أبقيق الشرقية وميناء ينبع على البحر الأحمر، بكامل طاقته البالغة سبعة ملايين برميل يومياً، وهو ما أكدته وكالة “بلومبرغ” بحلول 28 مارس 2026. أما الإمارات، فتعتمد على خط أنابيب حبشان-الفجيرة، المعروف اختصاراً بـ”أدكوب”، الذي ينقل ما بين 1.5 و1.8 مليون برميل يومياً نحو ساحل بحر عمان، متجاوزاً المضيق كلياً. غير أن هذين الخطين مجتمعين لا يعوّضان سوى جزء محدود من نحو 20 مليون برميل تعبر المضيق يومياً في الأوضاع العادية، بحسب تقديرات وكالة الطاقة الدولية التي نقلتها “سي إن بي سي”. كما لم يسلم هذا البديل نفسه من الاستهداف، إذ تعرض ميناء الفجيرة لضربات بمسيّرات إيرانية في 3 و14 و16 مارس، ما عطّل عمليات تحميل النفط فيه مؤقتاً. أما العراق، الذي كان يصدّر عبر البصرة قرابة 3.4 ملايين برميل يومياً قبل الحرب، فلا يملك سوى خط أنابيب كركوك-جيهان المار عبر تركيا، والذي لم يتجاوز ضخه 250 ألف برميل يومياً بحلول مارس، بعد إعادة تشغيله في سبتمبر 2025 عقب توقف دام عامين ونصف.
الغاز المسال بلا مخرج بري
على عكس النفط، لا يملك الغاز الطبيعي المسال أي بديل بري للخروج من الخليج. فمحطة رأس لفان القطرية، أكبر منشأة تصدير للغاز المسال في العالم، تقع بأكملها خلف المضيق، ولا يربطها بالأسواق العالمية سوى الناقلات البحرية. وقبل الحرب، كانت قطر ترسل نحو ثلاث ناقلات غاز يومياً عبر هرمز، بحسب تحليل نشره موقع “Discovery Alert” المتخصص في أسواق الطاقة. وبحلول نهاية مايو 2026، أي بعد نحو ثلاثة أشهر من اندلاع النزاع، لم يكن قد أكمل العبور سوى سبع ناقلات غاز فقط، وهو رقم يعكس شبه توقف تام لهذا النوع من الصادرات. ولا يملك قطاع الغاز المسال خيار الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، كما فعلت شركات الشحن خلال أزمة البحر الأحمر مع الحوثيين، ذلك أن المضيق ليس ممراً بديلاً بل هو المنفذ البحري الوحيد لحقول الخليج نحو المحيط المفتوح.
تأمين بعشرات الملايين: من يدفع الفاتورة في النهاية؟
انعكس تصاعد الهجمات مباشرة على كلفة تأمين الناقلات ضد مخاطر الحرب، إذ ارتفعت الأقساط من نحو 0.25 بالمئة من قيمة هيكل السفينة قبل الحرب إلى ما بين 7.5 و10 بالمئة بحلول 22 يوليو، وفق تصريحات ماركوس بيكر، رئيس قسم الشحن البحري في شركة الوساطة التأمينية “مارش”، لوكالة “بلاتس”. وعملياً، يعني هذا أن ناقلة تبلغ قيمتها 100 مليون دولار قد تتحمل قسط تأمين يتراوح بين 3 و10 ملايين دولار للرحلة الواحدة، بعدما كان لا يتجاوز 250 ألف دولار قبل النزاع، بحسب صحيفة “ذا ناشيونال”. وبلغت كلفة شحن حمولة نفط خام قدرها 270 ألف طن من الخليج إلى الصين 77.96 دولاراً للطن الواحد بحلول 22 يوليو، وهو ما يجعل فاتورة التأمين وحدها على هذه الحمولة تقارب 21 مليون دولار، بحسب حسابات “الجزيرة” استناداً إلى بيانات “S&P Global”. هذه الكلفة لا تبقى عند شركات الشحن، بل تنتقل إلى المستأجرين ثم إلى شركات تداول النفط، قبل أن تُدرج في السعر النهائي للخام المسلَّم، لتصل في آخر السلسلة إلى المصافي والمستهلكين. ولتوضيح آلية الانتقال هذه، لجأت شركة الشحن الألمانية “هاباغ لويد” إلى فرض رسم إضافي يصل إلى 3500 دولار على كل حاوية عابرة لمناطق الخليج، وهو رسم يجسّد كيف تتحول فاتورة التأمين إلى تكلفة مباشرة على سلاسل التوريد.
انقسام أسطول الناقلات بين المجازفة والانسحاب
أدت المخاطر المتصاعدة إلى انقسام واضح داخل سوق الناقلات العالمية. فبينما تراجعت شركات الشحن الخاصة الكبرى عن إرسال أساطيلها إلى المنطقة، واصلت سفن مرتبطة بدول أو خاضعة لعقوبات عبورها، أحياناً بإطفاء أجهزة تتبعها الآلية. وقلّصت رابطة ملاك السفن اليابانية عدد ناقلاتها العاملة في الخليج من 45 سفينة في بداية النزاع إلى 37 سفينة بحلول نهاية يونيو، بحسب “Discovery Alert”. في المقابل، واصلت ناقلات هندية، من بينها “غرين آشا” و”بي دبليو تير” و”بي دبليو إلم”، عبور المضيق لنقل الغاز المسال والنفط من الإمارات وعُمان، بحسب وكالة الأنباء الهندية الرسمية. وسجّلت “بلومبرغ” في يوليو عبور ناقلتين يونانيتين عملاقتين تابعتين لشركة واحدة عبر الممر المحمي أمريكياً قرب سواحل عُمان، بينما أطفأت إشارتيهما لساعات أثناء الاقتراب من المضيق، وهي ممارسة أصبحت شائعة بين السفن التي تفضل تجنب رصد تحركاتها.
سباق خليجي نحو الاستقلال الدائم عن هرمز
في ظل هذه المعطيات، لم تعد المسألة تدبير أزمة عابرة، بل إعادة تشكيل دائمة لخريطة تصدير الطاقة في الخليج. فقد أعلنت أبوظبي تسريع بناء خط أنابيب جديد موازٍ لـ”أدكوب”، بهدف مضاعفة طاقته إلى 3.6 ملايين برميل يومياً بحلول منتصف 2027، بحسب ما أوردته شركة تحليل بيانات الشحن “كبلر” ووكالة “الجزيرة”. وتدرس السعودية من جهتها توسيع خط “الشرق-الغرب” بمقدار مليوني برميل إضافيين يومياً، بينما يبحث العراق عن ممر بديل عبر البحر المتوسط مروراً بتركيا وسوريا، وإن كان ذلك على أفق زمني يمتد من ثلاث إلى خمس سنوات. تبقى المحطة المقبلة في هذا الملف مرتبطة بموعد تشغيل خط الأنابيب الإماراتي الجديد في 2027، وباستمرار هشاشة الهدنة الأمريكية الإيرانية التي لم تصمد حتى الآن أمام أول اختبار جدي لها.
المصادر
- الجزيرة – “كيف ترتفع أسعار التأمين البحري مع إغلاق هرمز وباب المندب” – https://www.aljazeera.com/economy/2026/7/23/how-shipping-insurance-rates-are-rising-as-hormuz-bab-al-mandeb-shut-down – تاريخ الاطلاع: 25 يوليو 2026
- الجزيرة – “مضيق هرمز: ما الذي حدث منذ مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية في 17 يونيو” – https://www.aljazeera.com/news/2026/7/9/strait-of-hormuz-what-has-happened-since-the-us-iran-mou-on-june-17 – تاريخ الاطلاع: 25 يوليو 2026
- سي إن بي سي – “خطا الأنابيب اللذان يساعدان السعودية والإمارات على تجاوز مضيق هرمز” – https://www.cnbc.com/2026/03/12/strait-of-hormuz-oil-pipelines-iran-war-saudi-arabia-uae.html – تاريخ الاطلاع: 25 يوليو 2026
- إس آند بي غلوبال – “ارتفاع حركة العبور في هرمز إلى ثماني سفن” – https://www.spglobal.com/energy/en/news-research/latest-news/crude-oil/031126-hormuz-traffic-increases-at-least-two-sanctioned-ships-cross-strait-cas – تاريخ الاطلاع: 25 يوليو 2026
- كبلر – “سباق دول الخليج لبناء بنية تحتية بديلة لمضيق هرمز” – https://www.kpler.com/blog/new-pipelines-bypassing-the-strait-of-hormuz-could-come-online-in-1-2-years – تاريخ الاطلاع: 25 يوليو 2026
- ذا ناشيونال – “ارتفاع جديد لتأمين الشحن مع تصاعد الهجمات في مضيق هرمز” – https://www.thenationalnews.com/business/2026/07/17/war-risk-shipping-premium-surges-again-as-tensions-escalate-at-strait-of-hormuz/ – تاريخ الاطلاع: 25 يوليو 2026
يوسف عبد الله



