الرئيسيةحقوق الإنسانالحرياتحكم فتحي غراس بالسجن : محكمة الاستئناف بالجزائر تؤيد العقوبة سنتين نافذتين

حكم فتحي غراس بالسجن : محكمة الاستئناف بالجزائر تؤيد العقوبة سنتين نافذتين

أيدت الغرفة الجزائية لدى مجلس قضاء الجزائر، في قرار صدر يوم الثلاثاء 21 يوليو 2026، الحكم الابتدائي القاضي بسجن المنسق الوطني لحركة الديمقراطية الاجتماعية فتحي غراس سنتين نافذتين مع غرامة مالية قدرها 300 ألف دينار جزائري. يرفض القرار في آن واحد طلب النيابة العامة تشديد العقوبة وطلب هيئة الدفاع البراءة، ليعيد إلى الواجهة ملفا قضائيا يلاحق أحد أبرز وجوه المعارضة اليسارية في البلاد منذ سنوات.

أعلنت المحامية فطة السادات، العضو في هيئة الدفاع الجماعي عن محتجزي الرأي في الجزائر، أن محكمة الاستئناف أيدت الحكم المستأنف في جميع أحكامه، بعد جلسة عقدت في الخامس من مايو الماضي طالبت خلالها النيابة بتشديد العقوبة الصادرة في الدرجة الأولى، في حين دافعت هيئة الدفاع عن البراءة الكاملة، معتبرة أن الوقائع المنسوبة لغراس لا تعدو كونها تعبيرا سياسيا لا يشكل جريمة. القرار يتعلق بحكم أصدرته محكمة حسين داي، القسم الجزائي، في 21 أكتوبر 2025.

حكم يستند إلى مادتين من قانون العقوبات

يلاحق فتحي غراس بموجب تهمتين حددهما قانون العقوبات الجزائري: إهانة هيئة نظامية بموجب المادة 146، ونشر أخبار كاذبة من شأنها المساس بالنظام العام والأمن العمومي بموجب المادة 196 مكرر. وكانت السلطات قد أوقفت غراس في 29 سبتمبر 2025 داخل منزله، قبل أن يحال في اليوم الموالي أمام وكيل الجمهورية بصيغة المثول الفوري، وهو إجراء استعجالي يقلص آجال التقاضي ويحد من هوامش إعداد الدفاع. وبحسب ما نقلته وسائل إعلام جزائرية عن دفاعه، فإن المتابعة جاءت على خلفية تصريحات وجهها للرئيس عبد المجيد تبون خلال لقاء إعلامي تطرق فيه إلى مراجعة قانوني الانتخابات والأحزاب.

في المقابل، لم تقنع حجج الدفاع قضاة الاستئناف، الذين اختاروا تثبيت الحكم الابتدائي بكامل بنوده، بما في ذلك مصادرة الأغراض المحجوزة أثناء التحقيق. وبذلك، يبقى غراس، الذي تولى قيادة حركة معلقة قضائيا منذ فبراير 2023، محكوما عليه بعقوبة سالبة للحرية تضاف إلى سلسلة من الملاحقات القضائية التي رافقت مساره السياسي منذ اندلاع الحراك الشعبي عام 2019.

من الحراك إلى اليوم: مسار متكرر من الاعتقال والمحاكمة

لم تكن قضية أكتوبر 2025 الأولى من نوعها بالنسبة لمنسق حركة الديمقراطية الاجتماعية. فقد أوقف غراس للمرة الأولى في 30 يونيو 2021 في خضم الحراك الشعبي، وأدين ابتدائيا في يناير 2022 بالسجن سنتين نافذتين، قبل أن يستفيد من تخفيف العقوبة في الاستئناف ويغادر سجن الحراش في مارس من العام نفسه. وفي أواخر أغسطس 2024، أي قبيل الانتخابات الرئاسية التي جرت في 7 سبتمبر من العام ذاته، اعتقل مجددا بتهمة إهانة رئيس الجمهورية، لتقضي محكمة باب الوادي في يناير 2025 بسجنه سنة نافذة وغرامة قدرها 200 ألف دينار، إلى جانب تعويض رمزي دينار واحد للرئيس تبون الذي تأسس كطرف مدني في القضية. كما أدينت زوجته مسعودة شبالة، عضو الأمانة التنفيذية للحركة، بستة أشهر حبسا مع وقف التنفيذ في القضية ذاتها. وأيدت محكمة الاستئناف ذلك الحكم في 21 مايو 2025، فيما لجأ غراس إلى الطعن بالنقض وترك في حالة سراح مؤقت.

هذا التكرار في المتابعات القضائية لا يشكل واقعة معزولة، بل يندرج ضمن نمط ملاحقة طال أحد أقدم وجوه اليسار الجزائري على مدى ست سنوات متتالية، ما يجعل من مسار غراس القضائي مرآة للتوتر البنيوي القائم بين السلطة والمعارضة السياسية في البلاد منذ نهاية الحراك.

من هو فتحي غراس ولماذا يتصدر واجهة المعارضة اليسارية

ولد فتحي غراس، وهو مهندس زراعي بالتكوين، في 20 يوليو 1973 بالجزائر العاصمة، والتحق بحركة الديمقراطية الاجتماعية عام 1998 وهو طالب في المعهد الفلاحي بمستغانم، قبل أن يتدرج داخل مكتبها الوطني ليصبح منسقها الوطني. وتنتمي الحركة، المعروفة اختصارا بالأمدياس، إلى تيار اليسار العلماني الجزائري، وقد برزت كأحد الأصوات المساندة للحراك الشعبي منذ انطلاقته في فبراير 2019. وعلقت السلطات القضائية نشاط الحزب منذ فبراير 2023، دون أن يمنع ذلك غراس من مواصلة نشاطه السياسي والإعلامي عبر التصريحات الصحفية ومنصات التواصل الاجتماعي. وتشير خلفيته السياسية إلى نشاط متواصل في صفوف المعارضة منذ نهاية التسعينيات، ما يفسر جزئيا استمرار استهدافه من قبل النيابات العامة كلما اقترب موعد سياسي حساس كالانتخابات.

تضامن حزبي وتنديد حقوقي عقب تأييد الحكم

أعرب حزب العمال، عبر بيان صادر عن أمانة مكتبه السياسي، عن تضامنه الكامل مع فتحي غراس، ودعا إلى إجراءات تهدئة تبدأ بالإفراج عن جميع محتجزي الرأي، وإلى إنهاء ما وصفه بالإجراءات المقيدة للحريات وتسييس القضاء. واعتبر الحزب أن الجزائر بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى مساحة أوسع من الحريات والنقاش السياسي والإعلامي، لمواجهة التحديات الداخلية والدولية عبر الحوار الديمقراطي.

من جهتها، اعتبرت منظمة ريبوست انترناسيونال، المعنية بالدفاع عن الحريات السياسية، في تعليق لها على تأييد الحكم، أن الملاحقة تطرح سؤالا جوهريا حول إمكانية معاقبة تصريحات سياسية نقدية جنائيا متى وردت في إطار نقاش عام سلمي، معتبرة أن “حرية التعبير السياسي تشكل أحد أسس أي نظام ديمقراطي”. وسبق لمحامين ومنظمات حقوقية جزائرية أن نددوا، في مناسبات متكررة خلال الأشهر الأخيرة، بما وصفوه بتضييق متزايد على هامش التعبير السياسي في البلاد.

سياق انتخابي مشحون بملف الحريات

يأتي تأييد الحكم في سياق سياسي مشحون بملف الحريات، إذ خاضت الجزائر قبل ثلاثة أسابيع فقط انتخاباتها التشريعية في 2 يوليو 2026. وكانت أحزاب المعارضة الديمقراطية قد جعلت من إطلاق سراح محتجزي الرأي، الذين قدر عددهم بنحو 250 شخصا بحسب تصريحات قادة هذه الأحزاب، أحد مطالبها المركزية خلال الحملة الانتخابية، إلى جانب الدعوة إلى توسيع هوامش الحرية السياسية والإعلامية وضمان استقلالية القضاء. وفي المقابل، نفت الأحزاب الموالية للرئاسة وجود أي شكل من أشكال التجاوزات في التعامل مع المعارضين.

بتأييد حكم الاستئناف، تصبح العقوبة نهائية على مستوى درجتي التقاضي العاديتين، ولا يبقى أمام دفاع غراس سوى اللجوء إلى الطعن بالنقض أمام المحكمة العليا، وهو المسار ذاته الذي سلكه في قضيته السابقة دون أن يوقف تنفيذ الحكم بشكل تلقائي. وتعيد هذه القضية طرح النقاش حول حدود المادتين 146 و196 مكرر من قانون العقوبات في التعامل مع الخطاب السياسي المعارض، في وقت تتواصل فيه دعوات هيئات الدفاع من أجل الإفراج عن محتجزي الرأي.


المصادر

  1. جون أفريك (Jeune Afrique) – تقرير حول تأييد محكمة الاستئناف بالجزائر الحكم القاضي بسجن فتحي غراس سنتين
    https://www.jeuneafrique.com/1826269/politique/lopposant-algerien-fethi-ghares-a-nouveau-condamne-a-deux-ans-de-detention-pour-outrage/ – تاريخ الاطلاع: 23 يوليو 2026
  2. لوماتان دالجيري (Le Matin d’Algérie) – نص القرار الصادر عن الغرفة الجزائية لمجلس قضاء الجزائر وبيان تضامن حزب العمال
    https://lematindalgerie.com/la-cour-dalger-confirme-la-peine-de-2-ans-de-prison-ferme-contre-fethi-ghares/ – تاريخ الاطلاع: 23 يوليو 2026
  3. ألترا الجزائر (Ultra Algeria) – تغطية جلسة تأييد حكم سجن فتحي غراس عامين نافذين
    https://ultraalgeria.ultrasawt.com/فريق-التحرير/أخبار/محكمة-الاستئناف-لدى-مجلس-قضاء-الجزائر-تؤيد-سجن-فتحي-غراس-لعامين-نافذين/ – تاريخ الاطلاع: 23 يوليو 2026
  4. جون أفريك (Jeune Afrique) – تغطية الحكم الابتدائي الصادر في أكتوبر 2025 والمسار القضائي السابق لغراس
    https://www.jeuneafrique.com/1733129/politique/en-algerie-fethi-ghares-de-nouveau-condamne-pour-outrage-au-president/ – تاريخ الاطلاع: 23 يوليو 2026
  5. أمادال أمازيغ (نقلا عن بيان منظمة ريبوست انترناسيونال) – تعليق المنظمة على تأييد الحكم
    https://amadalamazigh.press.ma/fr/condamnation-de-fethi-gheras-riposte-internationale-denonce-une-atteinte-aux-libertes-politiques-et-a-la-liberte-dexpression/ – تاريخ الاطلاع: 23 يوليو 2026
  6. الشرق الأوسط (Asharq Al-Awsat) – تقرير حول مطالب الأحزاب الديمقراطية بالإفراج عن محتجزي الرأي قبيل التشريعيات
    https://aawsat.com/العالم-العربي/شمال-افريقيا/5222796 – تاريخ الاطلاع: 23 يوليو 2026

ليلى منصور

شكرًا على قراءة المقال. اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية لتتلقى ملخصًا يوميًا لأحدث الأخبار.

ليلى منصور
ليلى منصورhttps://alahrar.net/
ليلى منصور صحفية عربية تهتم بقضايا المجتمع وحقوق الإنسان والمرأة والهجرة والتحولات الاجتماعية في المنطقة العربية. تركز في عملها على القصص الإنسانية والموضوعات التي تعكس أثر السياسات العامة في الحياة اليومية للمواطنين. تكتب بأسلوب يجمع بين الدقة الصحفية والاهتمام بالشهادات الميدانية، وتسعى إلى تقديم القضايا الاجتماعية بعيداً عن الأحكام المسبقة والتناول السطحي
مقالات ذات صلة
spot_img

ملفات الأحرار

الأكثر شهرة