الرئيسيةالمجتمعقضايا المجتمعثلث عمال لبنان بلا عمل: كيف دمّرت الحرب سوق العمل اللبناني؟

ثلث عمال لبنان بلا عمل: كيف دمّرت الحرب سوق العمل اللبناني؟

كشف تقرير حديث لمنظمة العمل الدولية أن ثلث العاملين في القطاع الخاص اللبناني المشمولين باستطلاع ميداني توقفوا عن العمل مع تجدد المواجهات بين حزب الله وإسرائيل في آذار/مارس 2026. وتُظهر النتائج أن اهتزاز سوق العمل اللبناني، وما ينجم عنه من خسائر في الوظائف والدخل، قد يترك في حياة الأسر أثرا أطول أمدا من الدمار المادي نفسه.

أجرت منظمة العمل الدولية، بالشراكة مع الاتحاد العمالي العام في لبنان واتحاد نقابات المستخدمين والعمال في لبنان (فيناسول)، استطلاعا ميدانيا شمل 2485 عاملا وعاملة في القطاع الخاص، جميعهم كانوا يعملون قبل استئناف النزاع المسلح بين حزب الله وإسرائيل في آذار/مارس 2026. ونُفذ الاستطلاع في أيار/مايو 2026، أي بعد نحو شهرين من عودة القتال الذي جاء بعد أيام قليلة من بدء العملية العسكرية الأميركية الإسرائيلية ضد إيران. ونشرت المنظمة نتائجها في 7 تموز/يوليو 2026 ضمن تقرير بعنوان “سوق العمل اللبناني في أزمة: تقييم آثار تجدد النزاع وعدم الاستقرار الإقليمي”، وخلصت إلى أن 33 في المئة من العمال المشمولين بالاستطلاع لم يعودوا يعملون وقت إجرائه، منهم 28.2 في المئة باتوا عاطلين عن العمل، و4.7 في المئة خرجوا كليا من سوق العمل.

النبطية تسجل أعلى معدل بطالة بواقع 76.5 في المئة

تفاوتت حدة الخسائر بين المحافظات اللبنانية بحسب قربها من خطوط المواجهة. فقد بلغت نسبة فقدان الوظائف بين سكان محافظة النبطية 76.5 في المئة، وهي أعلى نسبة سجلها الاستطلاع على الإطلاق، تلتها محافظة الجنوب بنسبة 43.2 في المئة. غير أن الأثر لم يقتصر على المناطق المتاخمة للجبهة؛ فقد تعرض عمال محافظات أخرى لتراجع الطلب وتراجع النشاط التجاري وضغوط تضخمية واضطرابات أوسع في السوق، وفق ما أوردته منظمة العمل الدولية. وبحسب تحليل نشره موقع إندكس بوكس المتخصص استنادا إلى معطيات التقرير، فقد لبنان أيضا طريقه البري الرئيسي للتجارة، وتراجعت صادراته، وارتفعت تكاليف النقل، في وقت لا يزال فيه اقتصاده يستوعب عبء استضافة نحو مليون لاجئ سوري. وما تكشفه هذه الأرقام مجتمعة هو أن الحرب لا تصيب فقط من يقف في مرمى القذائف، بل تعيد رسم خريطة العمل والدخل في البلد بأكمله.

من جبهة الجنوب إلى مائدة الأسرة: النزوح يهز سوق العمل اللبناني

يرى معدّو التقرير أن النزوح كان المحرك الرئيسي لفقدان الوظائف، إذ إن أكثر من ثلثي العمال الذين ظلوا نازحين وجدوا أنفسهم خارج سوق العمل. وأفاد 37.4 في المئة من العمال المشمولين بالاستطلاع بأنهم كانوا لا يزالون نازحين وقت إجرائه، فيما نزح 14.2 في المئة آخرون خلال النزاع ثم عادوا إلى منازلهم لاحقا. وتباينت نسب النزوح بشكل حاد بين المحافظات: فقد أفاد 97.6 في المئة من عمال النبطية بأنهم نزحوا، مقابل 57.6 في المئة في الجنوب و33.6 في المئة في جبل لبنان. ويأتي هذا التصعيد بعد أقل من عامين ونصف على انتهاء جولة سابقة من المواجهات، امتدت من تشرين الأول/أكتوبر 2023 حتى وقف إطلاق النار في تشرين الثاني/نوفمبر 2024، وكانت قد دفعت حينها بنحو ربع العمال إلى خارج سوق العمل بحسب استطلاع سابق للمنظمة نفسها. ولم يتح النزاع المتجدد لاقتصاد البلاد الوقت الكافي للتعافي من الصدمة السابقة قبل أن يتلقى صدمة جديدة أشد وطأة.

قطاعا العقارات والفنون في الصدارة، والعاملات المنزليات على الهامش

لم توزَّع الخسائر بالتساوي بين القطاعات الاقتصادية. فقد سجّل قطاعا العقارات والفنون والترفيه أعلى معدل بطالة بنسبة 60 في المئة، تلاه قطاع العمل المنزلي بنسبة 51.7 في المئة، فيما تجاوزت نسبة البطالة 40 في المئة في قطاعات الدعم الإداري والخدمات الأخرى والإقامة والضيافة وخدمات الأطعمة. كما تباينت الخسائر بحسب الفئات: بلغت نسبة البطالة بين ذوي الإعاقة 71.4 في المئة، وبين النساء 44.3 في المئة، وبين الشباب من عمر 15 إلى 24 عاما 42.4 في المئة، وبين اللاجئين السوريين 39.4 في المئة، وبين العاملين في وظائف غير رسمية 37.7 في المئة. وكان العمال الذين لا يحملون عقودا مكتوبة، وذوو المستويات التعليمية الأدنى، والعاملون في منشآت صغيرة، أكثر عرضة لفقدان وظائفهم من غيرهم. وفي تحديث منفصل صدر في أيار/مايو 2026 حول الاتجاهات الإقليمية للعمالة، أشارت منظمة العمل الدولية إلى أن أزمة الشرق الأوسط تنتقل إلى أسواق العمل عبر قنوات متعددة، من بينها كلفة الوقود وسلاسل التوريد والطيران والسياحة، وإن كانت المنهجية الكمية المعتمدة في ذلك التحديث لم تشمل لبنان تحديدا.

دخل ينكمش بأكثر من 40 في المئة وأسر تلجأ إلى مدخراتها

لم تتوقف الخسائر عند حدود الوظيفة نفسها. فقد تراجع متوسط الدخل من العمل بنسبة 14.8 في المئة بين العمال الذين حافظوا على وظائفهم، بينما يُقدَّر أن متوسط الدخل الإجمالي لمجمل العينة المشمولة بالاستطلاع تراجع بنسبة 40.4 في المئة إذا أُخذ فقدان الدخل الكامل لمن خسروا وظائفهم بعين الاعتبار. أما من وجدوا عملا جديدا، فقد كان ذلك غالبا بشروط أسوأ، إذ بلغ متوسط دخلهم أقل بنسبة 30.7 في المئة من دخلهم السابق، ودخل معظمهم في وظائف غير رسمية أو أعمال حرة. ولجأت الأسر إلى مدخراتها كوسيلة التكيف الأكثر شيوعا، فيما أفاد أكثر من 40 في المئة من العمال اللبنانيين والسوريين والفلسطينيين بأنهم أجّلوا سداد قروض أو فواتير مستحقة. كما خفّض كثيرون إنفاقهم على الغذاء، وهو ما يعكس ضغطا متصاعدا على الأمن الغذائي للأسر. وبمعنى أدق، لا يُقاس أثر الحرب بعدد من فقدوا وظائفهم فحسب، بل بجودة العمل الذي يحصل عليه من تمكن من البقاء فيه.

التعافي يستلزم برامج طوارئ قبل أي وقف كامل للنزاع

قالت ربى جرادات، المديرة الإقليمية لمنظمة العمل الدولية للدول العربية، إن الأزمة الراهنة في لبنان لا تدمر المباني والبنية التحتية فحسب، بل تدمر أيضا الوظائف والدخل والأسس الهشة لحياة كثير من الناس. وحدّد 45.5 في المئة من العمال المشمولين بالاستطلاع الحاجة إلى مساعدة في إيجاد عمل مستقر كأولوية أولى، فيما طلب 37.7 في المئة دعما لتأمين دخل أعلى أو أكثر انتظاما. وأوصى التقرير ببرامج تعافٍ كثيفة العمالة، ودعم أجور موجه، ومساندة طارئة للنساء وذوي الإعاقة والعاملين المستقلين والمنشآت الصغيرة والمتوسطة، إلى جانب توسيع الحماية الاجتماعية ودعم قانوني للعاملات المنزليات المهاجرات. أما على المدى المتوسط والطويل، فدعت المنظمة إلى تعزيز أنظمة بيانات سوق العمل، وتفعيل مكتب التشغيل الوطني، واعتماد سياسة تشغيل وطنية شاملة. من جهته، أقر وزير الاقتصاد اللبناني عامر بيسات بأن النزاع يعمّق الأزمة، معتبرا أن التعافي على المدى الطويل يبقى ممكنا، فيما تعتبر منظمة العمل الدولية أن وقفا كاملا للنزاع يمثل الشرط الأساسي الأول لأي تعاف حقيقي.

يبقى مصير سوق العمل اللبناني، إذن، مرهونا بمسار المواجهة العسكرية أكثر من ارتباطه بأي إجراء اقتصادي منفرد. فمن دون توقف كامل للقتال، بحسب منظمة العمل الدولية، تظل فرص إعادة فتح المنشآت المغلقة وعودة النازحين إلى مناطقهم محدودة، بينما تستمر الأسر في استنزاف ما تبقى من مدخراتها لتغطية احتياجات يومية باتت أقل ضمانا من أي وقت مضى.


مصادر

  1. منظمة العمل الدولية (ILO) – “One in three private sector workers surveyed in Lebanon no longer working amid renewed hostilities, ILO report finds”
    https://www.ilo.org/resource/news/one-three-private-sector-workers-surveyed-lebanon-no-longer-working-amid – تاريخ الاطلاع: 27 تموز/يوليو 2026
  2. الأمم المتحدة في لبنان – نشر البيان الصحفي الكامل لتقرير منظمة العمل الدولية
    https://lebanon.un.org/en/318791-one-three-private-sector-workers-surveyed-lebanon-no-longer-working-amid-renewed-hostilities – تاريخ الاطلاع: 27 تموز/يوليو 2026
  3. صحيفة ذا ناشيونال (The National) – “Lebanon’s private-sector workforce cut by one-third as Israel war worsens crisis, ILO says”
    https://www.thenationalnews.com/business/economy/2026/07/07/lebanons-private-sector-workforce-cut-by-one-third-as-israel-war-worsens-crisis-ilo-says/ – تاريخ الاطلاع: 27 تموز/يوليو 2026
  4. موقع إندكس بوكس (IndexBox) – “Lebanon Job Losses: ILO Report Shows 33% Workforce Reduction by July 2026”
    https://www.indexbox.io/blog/lebanons-private-sector-workforce-shrinks-by-one-third-amid-conflict-and-crisis/ – تاريخ الاطلاع: 27 تموز/يوليو 2026
  5. صحيفة سايبرس ميل (Cyprus Mail) – “Middle East crisis threatens jobs, incomes and migrant workers, ILO says”
    https://cyprus-mail.com/2026/05/28/middle-east-crisis-threatens-jobs-incomes-and-migrant-workers-ilo-says – تاريخ الاطلاع: 27 تموز/يوليو 2026

ليلى منصور

شكرًا على قراءة المقال. اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية لتتلقى ملخصًا يوميًا لأحدث الأخبار.

ليلى منصور
ليلى منصورhttps://alahrar.net/
ليلى منصور صحفية عربية تهتم بقضايا المجتمع وحقوق الإنسان والمرأة والهجرة والتحولات الاجتماعية في المنطقة العربية. تركز في عملها على القصص الإنسانية والموضوعات التي تعكس أثر السياسات العامة في الحياة اليومية للمواطنين. تكتب بأسلوب يجمع بين الدقة الصحفية والاهتمام بالشهادات الميدانية، وتسعى إلى تقديم القضايا الاجتماعية بعيداً عن الأحكام المسبقة والتناول السطحي
مقالات ذات صلة
spot_img

ملفات الأحرار

الأكثر شهرة