الرئيسيةالتحليلاتقراءة في الأحداثلماذا ينقسم الاقتصاد العربي بين رهان الذكاء الاصطناعي وإدارة الانهيار؟

لماذا ينقسم الاقتصاد العربي بين رهان الذكاء الاصطناعي وإدارة الانهيار؟

تراهن دول خليجية بمئات مليارات الدولارات على الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة لبناء اقتصاد ما بعد النفط، في الوقت الذي تدير فيه دول أخرى في المنطقة نفسها انهياراً اقتصادياً تغذيه الحرب والديون. هذا التباين المتسع بين اقتصادين عربيين متجاورين جغرافياً ومتباعدين مصيرياً يكشف فجوة تتجاوز فارق الثروة النفطية وحدها.

صدّرت المملكة العربية السعودية قائمة أكبر الاقتصادات العربية في عام 2026 بعدما حلّت في المرتبة السادسة عشرة عالمياً، تلتها مصر ثانياً والإمارات ثالثاً، وفق تقرير حديث لصندوق النقد الدولي نُشر مطلع نيسان/أبريل 2026. في المقابل، يتوقع الصندوق نفسه انكماشاً حاداً لاقتصاد لبنان خلال العام الجاري، فيما يقدّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن السودان فقد قرابة نصف حجم اقتصاده في أقل من ثلاث سنوات من الحرب. الفارق ليس في حجم الاقتصادات فحسب، بل في الاتجاه الذي تسير فيه: دول تراكم بنية تحتية رقمية وطاقوية للعقد المقبل، وأخرى تستنزف ما تبقى من مواردها لتمويل الصراع أو لسداد فاتورة أزمات متجذرة منذ سنوات.

مئة مليار دولار في اتجاه واحد: رهان الخليج على الذكاء الاصطناعي

أعلن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان عبر شركة “هيومين”، المملوكة لصندوق الاستثمارات العامة، عن استثمارات تتجاوز 100 مليار دولار مخصصة لبناء مراكز بيانات وبنية تحتية متطورة للذكاء الاصطناعي. وحصلت الشركات السعودية العاملة في هذا القطاع على تمويلات بلغت 9.1 مليار دولار عبر 70 صفقة استثمارية خلال العام الماضي، بحسب ما ذكرته صحيفة “الشرق الأوسط” في آذار/مارس 2026. ودشّنت المملكة مطلع العام مركز بيانات “هيكساجون”، الذي يوصف بأنه أكبر منشأة بيانات حكومية في العالم بطاقة استيعابية تصل إلى 480 ميغاواط، إلى جانب الحاسوب العملاق “شاهين 3” وتوسّع في تسع مناطق سحابية.

الإمارات تسير في المسار ذاته. يدخل مجمع “ستارغيت” الإماراتي الأميركي في أبوظبي، بقدرة إنتاجية تبلغ خمسة غيغاواط وقيمة استثمارية تتجاوز 27 مليار دولار، مرحلته التشغيلية الأولى بداية 2026. ويستهدف صندوق “إم جي إكس” في أبوظبي استثمارات سنوية تتراوح بين 8 و10 مليارات دولار في البنى التحتية والتقنيات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. ما يميز هذا الاندفاع ليس فقط حجم الأرقام، بل كونه جزءاً من استراتيجية دولة معلنة: خصصت المملكة أكثر من 30 في المئة من ميزانية مشروع “نيوم” البالغة 500 مليار دولار للبنية التحتية الرقمية وحدها.

الهيدروجين الأخضر يدخل حسابات التنويع الاقتصادي

لا يقتصر الرهان الخليجي على الذكاء الاصطناعي. تستثمر “نيوم للهيدروجين الأخضر” 8.4 مليار دولار في منشأة متكاملة بدعم 23 مصرفاً محلياً وإقليمياً ودولياً، بهدف إنتاج 1.2 مليون طن سنوياً من الأمونيا للتصدير عند بدء التشغيل التجاري المرتقب خلال 2026. وتدرس المملكة، بحسب تقارير نقلتها وكالة “بلومبرغ”، ضخ ما لا يقل عن 10 مليارات دولار إضافية عبر صندوقها السيادي في القطاع نفسه. الإمارات من جهتها راكمت عبر شركة “مصدر” وتحالف أبوظبي لطاقة الهيدروجين استثمارات موازية، فيما بلغت استثمارات شركة “أكوا باور” السعودية، الداخلية والخارجية مجتمعة، نحو 79.4 مليار دولار في مشاريع الطاقة المتجددة عبر الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب شرق آسيا.

هذا التوجه لا يعكس فقط رغبة في تنويع مصادر الدخل بعيداً عن النفط، بل يكشف عن قدرة مؤسسية على تحويل الفائض المالي إلى أصول إنتاجية طويلة الأمد، وهو ما يفتقر إليه الجزء الآخر من الخريطة العربية.

حين تتحول الحرب إلى نظام اقتصادي: السودان نموذجاً

انكمش الناتج المحلي الإجمالي للسودان بنسبة 37.5 في المئة في عام 2023 وحده، وفق بيانات البنك الأفريقي للتنمية، قبل أن يبلغ الانكماش التراكمي 42 في المئة بنهاية 2025. فقد الجنيه السوداني أكثر من 87 في المئة من قيمته خلال ثلاث سنوات، إذ ارتفع سعر صرفه في السوق الموازية من 570 جنيهاً للدولار عام 2022 إلى 4150 جنيهاً في نيسان/أبريل 2026. وحذّر تقرير مشترك لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومعهد الدراسات الأمنية في جنوب أفريقيا، نُشر في نيسان/أبريل 2026 ونقلته “الجزيرة نت”، من أن استمرار النزاع حتى عام 2030 قد يخفض الناتج المحلي السوداني بمقدار 34.5 مليار دولار بحلول 2043 مقارنة بسيناريو غياب الحرب، مع تجاوز نسبة الفقر المدقع 60 في المئة من السكان.

الأخطر أن الحرب لم تعد عاملاً طارئاً على الاقتصاد السوداني، بل تحوّلت إلى الإطار الذي يُدار داخله هذا الاقتصاد بالكامل، إذ باتت موازين القوة العسكرية، لا القوانين الاقتصادية، هي التي تحدد حركة السلع والعملة في السوق. تراجعت إيرادات الدولة إلى 4.7 في المئة فقط من الناتج المحلي، مقابل 10 في المئة عام 2022، بينما يذهب أكثر من 70 في المئة من إنتاج الذهب السوداني خارج القنوات الرسمية نحو تمويل السلاح والميليشيات.

لبنان بين وقف إطلاق النار وفاتورة إعادة إعمار بمليارات الدولارات

توقع صندوق النقد الدولي، في تصريح لمتحدثته باسمه جولي كوزاك أواخر حزيران/يونيو 2026، انكماشاً جديداً للناتج المحلي اللبناني خلال العام الجاري نتيجة تداعيات استئناف الحرب، فيما قدّر معهد التمويل الدولي أن يتراوح هذا الانكماش بين 12 و16 في المئة. وكان البنك الدولي قد قدّر في تقييمه السريع للأضرار والاحتياجات، الصادر في تشرين الثاني/نوفمبر 2024، الكلفة الاقتصادية للصراع بنحو 14 مليار دولار، منها 6.8 مليارات أضرار مادية مباشرة و7.2 مليارات خسائر إنتاجية، فيما تُقدَّر احتياجات إعادة الإعمار بنحو 11 مليار دولار إضافية.

في موازاة ذلك، لا تزال المفاوضات بين بيروت وصندوق النقد متعثرة حول إعادة هيكلة قطاع مصرفي يحمل فجوة مالية تتجاوز 70 مليار دولار، بعدما أقر البرلمان اللبناني في تموز/يوليو 2025 أول إطار قانوني لمعالجة إعسار المصارف منذ بداية الأزمة عام 2019. يقدّر البنك الدولي أن التعافي الكامل قد يحتاج بين سبع وعشر سنوات في حال استقرار الوضع الأمني وإطلاق الإصلاحات، وإلا فإن البلاد تدخل مرحلة انهيار أطول وأكثر قسوة.

صندوق النقد يرصد الفجوة: نمو متفاوت داخل المنطقة نفسها

لا يقتصر التباين على الدول التي تعيش حروباً مفتوحة. توقع صندوق النقد الدولي انكماشات اقتصادية حادة في قطر والكويت والعراق خلال 2026 بسبب اضطرابات في إنتاج الطاقة ونقلها، على أن يعقبها انتعاش قوي في 2027. أما السعودية فتبدو أقل تأثراً نسبياً، إذ يتوقع الصندوق نمواً بنسبة 1.7 في المئة هذا العام يرتفع إلى 5.5 في المئة في 2027، مستفيدة من تنوع قنوات التصدير واستمرار برامج الإصلاح. وحتى مصر، التي تحتل المرتبة الثانية عربياً بناتج محلي إجمالي بلغ نحو 1.3 تريليون دولار وفق تعادل القوة الشرائية، لا تزال تعتمد على برامج دعم من صندوق النقد لضبط توازناتها المالية، وهو ما يكشف أن ترتيب حجم الاقتصاد لا يعني بالضرورة استقلالية القرار المالي.

ما يفسر اتساع هذه الفجوة ليس فارق الثروة النفطية وحده، بل القدرة المؤسسية على تحويل الفائض إلى بنية إنتاجية مستقبلية، في مقابل اقتصادات تحوّلت فيها الحرب أو الانهيار المصرفي إلى نظام قائم بذاته يعيد إنتاج نفسه سنة بعد أخرى.

ما الذي يحدد موقع كل دولة على خط الانقسام؟

يشير تقرير صندوق النقد الدولي، الصادر في شباط/فبراير 2026 ونقلته صحيفة “الدستور”، إلى أن الاقتصادات العربية التي أظهرت صموداً أمام التقلبات العالمية استفادت من تنويع مصادر الدخل وتحسين الوصول إلى أسواق رأس المال والاستثمار المبكر في البنية التحتية التقنية، بينما بقي التوتر الجيوسياسي وارتفاع الديون من أبرز التهديدات المشتركة لمعظم دول المنطقة، بلا استثناء لدول الخليج نفسها. فحتى الاقتصادات الأكثر ثراء تواجه مخاطر مرتبطة بتقلبات أسعار الطاقة وتوترات مضيق هرمز، لكنها تدخل هذه المرحلة بهامش مالي يتيح لها الاستثمار بدل التقشف.

الاستحقاق المقبل الذي سيختبر اتساع هذه الفجوة أو تضييقها هو دخول مصنع “نيوم للهيدروجين الأخضر” مرحلة التشغيل التجاري الكامل المقررة خلال 2026 و2027، في التوقيت نفسه الذي تسعى فيه بيروت لإقرار إطار مالي متوسط الأجل يفتح الباب أمام برنامج تمويلي شامل مع صندوق النقد الدولي.


المصادر

  1. العربية.نت – “صندوق النقد: السعودية أكبر اقتصاد عربي في 2026 ومصر ثانية والعراق خامسا” – https://www.alarabiya.net/aswaq/economy/2026/04/06 – تاريخ الاطلاع: 15 تموز/يوليو 2026
  2. الشرق الأوسط – “عام الذكاء الاصطناعي في السعودية… دفع قوي لاقتصاد البيانات” – https://aawsat.com/الاقتصاد/5250038 – تاريخ الاطلاع: 15 تموز/يوليو 2026
  3. البنك الدولي – صفحة لبنان، تقرير مرصد الاقتصاد اللبناني والتقييم السريع للأضرار والاحتياجات – https://www.albankaldawli.org/ext/ar/country/lebanon – تاريخ الاطلاع: 15 تموز/يوليو 2026
  4. الجزيرة نت – “منظمة أممية ترسم 3 سيناريوهات لمستقبل اقتصاد السودان” (استناداً إلى تقرير مشترك لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومعهد الدراسات الأمنية) – https://www.aljazeera.net/ebusiness/2026/4/15/undp-economic-impact-sudan – تاريخ الاطلاع: 15 تموز/يوليو 2026
  5. إرم نيوز – “صندوق النقد يتوقع انكماش الناتج المحلي الإجمالي اللبناني العام الجاري” – https://www.eremnews.com/economy/dkd76dl – تاريخ الاطلاع: 15 تموز/يوليو 2026
  6. الدستور – “صندوق النقد: الاقتصادات العربية صمدت أمام التحديات العالمية بالتنوع والذكاء الاصطناعي” – https://www.dostor.org/5412154 – تاريخ الاطلاع: 15 تموز/يوليو 2026

يوسف عبد الله

شكرًا على قراءة المقال. اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية لتتلقى ملخصًا يوميًا لأحدث الأخبار.

يوسف عبد الله
يوسف عبد اللهhttps://alahrar.net/
يوسف عبد الله صحفي اقتصادي يتابع قضايا الأسواق والطاقة والاستثمار وريادة الأعمال والتنمية المستدامة. يهتم بتحليل المؤشرات الاقتصادية وشرح أثر القرارات المالية في الشركات والأسر والمجتمعات، كما يتابع التحولات المرتبطة بالطاقة النظيفة والأمن الغذائي والمياه. يحرص في كتاباته على تقديم الأرقام في سياق واضح، بعيداً عن المصطلحات المعقدة والمبالغة.
مقالات ذات صلة
spot_img

ملفات الأحرار

الأكثر شهرة