في طريقي نحو شراقة رن هاتفي، كان على الخط سيف، إنه أخ تونسي تربطني به صداقة ومودة منذ زمن طويل، لقد اتصل بي، ليعبر لي عن دعمه ومساندته.
” أخي العزيز كريم، أنتظر بشغف مقالك الأسبوعي، إنك تشرف نضالنا المشترك، ورغم كل الصعاب، يجب علينا أن نتحمل مسؤولياتنا الأخلاقية والسياسية والتاريخية إزاء هذا الانحراف السلطوي الاستبدادي”، ثم قال لي مضيفاً بعزيمة لا تتزعزع، أن المناضلين الحقيقيين لا يمكنهم أن يستسلموا أو يتراجعوا.
توقفت للحظات على جانب الطريق لأطمئن على أحوال أصدقائنا، فبعضهم مسجون اليوم في تونس، وآخرون اضطروا للفرار نحو المنفى، بينما يواصل آخرون وهم قلة، نضالهم رغم التضحيات الجسام.
هؤلاء هم من يصفهم سيف بعبارة لافتة: ” المنفيون في الداخل “
رغم المحن، يظل سيف مقتنعاً بأن تونس ستستعيد طريق الديمقراطية، وأن أيام النظام الحالي باتت معدودة.
تفاؤله ليس ساذجاً ولا مبالغاً فيه، إنه من أولئك الذين يعرفون أن تطلعات الحرية تبقى حية وعصية على الأنظمة التي تدعي خنقها مهما طال الزمن.
لقد تركت في هذه المحادثة انطباعا عميقا، ودفعتني لأخصص مقالي لتونس، إنها مناسبة لأعبر عن تضامني مع كل أولئك الذين يواصلون الدفاع عن الحريات، وكذلك مع جميع النساء والرجال الذين يناضلون من أجل مغرب كبير ديمقراطي، حر، ويحترم الحقوق الأساسية، ومتصالح مع تطلعات شعوبه.
إنه توقيت مناسب، فهو يتصادف مع نزول آلاف التونسيين إلى الشوارع للمطالبة برحيل قيس سعيد
إن عودة الشعب التونسي إلى الشارع مستأنفا حراكه الشعبي، آثارت حملة إعلامية تستحق المتابعة باهتمام وعناية.
بصوت واحد، الصحافة الرسمية في مصر والجزائر والإمارات العربية المتحدة، وكأنها سيمفونية منسقة بإتقان، تشن هجوماً لاذعا على المعارضة التونسية، وكأن استئناف التظاهرات وسقوط النظام التونسي المحتمل قد يفتح الطريق أمام موجة ديمقراطية جديدة قادرة على زعزعة جميع الأنظمة الاستبدادية في المنطقة.
هذا التوافق ليس محض صدفة، إنه تعبير عن الخوف الذي ما زالت تثيره فكرة الديمقراطية لدى الأنظمة التي جعلت من بقاءها هدفها السياسي الوحيد.
من الواضح أن ثورة في تونس، والتي تنطلق من منظور ديمقراطي حقيقي، لن تبقى دون عواقب على الجزائر والقاهرة، فهاتان العاصمتان تتابعان باهتمام بالغ تطور الأوضاع في تونس، مدركتين أن أي تحول سياسي كبير في تونس من المرجح أن يؤدي إلى آثار تتجاوز حدودها بكثير.
إن احتمالية سقوط الديكتاتورية في تونس ستفتح مرحلة سياسية جديدة للمنطقة بأكملها، مثل هذا التطور سيعيد رسم التوازنات ويحيي التطلعات الديمقراطية في مجتمعات تواجه هي أيضاً أزمات سياسية عميقة.
إذا كانت دوائر السلطة في القاهرة والجزائر في حالة تأهب اليوم، فذلك لأنها تدرك حجم الهزة الارتدادية التي قد يحدثها تغيير النظام في تونس، وسيكون من الصعب احتواء تداعيات مثل هذا الحدث، والذي قد يؤدي إلى تحول جذري في المشهد السياسي الإقليمي.
هذا القلق سيزداد حدة مع استمرار تزايد الاحتجاج الشعبي في تونس، فالغضب الذي يملئ الشوارع اليوم، ينبع من واقع لا يمكن إنكاره.
من تراجع إلى آخر، ابتعدت تونس التي كانت تجربة ديمقراطية جميلة، تدريجياً عن مبادئ ومُثُل ثورة 2011.
بعد تعليق الدستور، وحل البرلمان، وتركيز أغلب السلطات في يديه، شرع قيس سعيد، رئيس الدولة الحالي، في عملية تفكيك ممنهجة للسلطات المضادة، وإخضاع القضاء، وتقييد الحريات العامة، وقمع المعارضين والصحفيين والمحامين والقضاة المستقلين ومناضلي حقوق الإنسان.
التناقض هنا: فالبلد الذي أثار إعجاب العالم بأسره بقدرته على بناء انتقال ديمقراطي قائم على الحوار والتعددية والتوافق، أصبح اليوم بلداً لتركيز سلطوي غير مسبوق.
هذه التجربة التونسية، التي أثارت أملاً هائلاً لدى كل الديمقراطيين، لا سيما في شمال إفريقيا والعالم العربي، تشهد اليوم تراجعاً مقلقاً.
إلى جانب هذا الانحراف المؤسساتي، فإن الأوضاع المعيشية للشعب التونسي، تزداد تدهورا.
بينما يركز النظام جهوده للحفاظ على سلطته، تتفاقم الصعوبات اليومية، فالقدرة الشرائية تتراجع باستمرار، والتضخم يثقل كاهل الأسر، والندرة تتوسع، والخدمات العامة تتدهور، والنفايات تغزو المدن، والسياحة تعاني لاستعادة ديناميكيتها، والدين يقلص يوماً بعد يوم هامش المناورة للدولة.
بالإضافة إلى هذه الصعوبات الاقتصادية، هناك أزمة هجرة معقدة، وتوترات اجتماعية متزايدة، وشعور عميق بالتخلي يغذي الغضب الشعبي.
السخط يزداد ويتوسع، والبلاد مهددة بالانفجار في أي لحظة.
رغم ذلك، فالتاريخ علمنا، أنه لا يمكن لأي سلطة، مهما كانت الأدوات التي تسيطر عليها، أن تحكم بلداً بشكل دائم بالقمع، ولا يمكنها الخلط بين سلطة الدولة والاستبداد.
السجون قد تؤجل النضال، لكنها لا تمحوه أبداً، الحريات قد تعلق، لكنها تعود دائماً عندما ترفض الشعوب التخلي عن كرامتها.
تونس تستحق أفضل من هذا الانسداد، فهي تملك مجتمعاً مدنياً حيوياً، ونخباً كفؤة، وتقليداً سياسياً أظهر قدرته على إنتاج توافقات تاريخية.
مستقبلها لن يتحدد بحسابات القوى الإقليمية ولا بمصالح الأنظمة السلطوية، بل بقدرة الشعب التونسي على استعادة روح الثورة، وإعادة بناء دولة القانون، وضمان استقلالية القضاء، واحترام الحريات العامة.
وأنا أعبر عن تضامني مع الديمقراطيين التونسيين، يتجه تفكيري أيضا صوب جميع نساء ورجال المغرب الكبير الذين يواصلون، وغالباً على حساب حريتهم، نفس النضال من أجل الكرامة والعدالة والديمقراطية، فمصير شعوبنا يظل مرتبطا ارتباطا وثيقا.
الحرية التي تنتصر في تونس ستعزز الأمل في الجزائر والرباط ونواكشوط، وفي كل مكان حيث يواصل المواطنون الإيمان بأن الديمقراطية ليست وهما ولا حلما طوباويا، بل هي ضرورة يفرضها التاريخ.
تضامني الثابت مع كل معتقلي الرأي
المجد للشهداء
كريم طابو الجزائر، 28 جويلية 2026



